ياسر بن مسعود الجيجلي
07-21-2009, 02:55 PM
تنبيه المسلم الغيور على أحكام القبور
خطبة جمعة:
(18/جمادى الثاني/1427هـ)
(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى)
http://www.sh-yahia.net/show_sound_425.html
التفريغ:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))[آل عمران:102]، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))[النساء:1]،((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ))[المؤمنون:12-16].
في هذه الآيات أطوار الإنسان وأن مرده إلى الله سبحانه وتعالى؛ يبعث من قبره، ثم إلى أرض الموقف والمحشر، ثم إلى الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا وعد الله، الإنسان من هذه التربة خلق وإليها يعاد: ((مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى))[طه:55]، لا مفر لأحد من ذلك، خلق منها ويخرج منها: ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ))[يس:51] من الأجداث من القبور: ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ))[يس:52]، يجابون بهذا الجواب أن هذا وعد الله، وأن المرسلين أرسلوا بذلك، وبلغوا قومهم ذلك؛ أن كل حي سيموت وأن كل إنسان يقبر وأنه يخرج من قبره: ((يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ))[المعارج:43-44].
كل إنسان مصيره ذلك: ((قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ))[عبس:17-22].
وليس هذا خاصاً بملة دون ملة، ولا أمة دون أمة، من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهذا شأنهم؛ أنهم يحيون ثم يموتون ثم يقبرون: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ))[المائدة:27-31].
دل هذا أن كل ملة هذا أمر مفروض عليها؛ دفن أمواتها، وأن القبور منذ الخليقة إلى يوم النشور، وإذا كان الأمر كذلك وأن الإنسان مقبور وبين منعم مأجور، وبين هالك مثبور، قال الله سبحانه وتعالى: ((وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ))[المؤمنون:100]، فمنهم من يكون عليه ذلك البرزخ وذلك القبر روضة من رياض الجنة، تفتح له نافذة إلى الجنة فيأتيه من طيبها وريحها، ويقول: رب أقم الساعة لأذهب إلى أهلي ومالي، ومنهم من يكون ذلك القبر عليه حفرة من حفر النيران، تفتح له نافذة إلى النار، ويأتيه من سمومها وحميمها، ومنهم من يكون عليه ذلك القبر موسعاً فسيحاً، ويفسح له في قبره مد بصره، ومنهم من يكون عليه ذلك القبر ضيقاً شديداً، فيضيق عليه حتى تختلف أضلاعه، وهذه الدور ثلاثة التي يتنقل فيها الإنسان: دار الدنيا الفانية: ((يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ))[غافر:39]، ودار البرزخ: ((وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ))[المؤمنون:100]، ودار القرار كما تقدم الدليل على ذلك، والشاهد من هذا أنه لابد لكل إنسان من أن يقبر، كل إنسان مصيره إلى القبر، وتلك دار بعد هذه الدار، دار الدنيا ثم النقلة إلى دار أخرى هي دار البرزخ دار القبور، ثم النقل من دار القبور إلى دار القرار إما الجنة وإما النار، كل على حسب ما يستحق، ومما يدل أن القبور ديار أهلها، ما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا أتى أحدهم القبور، أن يقول: {السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية}.
والشاهد من هذا الحديث: إثبات أن القبور ديارهم وأنها لهم وحقهم في ذلك لا يعتدى عليها ولا تنبش ولا تمتهن إلا ما جاء فيه الدليل من نبش قبور الكافرين الذين لا حرمة لهم أحياء ولا أمواتاً، فقد نبش رسول الله صلى الله عليه وسلم قبور المشركين حين وجد خرباً وقبوراً ونخلاً، قطع النخل وأمر بالخرب فسويت، وأمر بقبور المشركين فنبشت، ثم بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، لا حرمة لقبور المشركين، أما قبور المسلمين فلها حرمة في حدود الشرع، ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ليلتها يذهب إلى بقيع الغرقد، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين}، ولاحظ كلمة: دار قوم مؤمنين: {أتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد}، أتاكم ما توعدون غداً وأنتم في منزلكم وفي أماكنكم مؤجلون إلى أن يأتي وعد الله، وإلى أن تقوم الساعة، فتخرجون من هذه الأجداث إلى ذلك الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت ديارهم، فإن من الظلم أن يعتدى عليها كما يحصل في كثير من البلدان، وكما تكثر الاستفسارات في ذلك؛ لشدة ما حصل في هذا الجانب الخطير من المعصية والظلم ظلمات يوم القيامة، سواء كان هذا الظلم للأحياء أو كان هذا الظلم للأموات، فقد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الظلم ظلمات يوم القيامة} من حديث جابر في مسلم، ومن حديث ابن عمر متفق عليه.
