أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
03-29-2009, 11:15 AM
موقف موقع أهل الحديث من مسألة الشيخ علي بن حسن الحلبي هداه الله ورزقه البطانة الصالحة.
الحمد لله حمد الذي نضّر وجوه أهل الحديث والأثر والسنة، ونصر وجوههم على شُبَه أهل التدليس والشقاق والفتنة، حمدا أستفتح به أبواب الجنّة، واسترجح به ميزان الثواب يوم المحنة, والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه الذين نظر إليهم بعين المنّة.
أما بعد:
فإنّ الرجوعَ إلى الحق متعينٌ وواجب، والتمادي في الباطل باطل وإثمٌ وحرام، والخلاف والاختلاف بين الأفراد والمجتمعات الإسلامية مصيبة ومحنة عظمى، وشر وفتنة وشقاء وبلاء وعناء.
قال تعالى: [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم] [الأنفال:46].
وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام:159].
وقال تعالى:[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا][آل عمران:103].
وأخرجه أحمد في مسنده، وابنه في زوائده (4/278-375)، وابن أبي عاصم في السنة (رقم:93)، والقضاعي في مسند الشهاب (1/43 رقم: 15) والبزار (2/253 رقم:637-كشف الأستار) بإسناد حسن من حديث النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجماعةُ رحمةٌ والفُرقةُ عذابٌ).
وأخرجه أبو داود [(رقم: 2628)، باب:ما يُؤمر من انضمام العسكر]، وأحمد في المسند (4/193) وغيرهما من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: كان النّاس إذا نزلوا منـزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان) فلم ينـزل بعد ذلك منـزلاً إلا أنضم بعضُهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمّهم).
وأخرجه مسلم [برقم432 (كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها ط: عبدالباقي)]، وأبو داود برقم(674) مختصراً، والنسائي[(2/422) برقم: (806 كتاب الإمامة، باب: من يلي الإمام ثم الذي يليه] وابن ماجة [(برقم:976 باب: ما يستحب أن يلي الإمام)] من حديث عن أبي مسعود قال: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم).
وأخرجه البخاري (4/267، كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس، برقم 2023)، من حديث عبادة بن الصامت قال: خرج النبي ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: (خرجتُ ليخبركم بليلة القدر فتلاحى فلانٌ وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم فلتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)، انظر تحفة الأشراف للمزيّ (4/242 برقم 5071).
وفي رواية أبي نظر عن أبي سعيد الخدري عند مسلم [(8/63) النووي ، ط: دار الفكر]: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان)
واللّحاء: هي المخاصمة والمنازعة والمشاتمة.
ويحتقان: ومعناه يطلب كل واحدٌ منهما حقه ويدّعي أنه محق، وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية، والخلاف والشقاق كما نراه على المواقع الالكترونية.
والنصوص من الكتاب وصحيح السنة المطهرة مستفيضة في هذا الباب، تحث وتأمر بوجوب الاتحاد، وتنهى وتحذر من الفرقة والشقاق.
ولكن: الاتحاد والتآخي لا يتنافى والنّصح والبيان بالتي هي أحسن للتي هي أقوم، وخاصّة إذا كان الذي صدرت منه أخطاء ممن هو من أهل السنة والجماعة.
أخرجه البخاري (5/98 رقم 2444-6952) الفتح من حديث أنس بن مالك يقول: قال رسول الله: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، قيل: يا رسول الله: هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: (تأخذ فوق يده- وفي طريق-: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره).
قال ابن بطال كما في الفتح(5/98) : "النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره بنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه وهو من وجيز البلاغة).
قال البيهقي رحمه الله: "معناها أن الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حساً ومعناً، فلو رأى أنساناً يريد أن يجيب نفسه لظنه أن ذلك يزيد مفسدة طلبه الزنا مثلاً، منعه من ذلك وكان ذلك نصراً له واتحد في هذه الصورة الظالم والمظلوم) انظر الفتح (5/98).
