أبو طيبة محمد مبخوت
07-10-2009, 01:23 AM
ومن آثار الصحابة الدالة على حجية القياس الصحيح الذي هو من اجتهاد الرأي :
- ما رواه الستة من حديث أَبي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب ، فَقالَ عُمَرُ بن الخطاب لأبي بكر : كَيْفَ تُقاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتّى يَقُولوا لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، فَمَنْ قالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ ، وَحِسابُهُ عَلى اللهِ ». فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ، فَإِنَّ الزَّكاةَ حَقُّ الْمالِ ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُوني عقالا كَانوا يُؤَدُّونَه إِلى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقاتَلْتُهُمْ عَلى مَنْعِها . فقالَ عُمَر بن الخطاب : فَو اللهِ ما هُوَ إِلاَّ أَنْ رأيت الله عز قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .
- وما رواه مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ (ت117هـ) قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ – رضي الله عنه -إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِى بَيْنَهُمْ ؛ قَضَى بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَعَلِمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فِي ذَلِكَ الأَمْرِ سُنَّةً ؛ قَضَى بِهِ ، فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ المسلمين ، وَقَالَ : « أَتَانِي كَذَا وَكَذَا ، فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِي ذَلِكَ بِقَضَاءٍ ؟ » ، فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فِيهِ قَضَاءً ، فيقول أَبُو بَكْرٍ : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَلَى نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم- » ، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ جَمَعَ رُؤوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَإِنْ أَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَمْرٍ قَضَى بِهِ . أثر صحيح إلى ميمون بن مهران رواه الدارمي .
- وكتاب عمر بن الخطاب إلى شريح القاضي : عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : « أَنْ اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؛ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم - ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَاقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقْضِ بِهِ الصَّالِحُونَ ؛ فَإِنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ وَإِنْ شِئْتَ فَتَأَخَّرْ ، وَلَا أَرَى التَّأَخُّرَ إِلَّا خَيْرًا لَكَ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ » . أثر صحيح رواه النسائي والدارمي وابن أبي شيبة والخطيب في "الفقيه والمتفقه" وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" والبيهقي في الكبرى وغيرها من كتبه .
- وكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى : عن سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الأَوْدِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ ، وَأَخْرَجَ الْكِتَابَ ، فَقَالَ : هَذَا كِتَابُ عُمَرَ ، ثُمَّ قُرِئَ عَلَى سُفْيَانَ مِنْ هَا هُنَا إِلَى أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِي : « أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ، فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِىَ إِلَيْكَ ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لاَ نَفَاذَ لَهُ .
آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ وَوَجْهِكَ وَعَدْلِكَ ؛ حَتَّى لاَ يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ ، وَلاَ يَخَافَ ضَعِيفٌ جَوْرَكَ ، الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الناس إِلاَّ صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً .
لاَ يَمْنَعَكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالأَمْسِ - رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ - أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ ، وَإِنَّ الْحَقَّ لاَ يُبْطِلُهُ شَيءٌ ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ .
الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَخَلَّجَ فِي صَدْرِكَ ، مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، اعْرِفِ الأَمْثَالَ وَالأَشْبَاهَ ثُمَّ قِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَاعْمَدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ ، وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى ، وَاجْعَلْ لِلْمُدَّعِى أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ ؛ فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ ، وَإِلاَّ وَجَّهْتَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى ، وَأَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ .
الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ ، بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، إِلاَّ مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا فِي شَهَادَةِ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلاَءٍ أَوْ فِي قَرَابَةٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَلَّى مِنْكُمُ السَّرَائِرَ ، وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ .
ثُمَّ إِيَّاكَ وَالضَّجَرَ وَالْقَلَقَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ ، وَالتَّنَكُّرَ لِلْخُصُومِ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ الَّتِي يُوجِبُ اللَّهُ بِهَا الأَجْرَ ، وَيُحْسِنُ الذُّكرَ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُخْلِصْ نِيَّتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ؛ يَكْفِهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ ؛ شَانَهُ اللَّهُ » . أثر صحيح وجادة رواه الدارقطني في سننه والبيهقي في الكبرى والصغرى ومعرفة السنن والآثار .