فمن الظلم نبش قبور المسلمين، وإزاحة قبور المسلمين والبناء عليها، ومن الاعتداء والبغي: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))[يونس:23]، {ما من شيء أجدر أن يعجل الله له العقوبة من الدنيا من البغي وقطيعة الرحم}، ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد بني على قبور المسلمين في كثير من بلاد المسلمين وبالأخص في هذه البلاد بلاد اليمن، فبنيت فيها المدارس، وصنعت فيها الملاعب، وجعلت مواقف للسيارات، وجعلت أندية وأسواقاً، وعبث بها، ولا يجدون لها أي حرمة على حساب فتاوى بعض الضلال الذين أحدهم لم يبرز دليلاً على ما يقول في هذه المسألة، وإنما فكرة عقلانية يدعيها أن الحي أفضل من الميت، وهذا كذب وليس على إطلاقه أن الحي أفضل من الميت، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ميت وهو خير الخليقة وسائر الأنبياء كذلك خير الخليقة الذين ماتوا، والشهداء والصالحون وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البشر بعد أنبياء الله، ومع ذلك يأتي بمثل هذه المقولة المخالفة لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ((هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ))[آل عمران:163]، ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا))[الأنعام:132]، فكيف يثبت للأحياء أنهم أفضل من الأموات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم}، وقال صلى الله عليه وسلم: {خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أناس يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن}، وهذا على سبيل فضيلة القرون المفضلة، وهكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا))[النساء:69]، كل هؤلاء المتأخرون والأحياء أفضل منهم ممن قد ماتوا، أهذه آية من عند الله أم هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ تحت ستاره تمتهن قبور المسلمين، وتصير لا قيمة لها تداس بالسيارات وتداس بالحمير وتداس بالأقدام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: {لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يطأ على قبر}، وثبت عند أبي داود من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لأن أمشي على سيف أو على جمرة أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، وما أبالي قضيت حاجتي في وسط السوق أو في المقبرة}، هؤلاء يتخذونها عبارة عن حمامات يقضون فيها حاجاتهم وعبارة عن مرعى للمواشي، وعبارة عن ملاعب، وغير ذلك مما قد علم حاله، ولقد عاقب الله كثيراً من الناس بسبب سكناهم على قبور المسلمين، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً}، نهى رسول الله عن اتخاذها قبوراً، وأن يبنى عليها، سواء كان هذا البناء مساجد أو غير مساجد، نهى أن تجصص أو يبنى عليها أو يكتب عليها؛ كل ذلك منهي عنه شرعاً؛ لأنه ذريعة إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى: ((وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا))[نوح:23-24]، فقوم نوح كان سبب شركهم أنهم لما مات صالحوهم بعد حين بنوا على قبورهم، فجاء أناس لا يحسنون ولا يفقهون فعبدوهم من دون الله سبحانه وتعالى، لذا من أحكام القبور ألا يبنى عليها، وألا تتخذ أوثاناً، مع أنها لا تمتهن، ففي الجانب الآخر أيضاً لا تقدس، لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: {أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بالحبشة وما فيها من الصور، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله}، شرار الخلق يعظمون القبور تعظيماً زائداً، ويفرطون فيها ويغلون فيها، ويتخذونها أوثاناً ومعابد ومقدساً من دون الله سبحانه وتعالى، وفسقة الخلق وعصاة الخلق يكونون في الطرف الآخر فيدوسونها ويمتهنوها ويحتقرونها، وصلحاء الأمة يجتنبون هذا وهذا، فلا إفراط ولا تفريط، كل شيء له قدر وميزان.
ومن ذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: {أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل به الموت أخذ خرقة فجعل يضعها على وجهه فإذا اغتم كشفها، وهو يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، قالت أم المؤمنين: ولولا ذلك لأبرز قبره}؛ سداً لذريعة أن يتخذ وثناً، وقد كان قبر دانيال عليه السلام بارزاً فعماه الصحابة رضوان الله عليهم حتى لا يتخذ وثناً، وهكذا قاعدة وأمر مهم سد ذرائع الشركيات.