قلت: فبيان الحق والردِّ على المخالف الذي جانب الصواب فيما خالف فيه الحق نصرة له لا غير، وعليه فلو تُرك بابُ البيان وتحرير المتشابه لاختلط الحق بالباطل ولصارت الأمور حيص بيص، ولا أظن عاقلاً يرضى هذا فضلاً على أن يَدين الله به.
قال أبو صالح الفراء رحمه الله كما في تهذيب التهذيب (1/398): (ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن، فقال: ذلك يشبه أستاذه -يعني الحسن بن صالح-، فقال: فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة، فقال: لِمَ يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى النّاس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم ومن أطراهم كان أضــر عليهم).
قلت: ولهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم اتباعهم فيه لأنه يراهم أخطئوا، أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذلك الفاضل لكي يكفّ النّاس عن الغلو فيه، الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه، فمن هذا ما في صحيح البخاري: خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقال: (والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي). انظر الفتح (7/106)، والتنكيل (1/11-12) فإنه مهم.
ومنه ما تراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفيه في مسألة اشتراط العلم باللقاء والمخالف هو البخاري أو علي بن المديني على خلاف، وقد عُرف عن مسلم تبجيله للبخاري، وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة، وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد، فكيف إذا كان المجروح عنده مخالفات ظاهرة وله صيت عند الأتباع، وأكثر الناس مُغْروَنْ بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك، فهنا يجدر بأهل العلم والفضل أن يبينوا أخطاءه الدعوية ولو بتخشين العبارة حتى لا يقع النّاس فيما وقع فيه، فكثر الشر، وتتسع رقعة الخلاف كما هو مشاهد.
قال ابن تيمية رحمه الله : (...وقال بعضُهم لأحمدَ بنِ حنبل: إنه ليثقل عليّ أن أقول فلان كذا وفلان كذا...فقال: إذا سكتَ أنت وسكتُ أنا فمتى يَعرف الجاهلُ الصحيحَ من السقيمِ؟! ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإنّ بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبّ إليك أو يتكلم في أهل البدع، فقال: إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنّما هو للمسلمين، وهذا أفضل، فتبيّن أنّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشريعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون ابتداء). انظر: مجموع الرسائل والمسائل (5/110)، ومجموع الفتاوى (28/231-236)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي [(1/6) تحقيق أبي الفداء]، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/287 ، رقم:393)، والقائل هو: أبو بكر محمد بن بندار السباك الجرجاني.
وقال كذلك رحمه الله في ذم أهل البدع، وبيان فضل من تصدى لهم بالحجة والبرهان، فأفحمهم بقوة البيان، وقطع جهيزتهم بالسنة والقرآن في نقض المنطق [(ص:12) ، تحقيق محمد حمزة وسليمان الصنيع]، ومجموع الفتاوى (4/13): (الردود على المعتزلة والقدرية وبيان تناقضهم فيها قهر المخالف، وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: "الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد").
وقال ابن تيمية أيضاً بعد ما ذكر مسوغات ذكر العيوب في منهاج السنة (5/146): (...وكذلك بيان أهل العلم لمن غلط في الرواية عن النبي، أو تعمد الكذب عليه، أو على من ينقل عنه العلم، وكذلك بيان من غلط في رأي رآه في الدين من المسائل العلمية والعملية، فهذا إن تكلم فيه إنسان بعلم وعدل وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك لاسيما إذا كان المُتَكلَّم فيه داعياً إلى بدعة فهذا يجب بيان أمره للناس، فإن دفـع شـرّه عنهم أعظم من دفع شـرّ قاطـع الطريق)اهـ.