- وما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ : لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي ، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءَةٌ ، وَهِيَ مِنْ الْمِئِينَ ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ ؟ فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ ، وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنْ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ ، فَيَقُولُ : « ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا » ، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ ؛ قَالَ : « ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا » ، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ؛ قَالَ : « ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا » . وَكَانَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ ؛ قَالَ : فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا ، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ . حديث صحيح رواه أحمد وَالتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ في الكبرى وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي « صَحِيحِهِ » ، وَالْحَاكِمُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ» وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ، والضياء في المختارة وغيرهم . وحسب الشيخ الألباني يزيد الفارسي هو بن هرمز فضعف الحديث في السنن وحسنه في المشكاة . ويزيد الفارسي البصري غير يزيد بن هرمز كما قال المزي في تهذيب الكمال .
- وما رواه حنش بن المعتمر الكناني : حدثنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد ، فازدحم الناس على الزبية ، ووقع فيها الأسد ، فوقع فيها رجل ، وتعلق الرجل برجل ، وتعلق الآخر بالآخر ، حتى صاروا أربعة ، فجرحهم الأسد فيها ، فهلكوا ، وحمل القوم السلاح ، فكادوا أن يكون بينهم قتال . قال : فأتيتهم فقلت : أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس ؟ تعالوا أقض بينكم بقضاء ، فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم ، وإن أبيتم رفعتم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أحق بالقضاء . قال : فجعل للأول ربع الدية، وجعل للثاني ثلث الدية ، وجعل للثالث نصف الدية ، وجعل للرابع الدية ، وجعل الديات على من حضر الزبية ، على القبائل الأربعة ، فسخط بعضهم ، ورضي بعضهم ، ثم قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصوا عليه القصة ؛ فقال : « أنا أقضي بينكم»، فقال قائل : فإن عليا قد قضى بيننا ، فأخبروه بما قضى علي ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « القضاء كما قضى علي » . قال هذا حماد ، وقال قيس : فأمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاء علي . حديث حسن رواه أبو داود الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة والبزار والبيهقي .
- وما رواه عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ قَالَ : جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَنَحْنُ عِنْدَهَا جُلُوسٌ ، مَرْجِعَهُ مِنْ الْعِرَاقِ ، لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ؛ فَقَالَتْ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ ، هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ ؟ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ؟ ، قَالَ : وَمَا لِي لَا أَصْدُقُكِ؟ ، قَالَتْ : فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ . قَالَ : فَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ ، فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ ، وَإِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ ، فَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ ، فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ: أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ ، فَلَمَّا أَنْ امْتَلَأَتْ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ ؛ دَعَا بِمُصْحَفٍ إِمَامٍ عَظِيمٍ ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ ، وَيَقُولُ : أَيُّهَا الْمُصْحَفُ، حَدِّثْ النَّاسَ ، فَنَادَاهُ النَّاسُ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا تَسْأَلُ عَنْهُ ؟ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِينَا مِنْهُ ؛ فَمَاذَا تُرِيدُ ؟ ، قَالَ : أَصْحَابُكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا ، بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ ، فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنْ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ ؟ وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ : كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَدْ جَاءَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ ، حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ » ؛ فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا تَكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ : « كَيْفَ نَكْتُبُ ؟ ، فَقَالَ : اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فَاكْتُبْ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» ، فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْكَ ، فَكَتَبَ : « هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُرَيْشًا » ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطْنَا عَسْكَرَهُمْ قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ يَخْطُبُ النَّاسَ ، فَقَالَ : يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ ، إِنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ ؛ فَأَنَا أُعَرِّفُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا يَعْرِفُهُ بِهِ، هَذَا مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَوْمِهِ : ﴿ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ، فَرُدُّوهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، وَلَا تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ، فَقَامَ خُطَبَاؤُهُمْ ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ كِتَابَ اللَّهِ ، فَإِنْ جَاءَ بِحَقٍّ نَعْرِفُهُ لَنَتَّبِعَنَّهُ ، وَإِنْ جَاءَ بِبَاطِلٍ لَنُبَكِّتَنَّهُ بِبَاطِلِهِ ، فَوَاضَعُوا عَبْدَ اللَّهِ الْكِتَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ كُلُّهُمْ تَائِبٌ فِيهِمْ ابْنُ الْكَوَّاءِ ، حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ الْكُوفَةَ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى بَقِيَّتِهِمْ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ النَّاسِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ ، فَقِفُوا حَيْثُ شِئْتُمْ حَتَّى تَجْتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ: أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا أَوْ تَقْطَعُوا سَبِيلًا ، أَوْ تَظْلِمُوا ذِمَّةً ، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ الْحَرْبَ عَلَى سَوَاءٍ ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا ابْنَ شَدَّادٍ ، فَقَدْ قَتَلَهُمْ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ ، وَسَفَكُوا الدَّمَ ، وَاسْتَحَلُّوا أَهْلَ الذِّمَّةِ . فَقَالَتْ : آللَّهِ ؟ ، قَالَ : آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كَانَ ، قَالَتْ : فَمَا شَيْءٌ بَلَغَنِي عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَتَحَدَّثُونَهُ ، يَقُولُونَ : ذُو الثُّدَيِّ ، وَذُو الثُّدَيِّ ؟ ، قَالَ : قَدْ رَأَيْتُهُ ، وَقُمْتُ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ فِي الْقَتْلَى ، فَدَعَا النَّاسَ ، فَقَالَ : أَتَعْرِفُونَ هَذَا ؟ ، فَمَا أَكْثَرَ مَنْ جَاءَ يَقُولُ : قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي ، وَرَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي ، وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِثَبَتٍ يُعْرَفُ إِلَّا ذَلِكَ ، قَالَتْ : فَمَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ قَامَ عَلَيْهِ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِرَاقِ ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَتْ : هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ ، قَالَ : اللَّهُمَّ لَا ، قَالَتْ : أَجَلْ ، صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، يَرْحَمُ اللَّهُ عَلِيًّا إِنَّهُ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ إِلَّا قَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَيَذْهَبُ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ ، وَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ . حديث حسن رواه أحمد وأبو يعلى . وفي الباب مناظرة ابن عباس للخوارج.
- وما رواه ابن أبي بطة في الإبانة الكبرى عن الشعبي قال : قال علي بن أبي طالب -عليه السلام - لرجل رآه يصحب رجلا كرهه له :
ولا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه
وللروح على الروح ... دليل حين يلقاه
وذو الحزم إذا أبصر ... ما يخشى توقاه
وذو الغفلة مغرور ... وريب الدهر يدهاه
ومن يعرف صروف الدهـ... ـر لا يبطره نعماه
هذا آخر رواية السكري ، ورأيت في غير هذه الرواية قال : ثم قال له :
إذا أنت لم تسقم وصاحبت مسقما ... وكنت له خدنا فأنت سقيم
ورواه أيضا السلمي في "آداب الصحبة" والخطابي في " العزلة" وفي إسناده من لم أجده.
- وما رواه عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : أَكْثَرُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: « إِنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ ، وَلَسْنَا نَقْضِي ، وَلَسْنَا هُنَالِكَ ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدَّرَ عَلَيْنَا أَنْ بَلَغْنَا مَا تَرَوْنَ ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ؛ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ ، وَلَا يَقُولُ : إِنِّي أَخَافُ ، وَإِنِّي أَخَافُ ؛ فَإِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ » . جيد جيد كما قال النسائي ورواه أيضا الدارمي وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" والخطيب في " الفقيه والمتفقه" .
- وما رواه عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ قَالَ : « كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما - إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ فَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ » . أثر صحيح رواه الدارمي والحاكم والخطيب في "الفقيه والمتفقه" وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" والبيهقي في الكبرى .
- ما رواه الستة من حديث أَبي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب ، فَقالَ عُمَرُ بن الخطاب لأبي بكر : كَيْفَ تُقاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتّى يَقُولوا لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، فَمَنْ قالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ ، وَحِسابُهُ عَلى اللهِ ». فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ، فَإِنَّ الزَّكاةَ حَقُّ الْمالِ ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُوني عقالا كَانوا يُؤَدُّونَه إِلى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقاتَلْتُهُمْ عَلى مَنْعِها . فقالَ عُمَر بن الخطاب : فَو اللهِ ما هُوَ إِلاَّ أَنْ رأيت الله عز قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .
- وما رواه مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ (ت117هـ) قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ – رضي الله عنه -إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِى بَيْنَهُمْ ؛ قَضَى بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَعَلِمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فِي ذَلِكَ الأَمْرِ سُنَّةً ؛ قَضَى بِهِ ، فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ المسلمين ، وَقَالَ : « أَتَانِي كَذَا وَكَذَا ، فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَضَى فِي ذَلِكَ بِقَضَاءٍ ؟ » ، فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فِيهِ قَضَاءً ، فيقول أَبُو بَكْرٍ : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَلَى نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم- » ، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ جَمَعَ رُؤوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَإِنْ أَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَمْرٍ قَضَى بِهِ . أثر صحيح إلى ميمون بن مهران رواه الدارمي .
- وكتاب عمر بن الخطاب إلى شريح القاضي : عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : « أَنْ اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؛ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم - ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَاقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقْضِ بِهِ الصَّالِحُونَ ؛ فَإِنْ شِئْتَ فَتَقَدَّمْ وَإِنْ شِئْتَ فَتَأَخَّرْ ، وَلَا أَرَى التَّأَخُّرَ إِلَّا خَيْرًا لَكَ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ » . أثر صحيح رواه النسائي والدارمي وابن أبي شيبة والخطيب في "الفقيه والمتفقه" وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" والبيهقي في الكبرى وغيرها من كتبه .
- وكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى : عن سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الأَوْدِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ ، وَأَخْرَجَ الْكِتَابَ ، فَقَالَ : هَذَا كِتَابُ عُمَرَ ، ثُمَّ قُرِئَ عَلَى سُفْيَانَ مِنْ هَا هُنَا إِلَى أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِي : « أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ، فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِىَ إِلَيْكَ ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لاَ نَفَاذَ لَهُ .
آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ وَوَجْهِكَ وَعَدْلِكَ ؛ حَتَّى لاَ يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ ، وَلاَ يَخَافَ ضَعِيفٌ جَوْرَكَ ، الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، وَالصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الناس إِلاَّ صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً .
لاَ يَمْنَعَكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالأَمْسِ - رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ - أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ ، وَإِنَّ الْحَقَّ لاَ يُبْطِلُهُ شَيءٌ ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ .
الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا تَخَلَّجَ فِي صَدْرِكَ ، مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، اعْرِفِ الأَمْثَالَ وَالأَشْبَاهَ ثُمَّ قِسِ الأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَاعْمَدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ ، وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى ، وَاجْعَلْ لِلْمُدَّعِى أَمَدًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ ؛ فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ ، وَإِلاَّ وَجَّهْتَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْلَى لِلْعَمَى ، وَأَبْلَغُ فِي الْعُذْرِ .
الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ ، بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، إِلاَّ مَجْلُودًا فِي حَدٍّ أَوْ مُجَرَّبًا فِي شَهَادَةِ زُورٍ أَوْ ظَنِينًا فِي وَلاَءٍ أَوْ فِي قَرَابَةٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَلَّى مِنْكُمُ السَّرَائِرَ ، وَدَرَأَ عَنْكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ .
ثُمَّ إِيَّاكَ وَالضَّجَرَ وَالْقَلَقَ وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ ، وَالتَّنَكُّرَ لِلْخُصُومِ فِي مَوَاطِنِ الْحَقِّ الَّتِي يُوجِبُ اللَّهُ بِهَا الأَجْرَ ، وَيُحْسِنُ الذُّكرَ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُخْلِصْ نِيَّتَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ؛ يَكْفِهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَمَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ ؛ شَانَهُ اللَّهُ » . أثر صحيح وجادة رواه الدارقطني في سننه والبيهقي في الكبرى والصغرى ومعرفة السنن والآثار .