وروى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك}، دل هذا أن اتخاذ القبور مساجد صنيع اليهود والنصارى وأنه تشبه بهم، وكل من صنع ذلك من المسلمين فهو متشبه في ذلك بالكافرين علم أو جهل عرف أو لم يعرف، ودل ذلك على أن هذا فعل شرار الخلق، ودل ذلك أن هذا منهي نبوي عن هذا الفعل: {فإني أنهاكم عن ذلك}، وثبت عند أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد}، فلا إفراط في هذا الدين ولا تفريط، وربنا سبحانه يقول: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا))[البقرة:143]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {والوسط العدل الخيار} هكذا في الصحيح، فالعدل إقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإقامة الحق، فمن العدل والإنصاف في القبور ألا يكون هناك فيها تفريط ولا إفراط ولا دعاؤهم من دون الله، قال الله سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ))[المؤمنون:117]، ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ))[الأعراف:55-56]، ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ))[الأحقاف:5].
ومن أحكام القبور التي فرط فيها كثير من الناس وفي تعلمها وتعلم أحكامها ألا يصلى في المقبرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه من حديث أبي سعيد أنه قال: {أذنت الصلاة في سائر الأرض إلا المقبرة والحمام}.. الحديث، دل هذا أن الصلاة في المقبرة غير مأذون فيها إلا فيما خص بدليل، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: {أنه سأل عن امرأة سوداء كانت تقم المسجد فأخبروه أنها ماتت، فقال: ألا آذنتموني؟ ثم انطلق فصلى على قبرها}، وبما أن الإنسان قد صلى عليها فلا ينبغي أن يصلي على القبور إذا صلى عليها خارج المقبرة.
ومن أحكام القبور ما ثبت عن بشير بن الخصاصية رضي الله عنه: {أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماه بشيراً، قال: فبينما أنا أمشي معه، إذ مر بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً -أي: ما حصلوا على خير- ونظر إلى قبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً، ثم حانت منه لفتة إلى رجل يمشي بنعليه بين القبور، فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك الق سبتيتك، قال: فنظر فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقها}، الرجل نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقاها، استجابة سريعة.
هذا من الأمور المنهي عنها، ومن امتهان القبور الذي هو حاصل بين الناس المشي في القبور لا يشكل على ذلك حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {فإذا انصرفوا عنه إنه ليسمع قرع نعالهم}، فإن هذا لا يلزم منه أن يمشي بها بين القبور، وإنما حاصله أن الميت في ذلك الحين بخصوصه أو فيمن أسمعهم الله توبيخاً لهم كأهل قليب بدر في ذلك الحين بخصوصه يسمع قرع نعالهم، وسواء كانوا من على الطريق أو بعيدين عن المقبرة شيئاً ما، أما المشي بينها فلا يراد به الأدلة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فمن أحكام هذه القبور أن يستغفر لأصحابها من المؤمنين: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ))[محمد:19]، وثبت عن عثمان رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن ميتاً قال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت}، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه في شأن المنافقين: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ))[التوبة:84]، قال بعض أهل التفسير: ((وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)) أي: في تلك الحدود تلك الكلمات وذلك الدعاء أن يقول: اللهم اغفر له وثبته ثم ينصرف، وأما ما جاء عن أبي أمامة الباهلي في أنه يقعد على قبره ويقال: يا عبد يا ابن عبديه! إذا جاءك الملكان، فقل: الله ربي والإسلام ديني ومحمد رسولي والكعبة قبلتي.. إلى آخر ذلك الكلام في ذلك الحديث، فإنه حديث منكر أنكره الإمام أحمد وساق إنكار ابن القيم والصنعاني في سبل السلام.. وغير هؤلاء من الأئمة، فالحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أحكام هذه القبور ألا يغرس عليها الأشجار كما يفعل بعض الناس هداهم الله، فإن هذه من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذ مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة فشقها وغرسها، قال: إنه ليخفف عنهما ما لم ييبسا}، وهذا دليل على الخصوصية، فليس أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ويعلم ما في القبور، ففي ذلك الحين أعلمه الله عز وجل، بل وفي غير ذلك لا يعلم هو ولا غيره: {إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك}، ((وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ))[فاطر:22]، ((فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ))[الروم:52].
