أبو طيبة محمد مبخوت
07-28-2009, 02:04 PM
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيِّئات أعمالنا ، من يهده الله ؛ فلا مُضِلَّ له ، ومن يضلل ؛ فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد : فقد قرأت في منتديات أهل الحديث السلفية - وأنا أبحث عرضا عن قضية - كلاما فجا ، ترتج منه أصول أهل الحديث رجا ، وتمج عليه الأفواه مجا، كتبه تعليقا لا تحقيقا غمر فرفر في كلامه ، ولم يمسك الأمر من زمامه ، ويزعم أنه للسلفية ناصح ، وما درى أنه للصخرة الصماء ناطح ، وأن فيه نفثة من نفثات فالح ، وغلواء من طغيان الحداد ، ومطاعن من محطات الفدفاد .
وهو كذلك فقد رأيته في شبكة سحاب السلفية يعلق التعليق نفسه على ذات القضية ، فحدست أن شيخه العاصمي من تلاميذ آل الغوي الطاعنين في ابن حجر والنووي ، أومن أهل التلبيس المشككين في سلفية ابن باديس .
رأيته يطعن في العالم الرباني الشيخ أحمد حماني ، ويرميه بالتمشعر ، وهو لا يشعر ، لم يتحدث بعلم ، ولم يتحل بحلم ، ما قال خيرا أو سكت ، بل قال ضيرا وبكت ، فكلمه كلاما ، وأشبعه ملاما .
ولما علمت أن الأمر جد ، شمرت على ساعد الجد ، وسللت الصارم اليماني للذب عن العالم الرباني الشيخ أحمد حماني الذي كان شوكة في حلق أهل الشرك والبدع والتصوف ، ولو ما ألف كتابا غير كتابه "صراع بين السنة والبدعة " لكفى في تبرئة ساحته مما رماه به هذا الغمر في باحته .
وهذا أوان الرد :
أولا : اعلم أن « إخراج الناس من السنة شديد » ، كما روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة (373/2/1) بإسناد صحيح عن الإمام أحمد أنه قاله .
ثانيا : « نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع » ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (96/24) .
وقال الإمام الشاطبي في "الاعتصام" (193/1-194) : « لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون : مجتهدا فيها ، أو مقلدا .
والمقلد : إما مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا ، والأخذ فيه بالنظر ، وإما مقلد له فيه من غير نظر ، كالعامي الصرف .
فهذه ثلاثة أقسام :
فالقسم الأول على ضربين :
أحدهما : أن يصح كونه مجتهدا ، فالابتداع منه لا يقع إلا فلته وبالعرض لا بالذات، وإنما تسمى غلطه أو زلة ؛ لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء الفتنه وابتغاء تأويل الكتاب ؛ أي : لم يتبع هواه ، ولا جعله عمدة ، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق ؛ أذعن له ، وأقر به » .
ثالثا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود » حديث صحيح رواه أبو داود ، انظر صحيح أبي داود (3 / 48) .
وفي رواية : « تجافوا لذوي الهيئات عثراتهم » ؛ قال الإمام الشافعي : « سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول : نتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدا »، زاد أبو عبد الله وأبو سعيد في روايتهما : قال الشافعي : « وذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم : الذين ليسوا يعرفون بالشر ، فيزل أحدهم الزلة » رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار (13 / 75) . وقال ابن قتيبة في "إصلاح غلط أبي عبيد"(ص/46) : « وقد قيل : "اتقوا زلة العالم"، وزلة العالم لا تعرف حتى تكشف ، وإن لم تعرف هلك بها المقلدون ؛ لأنهم يتلقونها من العالم بالقبول ، ولا يرجعون إلا بالإظهار لها ، وإقامة الدلائل عليها ، وإحضار البراهين » .