ثم اعلم يا سائل الهداية والتوفيق: أن الأمر يعسر فهمه، ويقع فيه جملة من الناس إذا كان دقيقا غير واضح لا يفهم كنهه إلا الحذاق من أهل السنة، فهنا يجدر بأهل العلم بيان علل الخلاف والخطأ حتى تنجلي الصورة ويتوب المخطئ، ولا يتركون الأمر للمشاغبين والسفهاء وأهل الفتن والشقاق للخوض فيه كما نرى في بعض المواقع التي كنا نحسن بها الظن ونأمل أن نتعاون معها في نشر الخير ولكن لما تسلط عليها هذا الصنف من أهل الفتن زهدنا فيها.قال أبو نصر السّجزي (م:444هـ) بعد ما كشف خفايا الكلابية والأشعرية وأنهم غيرُ مُثبتين للصفات:(والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضرراً على عوام أهل السنّة من هؤلاء، لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف ولم تموِّه بل قالت: إنّ الله بذاته في كل مكان، وإنّـه غيرُ مرئي، وإنّه لا سمع له ولا بصر،...والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذبّ عن السنة وأهلها...والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإظهار أولئك -يعني المعتزلة- ومجانبتهم أهل السنّة، وإخفاء هؤلاء-يعني الأشعرية- ومخالطتهم أهل الحق).
وقال أيضا:(...والذين بُليَ كثيرٌ من أهل العلم بهم: المعتزلة، وهم أعداء الأثر وأهله، وكبراؤهم أبو الهذيل العلاف، وجعفر بن مبشر، والنظام، والجاحظ، وأبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وأبو القاسم الكعبي البلخي، وقبل هؤلاء: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبعدهم أبو عبدالله البصري، وأبو القاسم الواسطي، وبعدهما: الصاحب إسماعيل بن عباد، وعبد الجبار الأسداباي، كل هؤلاء دعاة إلى ضلالة، ثم بُلي أهلُ السنّة بعد هؤلاء بقوم يدعون أنّهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم...). انظر رسالة السجزي إلى أهل زبيد(ص:177-179-180-181-220-221-222).
وليس في بيان أخطاء المخالف تتبعٌ للعثرات ونشرها لإفساد صاحبها، فهذا منهي عنه، فعن معاوية رضي قال: سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم كلاماً نفعني الله به: (إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم): صحيح أخرجه أبو داود (كتاب الأدب، باب النهي عن التجسس)،ونحوه حديث (نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم).
قال ابن الأثير في النهاية: (إذا اتهمهم وجهرهم بسوء الظن فيهم أداهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا).
الحمد لله حمد الذي نضّر وجوه أهل الحديث والأثر والسنة، ونصر وجوههم على شُبَه أهل التدليس والشقاق والفتنة، حمدا أستفتح به أبواب الجنّة، واسترجح به ميزان الثواب يوم المحنة, والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه الذين نظر إليهم بعين المنّة.
أما بعد:
فإنّ الرجوعَ إلى الحق متعينٌ وواجب، والتمادي في الباطل باطل وإثمٌ وحرام، والخلاف والاختلاف بين الأفراد والمجتمعات الإسلامية مصيبة ومحنة عظمى، وشر وفتنة وشقاء وبلاء وعناء.
قال تعالى: [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم] [الأنفال:46].
وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام:159].
وقال تعالى:[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا][آل عمران:103].
وأخرجه أحمد في مسنده، وابنه في زوائده (4/278-375)، وابن أبي عاصم في السنة (رقم:93)، والقضاعي في مسند الشهاب (1/43 رقم: 15) والبزار (2/253 رقم:637-كشف الأستار) بإسناد حسن من حديث النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجماعةُ رحمةٌ والفُرقةُ عذابٌ).
وأخرجه أبو داود [(رقم: 2628)، باب:ما يُؤمر من انضمام العسكر]، وأحمد في المسند (4/193) وغيرهما من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: كان النّاس إذا نزلوا منـزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان) فلم ينـزل بعد ذلك منـزلاً إلا أنضم بعضُهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمّهم).
وأخرجه مسلم [برقم432 (كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها ط: عبدالباقي)]، وأبو داود برقم(674) مختصراً، والنسائي[(2/422) برقم: (806 كتاب الإمامة، باب: من يلي الإمام ثم الذي يليه] وابن ماجة [(برقم:976 باب: ما يستحب أن يلي الإمام)] من حديث عن أبي مسعود قال: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم).