أوحى الله إليه أنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أي: فعله، ألا بعض التأويلات لأهل العلم: {وما يعذبان في كبير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى إنه لكبير}، الشاهد من ذلك لا أحد يستطيع أن يحكم أن صاحب هذا القبر يعذب؛ لأنه ما أوحي إليه بذلك، ولا أحد يستطيع أن يعلم أن هذا يخفف عنه بذلك.
فحاصل ذلك أن هذه من الخصوصية، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجعل على القبر حجراً للرجل وحجرين للمرأة أو العكس من ذلك، فقد جاء ذلك، ولكنه حديث ضعيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم {أخذ حجراً، وقال: لأتعالم به قبر أخي، فوضعه عليه حين مات حمزة رضي الله عنه}، ولم يثبت في هذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك محدث.
ومن أحكام القبور أن تكون مسلمة على الصحيح، لما ثبت عن سفيان التمار في الصحيح وهو صحيح عند ابن أبي شيبة أيضاً أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسنماً، وهذا أفضل من حيث أن الماء يتزلق عنه هكذا وهكذا، فلو كان مسطحاً لركد عليه الماء، ولنزل عليه ولحصل ضرر على الميت.
ومن أحكام القبور أن تكون متجهة إلى القبر؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن القبلة: {قبلتكم أحياء وأمواتاً}، وهذا من شعار المسلمين، صار شعاراً للمسلمين اتجاه أهل القبور.
أيها الناس! إن الإنسان في غفلة عما يقدم عليه في دار أخرى، وفي مسكن آخر، وفي دور من الطين تأكل جسمه الديدان وتتقطع أشلاؤه وتتمزق أوصاله في ذلك الدار، الذي هو دار أحكامه تختلف عن هذه الأحكام وحياته تختلف عن هذه الحياة، فشأنه عظيم والله، وكل تلك الدار امتدادها من هذا الدار من خير أو شر: ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه))[الزلزلة:7-8]، ((أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ))[التكاثر:1-3].. الآيات، قال ابن كثير عند هذه الآية: زرتم المقابر أي: حتى متم وصرتم من أهل المقابر، واستدل بحديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم: { أتى رجلاً يعوده، فقال: لا بأس عليك طهور طهور، قال: طهور! بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور}.
ومن أحكام هذه المقابر أنها تذكر الآخرة، فأنت اليوم على ظهر الدنيا وغداً من سائر تلك الدار، أنت اليوم من أهل هذه الدار، وغداً أو بعد ساعة أو دقائق أو يوم أو شهر أو سنة أو أكثر أو أقل من أصحاب ذلك الدار، قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه عند الإمام مسلم : {زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة}.
ومن أحكام هذه المقابر ألا يسرج عليها فإن ذلك من شأن الجاهلية ومن شأن المجوس: {نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسرج على القبور}؛ لأنه تشبه بالكافرين وذريعة إلى عبادة غير رب العالمين، أي: ما ثبت عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {أنهم رأوا سراجاً في المقبرة فأتوا إلى المقبرة وإذا النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يقول للحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه}، فهذا اتخاذ سراج للحاجة، يجوز دفن في الليل ولا يتأتى ذلك إلا بأخذ السراج، إنما المنهي عنه أن تجعل السرج عندها كما يفعل المشركون.
ومن أحكام هذه المقابر تعمقيها وتوسيعها، فقد {أمر النبي صلى الله عليه وسلم الحافر أن يوسع القبر وأن يحفر وأن يعمق}.
ومن أحكامها أيضاً أنه إذا حصل فيها ذلك الإعماق لا بأس أن يدفن عند الحاجة الاثنان والثلاثة أو الأكثر، ويقدم في القبر أكثرهم قرآناً، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم تشريف له أن يوضع على الأرض مباشرة الحافظ والأكثر قرآناً، ثم يوضع فوقه من هو دونه ومن هو دونه وهكذا..
هذه بعض أحكام القبور وأهمها لدينا أن يلتفت وينتبه من ولاة الأمور ومن كل غيور إلى ما يحصل للقبور من الوطء والامتهان أو من الغلو والشرك بها ودعائها من غير الله سبحانه وتعالى.
وبالله التوفيق.