رابعا : عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه - قال : « لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذا أخذوه من صغارهم وشرارهم هلكوا » أثر صحيح رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (155/2-156) . ونقل بعده بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قال : سألت عن قوله : « لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم يريد : لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ، ولم يكن علماؤهم الأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه ميعة الشباب وحدته وعجلته وسفهه واستصحب التجربة والخبرة فلا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به الطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، ومع السن الوقار ، والجلالة والهيبة ، والحدث قد يدخل عليه هذه الأمور ، التي أمنت على الشيخ ، فإذا دخلت عليه ، وأفتى ، هلك ، وأهلك » .
فمتى كان الكلام في مسائل الإيمان والأحكام يؤخذ عن أحد الأصدقاء من طلبة العلم المعروفين بالعاصمة ؟ وأية معرفة هذه أن تحيلنا على مجهول ليس بعالم بشهادتك ؟
خامسا : قال الشيخ أحمد حماني في كتابه "صراع بين السنة والبدعة"(1 /79-80) نقلا عن ابن باديس : « اعلموا - جعلكم الله من وعاة العلم ، ورزقكم حلاوة الإدراك والفهم ، وجملكم بعزة الاتباع ، وجنبكم ذلة الابتداع - أن الواجب على كل مسلم - في كل مكان وزمان - أن يعتقد عقدا يتشربه قلبه ، وتسكن له نفسه ، ويلهج به لسانه، وتنبني عليه أعماله ، أن دين الله تعالى - من عقائد الإيمان ، وقواعد الإسلام ، وطرائق الإحسان - إنما هو في القرآن الكريم والسنة الثابتة الصحيحة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ، وأن كل من خرج عن هذه الأصول ولم يحظ لديها بالقبول – قولا كان أو عملا أو عقدا أو احتمالا فإنه باطل من أصله – مردود على صاحبه – كائنا من كان في كل زمان ومكان - ، فاحفظوها ، واعملوا بها ؛ تهتدوا وترشدوا إن شاء الله تعالى ، فقد تضافرت عليها الأدلة من الكتب والسنة وأقوال أساطين الملة من علماء الأمصار وأئمة الأقطار ، وشيوخ الزهد الخيار ، وهي لعمر الله الحق ، لا يقبلها إلا أهل الدين والإيمان ، ولا يردها إلا أهل الزيغ والبهتان » .
سادسا : قال الشيخ أحمد حماني - رحمه الله – كما في "فتاواه "(415/2): « على المسلمين أن يلتزموا العمل بكتاب ربهم وسنة نبيهم في كل أمورهم ؛ فإن الرسول - صلى الله عليه و سلم- ما جاء إلا ليعلمنا ديننا ويهدينا سواء السبيل ، وقد أوجب الله علينا طاعته ، وقرنها بطاعته - سبحانه – فقال : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ . وقد أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نتبع سنته ، ونتجنب الانحراف عنها بالابتداع في الدين . وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- طريقته الشرعية التي ما سلكها إلا بوحي من الله ، قال الله تعالى : ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ٌ﴾، وقال أيضا : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ٌ﴾، وقال - صلى الله عليه وسلم -:« عليكم بسنتي » ، وقال: « من أخذ بسنتي فهو مني » . وجاءت الآيات والأحاديث الصحيحة في التحذير من البدعة وذم المبتدع».فكيف يكون مالكيا متعصبا من يقول بهذا القول ؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم .
سابعا : ليس الشيخ أحمد حماني وحده من قال كما في "فتاواه"(1 /261): « ومن تمعن في نصوص الشريعة جيدا ، ودرس حجج الفرق المتنازعة بإنصاف حكم بأن الحق بجانب أهل السنة والجماعة الذين منهم الأشاعرة » ، بل قالها قبله شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "منهاج السنة النبوية" (221/2) : « فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة ، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول : إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة . وهذا الرافضي - يعنى المصنف - جعل أهل السنة بالاصطلاح الأول ، وهو اصطلاح العامة ؛ كل من ليس برافضي ؛ قالوا : هو من أهل السنة ؛ ثم أخذ ينقل عنهم مقالات لا يقولها إلا بعضهم مع تحريفه لها ، فكان في نقله من الكذب والاضطراب ما لا يخفى على ذوي الألباب .