- وما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ : لِعُثْمَانَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي ، وَإِلَى سُورَةِ بَرَاءَةٌ ، وَهِيَ مِنْ الْمِئِينَ ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ ؟ فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ ، وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنْ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، فَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ ، فَيَقُولُ : « ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا » ، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ ؛ قَالَ : « ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا » ، وَإِذَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ؛ قَالَ : « ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا » . وَكَانَتْ سُورَةُ الْأَنْفَالِ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ سُورَةُ بَرَاءَةٌ مِنْ أَوَاخِرِ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ ؛ قَالَ : فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًا بِقِصَّتِهَا ، فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ . حديث صحيح رواه أحمد وَالتِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ في الكبرى وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي « صَحِيحِهِ » ، وَالْحَاكِمُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ» وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ، والضياء في المختارة وغيرهم . وحسب الشيخ الألباني يزيد الفارسي هو بن هرمز فضعف الحديث في السنن وحسنه في المشكاة . ويزيد الفارسي البصري غير يزيد بن هرمز كما قال المزي في تهذيب الكمال .
- وما رواه حنش بن المعتمر الكناني : حدثنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -قال: لما بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد ، فازدحم الناس على الزبية ، ووقع فيها الأسد ، فوقع فيها رجل ، وتعلق الرجل برجل ، وتعلق الآخر بالآخر ، حتى صاروا أربعة ، فجرحهم الأسد فيها ، فهلكوا ، وحمل القوم السلاح ، فكادوا أن يكون بينهم قتال . قال : فأتيتهم فقلت : أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس ؟ تعالوا أقض بينكم بقضاء ، فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم ، وإن أبيتم رفعتم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو أحق بالقضاء . قال : فجعل للأول ربع الدية، وجعل للثاني ثلث الدية ، وجعل للثالث نصف الدية ، وجعل للرابع الدية ، وجعل الديات على من حضر الزبية ، على القبائل الأربعة ، فسخط بعضهم ، ورضي بعضهم ، ثم قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصوا عليه القصة ؛ فقال : « أنا أقضي بينكم»، فقال قائل : فإن عليا قد قضى بيننا ، فأخبروه بما قضى علي ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « القضاء كما قضى علي » . قال هذا حماد ، وقال قيس : فأمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاء علي . حديث حسن رواه أبو داود الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة والبزار والبيهقي .
- وما رواه عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ قَالَ : جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَنَحْنُ عِنْدَهَا جُلُوسٌ ، مَرْجِعَهُ مِنْ الْعِرَاقِ ، لَيَالِيَ قُتِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ؛ فَقَالَتْ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ ، هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ ؟ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ؟ ، قَالَ : وَمَا لِي لَا أَصْدُقُكِ؟ ، قَالَتْ : فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ . قَالَ : فَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ ، فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ ، وَإِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ ، فَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ ، فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ: أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ ، فَلَمَّا أَنْ امْتَلَأَتْ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ ؛ دَعَا بِمُصْحَفٍ إِمَامٍ عَظِيمٍ ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ ، وَيَقُولُ : أَيُّهَا الْمُصْحَفُ، حَدِّثْ النَّاسَ ، فَنَادَاهُ النَّاسُ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا تَسْأَلُ عَنْهُ ؟ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِينَا مِنْهُ ؛ فَمَاذَا تُرِيدُ ؟ ، قَالَ : أَصْحَابُكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا ، بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ ، فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنْ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ ؟ وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ : كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَدْ جَاءَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ ، حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ » ؛ فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا تَكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ : « كَيْفَ نَكْتُبُ ؟ ، فَقَالَ : اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « فَاكْتُبْ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» ، فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْكَ ، فَكَتَبَ : « هَذَا مَا صَالَحَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُرَيْشًا » ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطْنَا عَسْكَرَهُمْ قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ يَخْطُبُ النَّاسَ ، فَقَالَ : يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ ، إِنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ ؛ فَأَنَا أُعَرِّفُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا يَعْرِفُهُ بِهِ، هَذَا مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَوْمِهِ : ﴿ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ، فَرُدُّوهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، وَلَا تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ، فَقَامَ خُطَبَاؤُهُمْ ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ كِتَابَ اللَّهِ ، فَإِنْ جَاءَ بِحَقٍّ نَعْرِفُهُ لَنَتَّبِعَنَّهُ ، وَإِنْ جَاءَ بِبَاطِلٍ لَنُبَكِّتَنَّهُ بِبَاطِلِهِ ، فَوَاضَعُوا عَبْدَ اللَّهِ الْكِتَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ كُلُّهُمْ تَائِبٌ فِيهِمْ ابْنُ الْكَوَّاءِ ، حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ الْكُوفَةَ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى بَقِيَّتِهِمْ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ النَّاسِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ ، فَقِفُوا حَيْثُ شِئْتُمْ حَتَّى تَجْتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ: أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا أَوْ تَقْطَعُوا سَبِيلًا ، أَوْ تَظْلِمُوا ذِمَّةً ، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إِلَيْكُمْ الْحَرْبَ عَلَى سَوَاءٍ ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا ابْنَ شَدَّادٍ ، فَقَدْ قَتَلَهُمْ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ ، وَسَفَكُوا الدَّمَ ، وَاسْتَحَلُّوا أَهْلَ الذِّمَّةِ . فَقَالَتْ : آللَّهِ ؟ ، قَالَ : آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كَانَ ، قَالَتْ : فَمَا شَيْءٌ بَلَغَنِي عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَتَحَدَّثُونَهُ ، يَقُولُونَ : ذُو الثُّدَيِّ ، وَذُو الثُّدَيِّ ؟ ، قَالَ : قَدْ رَأَيْتُهُ ، وَقُمْتُ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ فِي الْقَتْلَى ، فَدَعَا النَّاسَ ، فَقَالَ : أَتَعْرِفُونَ هَذَا ؟ ، فَمَا أَكْثَرَ مَنْ جَاءَ يَقُولُ : قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي ، وَرَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي ، وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِثَبَتٍ يُعْرَفُ إِلَّا ذَلِكَ ، قَالَتْ : فَمَا قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ قَامَ عَلَيْهِ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِرَاقِ ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَتْ : هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ ، قَالَ : اللَّهُمَّ لَا ، قَالَتْ : أَجَلْ ، صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، يَرْحَمُ اللَّهُ عَلِيًّا إِنَّهُ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ إِلَّا قَالَ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَيَذْهَبُ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ ، وَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ . حديث حسن رواه أحمد وأبو يعلى . وفي الباب مناظرة ابن عباس للخوارج.
- وما رواه ابن أبي بطة في الإبانة الكبرى عن الشعبي قال : قال علي بن أبي طالب -عليه السلام - لرجل رآه يصحب رجلا كرهه له :
ولا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء ... مقاييس وأشباه
وللروح على الروح ... دليل حين يلقاه
وذو الحزم إذا أبصر ... ما يخشى توقاه
وذو الغفلة مغرور ... وريب الدهر يدهاه
ومن يعرف صروف الدهـ... ـر لا يبطره نعماه
هذا آخر رواية السكري ، ورأيت في غير هذه الرواية قال : ثم قال له :
إذا أنت لم تسقم وصاحبت مسقما ... وكنت له خدنا فأنت سقيم
ورواه أيضا السلمي في "آداب الصحبة" والخطابي في " العزلة" وفي إسناده من لم أجده.
- وما رواه عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : أَكْثَرُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: « إِنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ ، وَلَسْنَا نَقْضِي ، وَلَسْنَا هُنَالِكَ ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدَّرَ عَلَيْنَا أَنْ بَلَغْنَا مَا تَرَوْنَ ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ، فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ ؛ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ ، وَلَا يَقُولُ : إِنِّي أَخَافُ ، وَإِنِّي أَخَافُ ؛ فَإِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ » . جيد جيد كما قال النسائي ورواه أيضا الدارمي وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" والخطيب في " الفقيه والمتفقه" .
- وما رواه عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ قَالَ : « كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما - إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ فَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ » . أثر صحيح رواه الدارمي والحاكم والخطيب في "الفقيه والمتفقه" وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" والبيهقي في الكبرى .