خطبة جمعة:
(18/جمادى الثاني/1427هـ)
(للشيخ المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى)
http://www.sh-yahia.net/show_sound_425.html
التفريغ:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))[آل عمران:102]، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))[النساء:1]،((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا))[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ))[المؤمنون:12-16].
في هذه الآيات أطوار الإنسان وأن مرده إلى الله سبحانه وتعالى؛ يبعث من قبره، ثم إلى أرض الموقف والمحشر، ثم إلى الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا وعد الله، الإنسان من هذه التربة خلق وإليها يعاد: ((مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى))[طه:55]، لا مفر لأحد من ذلك، خلق منها ويخرج منها: ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ))[يس:51] من الأجداث من القبور: ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ))[يس:52]، يجابون بهذا الجواب أن هذا وعد الله، وأن المرسلين أرسلوا بذلك، وبلغوا قومهم ذلك؛ أن كل حي سيموت وأن كل إنسان يقبر وأنه يخرج من قبره: ((يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ))[المعارج:43-44].
كل إنسان مصيره ذلك: ((قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ))[عبس:17-22].
وليس هذا خاصاً بملة دون ملة، ولا أمة دون أمة، من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهذا شأنهم؛ أنهم يحيون ثم يموتون ثم يقبرون: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ))[المائدة:27-31].
دل هذا أن كل ملة هذا أمر مفروض عليها؛ دفن أمواتها، وأن القبور منذ الخليقة إلى يوم النشور، وإذا كان الأمر كذلك وأن الإنسان مقبور وبين منعم مأجور، وبين هالك مثبور، قال الله سبحانه وتعالى: ((وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ))[المؤمنون:100]، فمنهم من يكون عليه ذلك البرزخ وذلك القبر روضة من رياض الجنة، تفتح له نافذة إلى الجنة فيأتيه من طيبها وريحها، ويقول: رب أقم الساعة لأذهب إلى أهلي ومالي، ومنهم من يكون ذلك القبر عليه حفرة من حفر النيران، تفتح له نافذة إلى النار، ويأتيه من سمومها وحميمها، ومنهم من يكون عليه ذلك القبر موسعاً فسيحاً، ويفسح له في قبره مد بصره، ومنهم من يكون عليه ذلك القبر ضيقاً شديداً، فيضيق عليه حتى تختلف أضلاعه، وهذه الدور ثلاثة التي يتنقل فيها الإنسان: دار الدنيا الفانية: ((يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ))[غافر:39]، ودار البرزخ: ((وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ))[المؤمنون:100]، ودار القرار كما تقدم الدليل على ذلك، والشاهد من هذا أنه لابد لكل إنسان من أن يقبر، كل إنسان مصيره إلى القبر، وتلك دار بعد هذه الدار، دار الدنيا ثم النقلة إلى دار أخرى هي دار البرزخ دار القبور، ثم النقل من دار القبور إلى دار القرار إما الجنة وإما النار، كل على حسب ما يستحق، ومما يدل أن القبور ديار أهلها، ما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا أتى أحدهم القبور، أن يقول: {السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية}.
والشاهد من هذا الحديث: إثبات أن القبور ديارهم وأنها لهم وحقهم في ذلك لا يعتدى عليها ولا تنبش ولا تمتهن إلا ما جاء فيه الدليل من نبش قبور الكافرين الذين لا حرمة لهم أحياء ولا أمواتاً، فقد نبش رسول الله صلى الله عليه وسلم قبور المشركين حين وجد خرباً وقبوراً ونخلاً، قطع النخل وأمر بالخرب فسويت، وأمر بقبور المشركين فنبشت، ثم بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده، لا حرمة لقبور المشركين، أما قبور المسلمين فلها حرمة في حدود الشرع، ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ليلتها يذهب إلى بقيع الغرقد، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين}، ولاحظ كلمة: دار قوم مؤمنين: {أتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد}، أتاكم ما توعدون غداً وأنتم في منزلكم وفي أماكنكم مؤجلون إلى أن يأتي وعد الله، وإلى أن تقوم الساعة، فتخرجون من هذه الأجداث إلى ذلك الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وإذا كانت ديارهم، فإن من الظلم أن يعتدى عليها كما يحصل في كثير من البلدان، وكما تكثر الاستفسارات في ذلك؛ لشدة ما حصل في هذا الجانب الخطير من المعصية والظلم ظلمات يوم القيامة، سواء كان هذا الظلم للأحياء أو كان هذا الظلم للأموات، فقد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الظلم ظلمات يوم القيامة} من حديث جابر في مسلم، ومن حديث ابن عمر متفق عليه.