وإذا عرف أن مراده بأهل السنة السنة العامة ، فهؤلاء متنازعون في إثبات الجسم ونفيه كما تقدم ، والإمامية أيضا متنازعون في ذلك » .
وقال أيضا في "بيان تلبيس الجهمية"(2 /87) - في سياق حديثه عن الأشاعرة - : «فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث ، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم ، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم » .
وعلى هذا الإطلاق بعض أهل العلم بالحديث والسنة كالشيخ ابن باز كما في الشريط الرابع من فتاوى الحج ، والشيخ الألباني كما في الشريط رقم 364 من سلسلة الهدى والنور، والشيخ سعد الحصين في كتابه "تهذيب عقيدة الأشاعرة ، والشيخ محمد علي فركوس في كتابه "مجالس تذكيرية على مسائل منهجية" .
وإذا كان ذلك كذلك عند بعض أهل العلم ؛ فما المانع أن يقول الشيخ أحمد حماني هذا القول ، وقد ابتلي بالفتوى لأقوام تحظى عندهم الصوفية المنافحة عن الأشعرية ؟. ثم هو يقصد بالأشاعرة في قوله السابق ما استقر عليه أبو الحسن الأشعري بعد توبته ورجوعه إلى مذهب السلف ، كما في كتابه "صراع بين السنة والبدعة"(44/1-45) .
ثامنا : قال - رحمه الله – كتابه "صراع بين السنة والبدعة" (1 /38) : « وكان أول ما ظهر من البدع القول بالقدر وهو أصل بدعة الاعتزال ، وبلغت فتنة المعتزلة أوجها حينما أجبروا المسلمين على القول بخلق القرآن ، وكذلك من البدع تأويل آيات القرآن على غير وجهها ، ورفع السلاح على أهل القبلة، وشق الطاعة ، وتفريق الجماعة ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ».
وقال (1 /40) - بعد ذكره لحديث نبوي - : « لأجل هذا الحديث وأمثاله عدت العلماء كل الفرق التي خالفت السنة وخرجت منها : قولا أو فعلا أو اعتقادا أو سلوكا ، من الفرق المبتدعة . ومقتوا البدعة فيهم ، ونصحوهم ، وحاولوا أن يفيئوا بهم إلى المنهاج السوي: كتاب الله وسنة رسوله» .
وقال (40/1-41) : « وقد أخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن أمته ستفترق على بضع وسبعين فرقة ، لا تنجو منها سوى فرقة واحدة ، هي التي تمسكت بسنته ولزمت جماعة المسلمين ، وقد افترقت أمته بالفعل كما أخبر ، وربما ادعت كل فرقة أنها الفرقة الناجية المستثناة في الحديث ، فلا يلتبسن الأمر على أحد ؛ لأن الميزان الذي تعرف به هذه الفرقة الناجية ، وتمتاز به عن غيرها موجود في القرآن وفي حديث حبيب الرحمن ، فالله يقول : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾، والحديث يرشد إلى التمسك بالسنة عند الاختلاف وبها النجاة » .
وقال في محاضرة له عن عقائد السلف : « وعقائد الإسلام في أصلها بسيطة واضحة ، كان الداعي النبي - صلى الله عليه وسلم- يدعو بها عظماء العقول ، يعرضها على الملوك وأرباب التيجان كما يعرضها على الرعاة ومن عدوهم في الأراذل من الطبقات ، ويلقنها لأبسط الناس مدعمة بآيات القرآن وآيات الله في الآفاق ، فلا يسمع كل من يسمعها إلا هداه الله إلى الإيمان إيمانا عميقا بهذا الدين وبرب العالمين » كما في كتاب "أحمد حماني حياة وآثار- شهادات ومواقف" (ص/ 107).
ونقل عنه (ص/109 ) قوله: « ومن أعظم علماء الأشعرية أبو بكر بن الطيب الباقلاني ، وإمام الحرمين ، وأبوه الجويني ، وأبو حامد الغزالي ، وفخر الدين الرازي ، ومع ذلك ؛ فإن مذهب السلف بقي هو أسلم المذاهب وأبعدها، يرجع إليه أساطين المتكلمين ، بعد إفناء أعمارهم في صوغ حجج المتكلمين والمجادلة بها» .
وبعد هذا النزر من النقول هل بقي لمن يرمي الشيخ أحمد حماني بالأشعرية ما يقول ؟ لتعلم أيها الفدم أن اللجاج شؤم ، وأن الحنق لؤم ، وأن تحقيق الظنة إثم، وأن إعنات البريء ظلم .
ثامنا : قول الشيخ أحمد حماني كما في "فتاواه" (597/2) : « وقد قبل أسلافنا تأويل الأشاعرة كما قبلوا تفويض السلف » يحمل إن شاء الله على المحمل الحسن ، فالتأويل – كما معلوم عند السلف – منه المقبول والمردود ، وهو يقصد التأويل الصحيح ، وأما التفويض فهو يقصد التفويض في الكيفية لا في المعنى ، ثم هو بشر يؤخذ من قوله ويترك ، وقد قال – رحمه الله - وقال : « ولا ينكر أحد أن الإسلام ديننا ، غير أنهم كانوا يختلفون في تفسير الإسلام الذي هو ديننا ، هل إسلام القرآن والسنة الصحيحة وفهم سلف الأمة لهما ؟ أم الإسلام مجموعة من الخرافات والتقاليد الموروثة والعادات البالية ولو تضاربت وتناقضت ؟ » ، ثم يجيب بقوله:« إن الإسلام في فهم المصلحين هو ما جاء به القرآن وبينته السنة وفهمه وسار عليه السلف الصالح ، وفي فهم غيرهم هو ما وجدنا عليه آباءنا وقد وجدناهم في الدرك الأسفل » .
﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ ، ﴿ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ﴾، ﴿ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ﴾ .
وكتبه أبو طيبة محمد بن مبخوت لخمس خلت من شعبان سنة 1430هـ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد : فقد قرأت في منتديات أهل الحديث السلفية - وأنا أبحث عرضا عن قضية - كلاما فجا ، ترتج منه أصول أهل الحديث رجا ، وتمج عليه الأفواه مجا، كتبه تعليقا لا تحقيقا غمر فرفر في كلامه ، ولم يمسك الأمر من زمامه ، ويزعم أنه للسلفية ناصح ، وما درى أنه للصخرة الصماء ناطح ، وأن فيه نفثة من نفثات فالح ، وغلواء من طغيان الحداد ، ومطاعن من محطات الفدفاد .
وهو كذلك فقد رأيته في شبكة سحاب السلفية يعلق التعليق نفسه على ذات القضية ، فحدست أن شيخه العاصمي من تلاميذ آل الغوي الطاعنين في ابن حجر والنووي ، أومن أهل التلبيس المشككين في سلفية ابن باديس .
رأيته يطعن في العالم الرباني الشيخ أحمد حماني ، ويرميه بالتمشعر ، وهو لا يشعر ، لم يتحدث بعلم ، ولم يتحل بحلم ، ما قال خيرا أو سكت ، بل قال ضيرا وبكت ، فكلمه كلاما ، وأشبعه ملاما .
ولما علمت أن الأمر جد ، شمرت على ساعد الجد ، وسللت الصارم اليماني للذب عن العالم الرباني الشيخ أحمد حماني الذي كان شوكة في حلق أهل الشرك والبدع والتصوف ، ولو ما ألف كتابا غير كتابه "صراع بين السنة والبدعة " لكفى في تبرئة ساحته مما رماه به هذا الغمر في باحته .
وهذا أوان الرد :
أولا : اعلم أن « إخراج الناس من السنة شديد » ، كما روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة (373/2/1) بإسناد صحيح عن الإمام أحمد أنه قاله .
ثانيا : « نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع » ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (96/24) .
وقال الإمام الشاطبي في "الاعتصام" (193/1-194) : « لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون : مجتهدا فيها ، أو مقلدا .
والمقلد : إما مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا ، والأخذ فيه بالنظر ، وإما مقلد له فيه من غير نظر ، كالعامي الصرف .
فهذه ثلاثة أقسام :
فالقسم الأول على ضربين :
أحدهما : أن يصح كونه مجتهدا ، فالابتداع منه لا يقع إلا فلته وبالعرض لا بالذات، وإنما تسمى غلطه أو زلة ؛ لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء الفتنه وابتغاء تأويل الكتاب ؛ أي : لم يتبع هواه ، ولا جعله عمدة ، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق ؛ أذعن له ، وأقر به » .
ثالثا : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود » حديث صحيح رواه أبو داود ، انظر صحيح أبي داود (3 / 48) .
وفي رواية : « تجافوا لذوي الهيئات عثراتهم » ؛ قال الإمام الشافعي : « سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول : نتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدا »، زاد أبو عبد الله وأبو سعيد في روايتهما : قال الشافعي : « وذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم : الذين ليسوا يعرفون بالشر ، فيزل أحدهم الزلة » رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار (13 / 75) . وقال ابن قتيبة في "إصلاح غلط أبي عبيد"(ص/46) : « وقد قيل : "اتقوا زلة العالم"، وزلة العالم لا تعرف حتى تكشف ، وإن لم تعرف هلك بها المقلدون ؛ لأنهم يتلقونها من العالم بالقبول ، ولا يرجعون إلا بالإظهار لها ، وإقامة الدلائل عليها ، وإحضار البراهين » .
رابعا : عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه - قال : « لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذا أخذوه من صغارهم وشرارهم هلكوا » أثر صحيح رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (155/2-156) . ونقل بعده بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قال : سألت عن قوله : « لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم يريد : لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ ، ولم يكن علماؤهم الأحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه ميعة الشباب وحدته وعجلته وسفهه واستصحب التجربة والخبرة فلا يدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولا يميل به الطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، ومع السن الوقار ، والجلالة والهيبة ، والحدث قد يدخل عليه هذه الأمور ، التي أمنت على الشيخ ، فإذا دخلت عليه ، وأفتى ، هلك ، وأهلك » .
فمتى كان الكلام في مسائل الإيمان والأحكام يؤخذ عن أحد الأصدقاء من طلبة العلم المعروفين بالعاصمة ؟ وأية معرفة هذه أن تحيلنا على مجهول ليس بعالم بشهادتك ؟
خامسا : قال الشيخ أحمد حماني في كتابه "صراع بين السنة والبدعة"(1 /79-80) نقلا عن ابن باديس : « اعلموا - جعلكم الله من وعاة العلم ، ورزقكم حلاوة الإدراك والفهم ، وجملكم بعزة الاتباع ، وجنبكم ذلة الابتداع - أن الواجب على كل مسلم - في كل مكان وزمان - أن يعتقد عقدا يتشربه قلبه ، وتسكن له نفسه ، ويلهج به لسانه، وتنبني عليه أعماله ، أن دين الله تعالى - من عقائد الإيمان ، وقواعد الإسلام ، وطرائق الإحسان - إنما هو في القرآن الكريم والسنة الثابتة الصحيحة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ، وأن كل من خرج عن هذه الأصول ولم يحظ لديها بالقبول – قولا كان أو عملا أو عقدا أو احتمالا فإنه باطل من أصله – مردود على صاحبه – كائنا من كان في كل زمان ومكان - ، فاحفظوها ، واعملوا بها ؛ تهتدوا وترشدوا إن شاء الله تعالى ، فقد تضافرت عليها الأدلة من الكتب والسنة وأقوال أساطين الملة من علماء الأمصار وأئمة الأقطار ، وشيوخ الزهد الخيار ، وهي لعمر الله الحق ، لا يقبلها إلا أهل الدين والإيمان ، ولا يردها إلا أهل الزيغ والبهتان » .
سادسا : قال الشيخ أحمد حماني - رحمه الله – كما في "فتاواه "(415/2): « على المسلمين أن يلتزموا العمل بكتاب ربهم وسنة نبيهم في كل أمورهم ؛ فإن الرسول - صلى الله عليه و سلم- ما جاء إلا ليعلمنا ديننا ويهدينا سواء السبيل ، وقد أوجب الله علينا طاعته ، وقرنها بطاعته - سبحانه – فقال : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ . وقد أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نتبع سنته ، ونتجنب الانحراف عنها بالابتداع في الدين . وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم- طريقته الشرعية التي ما سلكها إلا بوحي من الله ، قال الله تعالى : ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ٌ﴾، وقال أيضا : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ٌ﴾، وقال - صلى الله عليه وسلم -:« عليكم بسنتي » ، وقال: « من أخذ بسنتي فهو مني » . وجاءت الآيات والأحاديث الصحيحة في التحذير من البدعة وذم المبتدع».فكيف يكون مالكيا متعصبا من يقول بهذا القول ؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم .
سابعا : ليس الشيخ أحمد حماني وحده من قال كما في "فتاواه"(1 /261): « ومن تمعن في نصوص الشريعة جيدا ، ودرس حجج الفرق المتنازعة بإنصاف حكم بأن الحق بجانب أهل السنة والجماعة الذين منهم الأشاعرة » ، بل قالها قبله شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "منهاج السنة النبوية" (221/2) : « فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة ، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول : إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة . وهذا الرافضي - يعنى المصنف - جعل أهل السنة بالاصطلاح الأول ، وهو اصطلاح العامة ؛ كل من ليس برافضي ؛ قالوا : هو من أهل السنة ؛ ثم أخذ ينقل عنهم مقالات لا يقولها إلا بعضهم مع تحريفه لها ، فكان في نقله من الكذب والاضطراب ما لا يخفى على ذوي الألباب .
وإذا عرف أن مراده بأهل السنة السنة العامة ، فهؤلاء متنازعون في إثبات الجسم ونفيه كما تقدم ، والإمامية أيضا متنازعون في ذلك » .
وقال أيضا في "بيان تلبيس الجهمية"(2 /87) - في سياق حديثه عن الأشاعرة - : «فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث ، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم ، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم » .
وعلى هذا الإطلاق بعض أهل العلم بالحديث والسنة كالشيخ ابن باز كما في الشريط الرابع من فتاوى الحج ، والشيخ الألباني كما في الشريط رقم 364 من سلسلة الهدى والنور، والشيخ سعد الحصين في كتابه "تهذيب عقيدة الأشاعرة ، والشيخ محمد علي فركوس في كتابه "مجالس تذكيرية على مسائل منهجية" .
وإذا كان ذلك كذلك عند بعض أهل العلم ؛ فما المانع أن يقول الشيخ أحمد حماني هذا القول ، وقد ابتلي بالفتوى لأقوام تحظى عندهم الصوفية المنافحة عن الأشعرية ؟. ثم هو يقصد بالأشاعرة في قوله السابق ما استقر عليه أبو الحسن الأشعري بعد توبته ورجوعه إلى مذهب السلف ، كما في كتابه "صراع بين السنة والبدعة"(44/1-45) .
ثامنا : قال - رحمه الله – كتابه "صراع بين السنة والبدعة" (1 /38) : « وكان أول ما ظهر من البدع القول بالقدر وهو أصل بدعة الاعتزال ، وبلغت فتنة المعتزلة أوجها حينما أجبروا المسلمين على القول بخلق القرآن ، وكذلك من البدع تأويل آيات القرآن على غير وجهها ، ورفع السلاح على أهل القبلة، وشق الطاعة ، وتفريق الجماعة ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ».