وأخرجه البخاري (4/267، كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس، برقم 2023)، من حديث عبادة بن الصامت قال: خرج النبي ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: (خرجتُ ليخبركم بليلة القدر فتلاحى فلانٌ وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم فلتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)، انظر تحفة الأشراف للمزيّ (4/242 برقم 5071).
وفي رواية أبي نظر عن أبي سعيد الخدري عند مسلم [(8/63) النووي ، ط: دار الفكر]: (فجاء رجلان يحتقان معهما الشيطان)
واللّحاء: هي المخاصمة والمنازعة والمشاتمة.
ويحتقان: ومعناه يطلب كل واحدٌ منهما حقه ويدّعي أنه محق، وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية، والخلاف والشقاق كما نراه على المواقع الالكترونية.
والنصوص من الكتاب وصحيح السنة المطهرة مستفيضة في هذا الباب، تحث وتأمر بوجوب الاتحاد، وتنهى وتحذر من الفرقة والشقاق.
ولكن: الاتحاد والتآخي لا يتنافى والنّصح والبيان بالتي هي أحسن للتي هي أقوم، وخاصّة إذا كان الذي صدرت منه أخطاء ممن هو من أهل السنة والجماعة.
أخرجه البخاري (5/98 رقم 2444-6952) الفتح من حديث أنس بن مالك يقول: قال رسول الله: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، قيل: يا رسول الله: هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: (تأخذ فوق يده- وفي طريق-: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره).
قال ابن بطال كما في الفتح(5/98) : "النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره بنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يؤول إليه وهو من وجيز البلاغة).
قال البيهقي رحمه الله: "معناها أن الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حساً ومعناً، فلو رأى أنساناً يريد أن يجيب نفسه لظنه أن ذلك يزيد مفسدة طلبه الزنا مثلاً، منعه من ذلك وكان ذلك نصراً له واتحد في هذه الصورة الظالم والمظلوم) انظر الفتح (5/98).
قلت: فبيان الحق والردِّ على المخالف الذي جانب الصواب فيما خالف فيه الحق نصرة له لا غير، وعليه فلو تُرك بابُ البيان وتحرير المتشابه لاختلط الحق بالباطل ولصارت الأمور حيص بيص، ولا أظن عاقلاً يرضى هذا فضلاً على أن يَدين الله به.
قال أبو صالح الفراء رحمه الله كما في تهذيب التهذيب (1/398): (ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن، فقال: ذلك يشبه أستاذه -يعني الحسن بن صالح-، فقال: فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة، فقال: لِمَ يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى النّاس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم ومن أطراهم كان أضــر عليهم).
قلت: ولهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم اتباعهم فيه لأنه يراهم أخطئوا، أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذلك الفاضل لكي يكفّ النّاس عن الغلو فيه، الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه، فمن هذا ما في صحيح البخاري: خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقال: (والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي). انظر الفتح (7/106)، والتنكيل (1/11-12) فإنه مهم.
ومنه ما تراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفيه في مسألة اشتراط العلم باللقاء والمخالف هو البخاري أو علي بن المديني على خلاف، وقد عُرف عن مسلم تبجيله للبخاري، وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة، وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد، فكيف إذا كان المجروح عنده مخالفات ظاهرة وله صيت عند الأتباع، وأكثر الناس مُغْروَنْ بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك، فهنا يجدر بأهل العلم والفضل أن يبينوا أخطاءه الدعوية ولو بتخشين العبارة حتى لا يقع النّاس فيما وقع فيه، فكثر الشر، وتتسع رقعة الخلاف كما هو مشاهد.
قال ابن تيمية رحمه الله : (...وقال بعضُهم لأحمدَ بنِ حنبل: إنه ليثقل عليّ أن أقول فلان كذا وفلان كذا...فقال: إذا سكتَ أنت وسكتُ أنا فمتى يَعرف الجاهلُ الصحيحَ من السقيمِ؟! ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإنّ بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبّ إليك أو يتكلم في أهل البدع، فقال: إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنّما هو للمسلمين، وهذا أفضل، فتبيّن أنّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشريعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون ابتداء). انظر: مجموع الرسائل والمسائل (5/110)، ومجموع الفتاوى (28/231-236)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي [(1/6) تحقيق أبي الفداء]، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/287 ، رقم:393)، والقائل هو: أبو بكر محمد بن بندار السباك الجرجاني.