فمن الظلم نبش قبور المسلمين، وإزاحة قبور المسلمين والبناء عليها، ومن الاعتداء والبغي: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))[يونس:23]، {ما من شيء أجدر أن يعجل الله له العقوبة من الدنيا من البغي وقطيعة الرحم}، ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد بني على قبور المسلمين في كثير من بلاد المسلمين وبالأخص في هذه البلاد بلاد اليمن، فبنيت فيها المدارس، وصنعت فيها الملاعب، وجعلت مواقف للسيارات، وجعلت أندية وأسواقاً، وعبث بها، ولا يجدون لها أي حرمة على حساب فتاوى بعض الضلال الذين أحدهم لم يبرز دليلاً على ما يقول في هذه المسألة، وإنما فكرة عقلانية يدعيها أن الحي أفضل من الميت، وهذا كذب وليس على إطلاقه أن الحي أفضل من الميت، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ميت وهو خير الخليقة وسائر الأنبياء كذلك خير الخليقة الذين ماتوا، والشهداء والصالحون وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البشر بعد أنبياء الله، ومع ذلك يأتي بمثل هذه المقولة المخالفة لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ((هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ))[آل عمران:163]، ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا))[الأنعام:132]، فكيف يثبت للأحياء أنهم أفضل من الأموات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم}، وقال صلى الله عليه وسلم: {خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أناس يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن}، وهذا على سبيل فضيلة القرون المفضلة، وهكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا))[النساء:69]، كل هؤلاء المتأخرون والأحياء أفضل منهم ممن قد ماتوا، أهذه آية من عند الله أم هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ تحت ستاره تمتهن قبور المسلمين، وتصير لا قيمة لها تداس بالسيارات وتداس بالحمير وتداس بالأقدام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: {لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يطأ على قبر}، وثبت عند أبي داود من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لأن أمشي على سيف أو على جمرة أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، وما أبالي قضيت حاجتي في وسط السوق أو في المقبرة}، هؤلاء يتخذونها عبارة عن حمامات يقضون فيها حاجاتهم وعبارة عن مرعى للمواشي، وعبارة عن ملاعب، وغير ذلك مما قد علم حاله، ولقد عاقب الله كثيراً من الناس بسبب سكناهم على قبور المسلمين، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً}، نهى رسول الله عن اتخاذها قبوراً، وأن يبنى عليها، سواء كان هذا البناء مساجد أو غير مساجد، نهى أن تجصص أو يبنى عليها أو يكتب عليها؛ كل ذلك منهي عنه شرعاً؛ لأنه ذريعة إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى: ((وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا))[نوح:23-24]، فقوم نوح كان سبب شركهم أنهم لما مات صالحوهم بعد حين بنوا على قبورهم، فجاء أناس لا يحسنون ولا يفقهون فعبدوهم من دون الله سبحانه وتعالى، لذا من أحكام القبور ألا يبنى عليها، وألا تتخذ أوثاناً، مع أنها لا تمتهن، ففي الجانب الآخر أيضاً لا تقدس، لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: {أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بالحبشة وما فيها من الصور، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله}، شرار الخلق يعظمون القبور تعظيماً زائداً، ويفرطون فيها ويغلون فيها، ويتخذونها أوثاناً ومعابد ومقدساً من دون الله سبحانه وتعالى، وفسقة الخلق وعصاة الخلق يكونون في الطرف الآخر فيدوسونها ويمتهنوها ويحتقرونها، وصلحاء الأمة يجتنبون هذا وهذا، فلا إفراط ولا تفريط، كل شيء له قدر وميزان.
ومن ذلك ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: {أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل به الموت أخذ خرقة فجعل يضعها على وجهه فإذا اغتم كشفها، وهو يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا، قالت أم المؤمنين: ولولا ذلك لأبرز قبره}؛ سداً لذريعة أن يتخذ وثناً، وقد كان قبر دانيال عليه السلام بارزاً فعماه الصحابة رضوان الله عليهم حتى لا يتخذ وثناً، وهكذا قاعدة وأمر مهم سد ذرائع الشركيات.
وروى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك}، دل هذا أن اتخاذ القبور مساجد صنيع اليهود والنصارى وأنه تشبه بهم، وكل من صنع ذلك من المسلمين فهو متشبه في ذلك بالكافرين علم أو جهل عرف أو لم يعرف، ودل ذلك على أن هذا فعل شرار الخلق، ودل ذلك أن هذا منهي نبوي عن هذا الفعل: {فإني أنهاكم عن ذلك}، وثبت عند أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد}، فلا إفراط في هذا الدين ولا تفريط، وربنا سبحانه يقول: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا))[البقرة:143]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {والوسط العدل الخيار} هكذا في الصحيح، فالعدل إقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإقامة الحق، فمن العدل والإنصاف في القبور ألا يكون هناك فيها تفريط ولا إفراط ولا دعاؤهم من دون الله، قال الله سبحانه وتعالى: ((وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ))[المؤمنون:117]، ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ))[الأعراف:55-56]، ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ))[الأحقاف:5].
ومن أحكام القبور التي فرط فيها كثير من الناس وفي تعلمها وتعلم أحكامها ألا يصلى في المقبرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه من حديث أبي سعيد أنه قال: {أذنت الصلاة في سائر الأرض إلا المقبرة والحمام}.. الحديث، دل هذا أن الصلاة في المقبرة غير مأذون فيها إلا فيما خص بدليل، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: {أنه سأل عن امرأة سوداء كانت تقم المسجد فأخبروه أنها ماتت، فقال: ألا آذنتموني؟ ثم انطلق فصلى على قبرها}، وبما أن الإنسان قد صلى عليها فلا ينبغي أن يصلي على القبور إذا صلى عليها خارج المقبرة.
ومن أحكام القبور ما ثبت عن بشير بن الخصاصية رضي الله عنه: {أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسماه بشيراً، قال: فبينما أنا أمشي معه، إذ مر بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً -أي: ما حصلوا على خير- ونظر إلى قبور المسلمين، فقال: لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً، ثم حانت منه لفتة إلى رجل يمشي بنعليه بين القبور، فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك الق سبتيتك، قال: فنظر فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقها}، الرجل نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقاها، استجابة سريعة.
هذا من الأمور المنهي عنها، ومن امتهان القبور الذي هو حاصل بين الناس المشي في القبور لا يشكل على ذلك حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {فإذا انصرفوا عنه إنه ليسمع قرع نعالهم}، فإن هذا لا يلزم منه أن يمشي بها بين القبور، وإنما حاصله أن الميت في ذلك الحين بخصوصه أو فيمن أسمعهم الله توبيخاً لهم كأهل قليب بدر في ذلك الحين بخصوصه يسمع قرع نعالهم، وسواء كانوا من على الطريق أو بعيدين عن المقبرة شيئاً ما، أما المشي بينها فلا يراد به الأدلة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فمن أحكام هذه القبور أن يستغفر لأصحابها من المؤمنين: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ))[محمد:19]، وثبت عن عثمان رضي الله عنه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن ميتاً قال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت}، والله سبحانه وتعالى يقول لنبيه في شأن المنافقين: ((وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ))[التوبة:84]، قال بعض أهل التفسير: ((وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)) أي: في تلك الحدود تلك الكلمات وذلك الدعاء أن يقول: اللهم اغفر له وثبته ثم ينصرف، وأما ما جاء عن أبي أمامة الباهلي في أنه يقعد على قبره ويقال: يا عبد يا ابن عبديه! إذا جاءك الملكان، فقل: الله ربي والإسلام ديني ومحمد رسولي والكعبة قبلتي.. إلى آخر ذلك الكلام في ذلك الحديث، فإنه حديث منكر أنكره الإمام أحمد وساق إنكار ابن القيم والصنعاني في سبل السلام.. وغير هؤلاء من الأئمة، فالحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أحكام هذه القبور ألا يغرس عليها الأشجار كما يفعل بعض الناس هداهم الله، فإن هذه من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذ مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة فشقها وغرسها، قال: إنه ليخفف عنهما ما لم ييبسا}، وهذا دليل على الخصوصية، فليس أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ويعلم ما في القبور، ففي ذلك الحين أعلمه الله عز وجل، بل وفي غير ذلك لا يعلم هو ولا غيره: {إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك}، ((وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ))[فاطر:22]، ((فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ))[الروم:52].
أوحى الله إليه أنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أي: فعله، ألا بعض التأويلات لأهل العلم: {وما يعذبان في كبير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى إنه لكبير}، الشاهد من ذلك لا أحد يستطيع أن يحكم أن صاحب هذا القبر يعذب؛ لأنه ما أوحي إليه بذلك، ولا أحد يستطيع أن يعلم أن هذا يخفف عنه بذلك.
فحاصل ذلك أن هذه من الخصوصية، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجعل على القبر حجراً للرجل وحجرين للمرأة أو العكس من ذلك، فقد جاء ذلك، ولكنه حديث ضعيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم {أخذ حجراً، وقال: لأتعالم به قبر أخي، فوضعه عليه حين مات حمزة رضي الله عنه}، ولم يثبت في هذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك محدث.
ومن أحكام القبور أن تكون مسلمة على الصحيح، لما ثبت عن سفيان التمار في الصحيح وهو صحيح عند ابن أبي شيبة أيضاً أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسنماً، وهذا أفضل من حيث أن الماء يتزلق عنه هكذا وهكذا، فلو كان مسطحاً لركد عليه الماء، ولنزل عليه ولحصل ضرر على الميت.
ومن أحكام القبور أن تكون متجهة إلى القبر؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن القبلة: {قبلتكم أحياء وأمواتاً}، وهذا من شعار المسلمين، صار شعاراً للمسلمين اتجاه أهل القبور.
أيها الناس! إن الإنسان في غفلة عما يقدم عليه في دار أخرى، وفي مسكن آخر، وفي دور من الطين تأكل جسمه الديدان وتتقطع أشلاؤه وتتمزق أوصاله في ذلك الدار، الذي هو دار أحكامه تختلف عن هذه الأحكام وحياته تختلف عن هذه الحياة، فشأنه عظيم والله، وكل تلك الدار امتدادها من هذا الدار من خير أو شر: ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه))[الزلزلة:7-8]، ((أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ))[التكاثر:1-3].. الآيات، قال ابن كثير عند هذه الآية: زرتم المقابر أي: حتى متم وصرتم من أهل المقابر، واستدل بحديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم: { أتى رجلاً يعوده، فقال: لا بأس عليك طهور طهور، قال: طهور! بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور}.
ومن أحكام هذه المقابر أنها تذكر الآخرة، فأنت اليوم على ظهر الدنيا وغداً من سائر تلك الدار، أنت اليوم من أهل هذه الدار، وغداً أو بعد ساعة أو دقائق أو يوم أو شهر أو سنة أو أكثر أو أقل من أصحاب ذلك الدار، قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه عند الإمام مسلم : {زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة}.
ومن أحكام هذه المقابر ألا يسرج عليها فإن ذلك من شأن الجاهلية ومن شأن المجوس: {نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسرج على القبور}؛ لأنه تشبه بالكافرين وذريعة إلى عبادة غير رب العالمين، أي: ما ثبت عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {أنهم رأوا سراجاً في المقبرة فأتوا إلى المقبرة وإذا النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يقول للحافر: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه}، فهذا اتخاذ سراج للحاجة، يجوز دفن في الليل ولا يتأتى ذلك إلا بأخذ السراج، إنما المنهي عنه أن تجعل السرج عندها كما يفعل المشركون.
ومن أحكام هذه المقابر تعمقيها وتوسيعها، فقد {أمر النبي صلى الله عليه وسلم الحافر أن يوسع القبر وأن يحفر وأن يعمق}.
ومن أحكامها أيضاً أنه إذا حصل فيها ذلك الإعماق لا بأس أن يدفن عند الحاجة الاثنان والثلاثة أو الأكثر، ويقدم في القبر أكثرهم قرآناً، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم تشريف له أن يوضع على الأرض مباشرة الحافظ والأكثر قرآناً، ثم يوضع فوقه من هو دونه ومن هو دونه وهكذا..
هذه بعض أحكام القبور وأهمها لدينا أن يلتفت وينتبه من ولاة الأمور ومن كل غيور إلى ما يحصل للقبور من الوطء والامتهان أو من الغلو والشرك بها ودعائها من غير الله سبحانه وتعالى.
وبالله التوفيق.