وقال (1 /40) - بعد ذكره لحديث نبوي - : « لأجل هذا الحديث وأمثاله عدت العلماء كل الفرق التي خالفت السنة وخرجت منها : قولا أو فعلا أو اعتقادا أو سلوكا ، من الفرق المبتدعة . ومقتوا البدعة فيهم ، ونصحوهم ، وحاولوا أن يفيئوا بهم إلى المنهاج السوي: كتاب الله وسنة رسوله» .
وقال (40/1-41) : « وقد أخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن أمته ستفترق على بضع وسبعين فرقة ، لا تنجو منها سوى فرقة واحدة ، هي التي تمسكت بسنته ولزمت جماعة المسلمين ، وقد افترقت أمته بالفعل كما أخبر ، وربما ادعت كل فرقة أنها الفرقة الناجية المستثناة في الحديث ، فلا يلتبسن الأمر على أحد ؛ لأن الميزان الذي تعرف به هذه الفرقة الناجية ، وتمتاز به عن غيرها موجود في القرآن وفي حديث حبيب الرحمن ، فالله يقول : ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾، والحديث يرشد إلى التمسك بالسنة عند الاختلاف وبها النجاة » .
وقال في محاضرة له عن عقائد السلف : « وعقائد الإسلام في أصلها بسيطة واضحة ، كان الداعي النبي - صلى الله عليه وسلم- يدعو بها عظماء العقول ، يعرضها على الملوك وأرباب التيجان كما يعرضها على الرعاة ومن عدوهم في الأراذل من الطبقات ، ويلقنها لأبسط الناس مدعمة بآيات القرآن وآيات الله في الآفاق ، فلا يسمع كل من يسمعها إلا هداه الله إلى الإيمان إيمانا عميقا بهذا الدين وبرب العالمين » كما في كتاب "أحمد حماني حياة وآثار- شهادات ومواقف" (ص/ 107).
ونقل عنه (ص/109 ) قوله: « ومن أعظم علماء الأشعرية أبو بكر بن الطيب الباقلاني ، وإمام الحرمين ، وأبوه الجويني ، وأبو حامد الغزالي ، وفخر الدين الرازي ، ومع ذلك ؛ فإن مذهب السلف بقي هو أسلم المذاهب وأبعدها، يرجع إليه أساطين المتكلمين ، بعد إفناء أعمارهم في صوغ حجج المتكلمين والمجادلة بها» .
وبعد هذا النزر من النقول هل بقي لمن يرمي الشيخ أحمد حماني بالأشعرية ما يقول ؟ لتعلم أيها الفدم أن اللجاج شؤم ، وأن الحنق لؤم ، وأن تحقيق الظنة إثم، وأن إعنات البريء ظلم .
ثامنا : قول الشيخ أحمد حماني كما في "فتاواه" (597/2) : « وقد قبل أسلافنا تأويل الأشاعرة كما قبلوا تفويض السلف » يحمل إن شاء الله على المحمل الحسن ، فالتأويل – كما معلوم عند السلف – منه المقبول والمردود ، وهو يقصد التأويل الصحيح ، وأما التفويض فهو يقصد التفويض في الكيفية لا في المعنى ، ثم هو بشر يؤخذ من قوله ويترك ، وقد قال – رحمه الله - وقال : « ولا ينكر أحد أن الإسلام ديننا ، غير أنهم كانوا يختلفون في تفسير الإسلام الذي هو ديننا ، هل إسلام القرآن والسنة الصحيحة وفهم سلف الأمة لهما ؟ أم الإسلام مجموعة من الخرافات والتقاليد الموروثة والعادات البالية ولو تضاربت وتناقضت ؟ » ، ثم يجيب بقوله:« إن الإسلام في فهم المصلحين هو ما جاء به القرآن وبينته السنة وفهمه وسار عليه السلف الصالح ، وفي فهم غيرهم هو ما وجدنا عليه آباءنا وقد وجدناهم في الدرك الأسفل » .
﴿ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ ، ﴿ ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ﴾، ﴿ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ﴾ .
وكتبه أبو طيبة محمد بن مبخوت لخمس خلت من شعبان سنة 1430هـ.