وقال كذلك رحمه الله في ذم أهل البدع، وبيان فضل من تصدى لهم بالحجة والبرهان، فأفحمهم بقوة البيان، وقطع جهيزتهم بالسنة والقرآن في نقض المنطق [(ص:12) ، تحقيق محمد حمزة وسليمان الصنيع]، ومجموع الفتاوى (4/13): (الردود على المعتزلة والقدرية وبيان تناقضهم فيها قهر المخالف، وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: "الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد").
وقال ابن تيمية أيضاً بعد ما ذكر مسوغات ذكر العيوب في منهاج السنة (5/146): (...وكذلك بيان أهل العلم لمن غلط في الرواية عن النبي، أو تعمد الكذب عليه، أو على من ينقل عنه العلم، وكذلك بيان من غلط في رأي رآه في الدين من المسائل العلمية والعملية، فهذا إن تكلم فيه إنسان بعلم وعدل وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك لاسيما إذا كان المُتَكلَّم فيه داعياً إلى بدعة فهذا يجب بيان أمره للناس، فإن دفـع شـرّه عنهم أعظم من دفع شـرّ قاطـع الطريق)اهـ.
ثم اعلم يا سائل الهداية والتوفيق: أن الأمر يعسر فهمه، ويقع فيه جملة من الناس إذا كان دقيقا غير واضح لا يفهم كنهه إلا الحذاق من أهل السنة، فهنا يجدر بأهل العلم بيان علل الخلاف والخطأ حتى تنجلي الصورة ويتوب المخطئ، ولا يتركون الأمر للمشاغبين والسفهاء وأهل الفتن والشقاق للخوض فيه كما نرى في بعض المواقع التي كنا نحسن بها الظن ونأمل أن نتعاون معها في نشر الخير ولكن لما تسلط عليها هذا الصنف من أهل الفتن زهدنا فيها.قال أبو نصر السّجزي (م:444هـ) بعد ما كشف خفايا الكلابية والأشعرية وأنهم غيرُ مُثبتين للصفات:(والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضرراً على عوام أهل السنّة من هؤلاء، لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف ولم تموِّه بل قالت: إنّ الله بذاته في كل مكان، وإنّـه غيرُ مرئي، وإنّه لا سمع له ولا بصر،...والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذبّ عن السنة وأهلها...والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإظهار أولئك -يعني المعتزلة- ومجانبتهم أهل السنّة، وإخفاء هؤلاء-يعني الأشعرية- ومخالطتهم أهل الحق).
وقال أيضا:(...والذين بُليَ كثيرٌ من أهل العلم بهم: المعتزلة، وهم أعداء الأثر وأهله، وكبراؤهم أبو الهذيل العلاف، وجعفر بن مبشر، والنظام، والجاحظ، وأبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وأبو القاسم الكعبي البلخي، وقبل هؤلاء: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبعدهم أبو عبدالله البصري، وأبو القاسم الواسطي، وبعدهما: الصاحب إسماعيل بن عباد، وعبد الجبار الأسداباي، كل هؤلاء دعاة إلى ضلالة، ثم بُلي أهلُ السنّة بعد هؤلاء بقوم يدعون أنّهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم...). انظر رسالة السجزي إلى أهل زبيد(ص:177-179-180-181-220-221-222).
وليس في بيان أخطاء المخالف تتبعٌ للعثرات ونشرها لإفساد صاحبها، فهذا منهي عنه، فعن معاوية رضي قال: سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم كلاماً نفعني الله به: (إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم): صحيح أخرجه أبو داود (كتاب الأدب، باب النهي عن التجسس)،ونحوه حديث (نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمس عثراتهم).
قال ابن الأثير في النهاية: (إذا اتهمهم وجهرهم بسوء الظن فيهم أداهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا).