المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقد ابن الخشاب لمقامات الحريري - د. خالد علال الكبير


الطيب صياد
08-21-2009, 01:22 PM
إلى المهتمّن بالبلاغة و اللغة ....بحث جيد للدكتور المؤرخ الجزائري خالد علال كبير في مقامات الحريري و استقرائها ، و النظر في انتقادات ابن الخشاب الحنبلي لهذه المقامات الحريرية ، ثم فوائد عن مقامات اليازجي و فضلها على الحريرية في نظر الدكتور - أحسن الله إليه - :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

" نقد ابن الخشاب لمقامات الحريري الأدبية "

بقلم : الأستاذ الدكتور خالد كبير علال - وفقه الله -

( صححها ونسقها ونقلها لكم / فريد المرادي - كان الله له - )


صنف الأديب أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري ( ت 516ه/ 1222م ) خمسين مقامة [1] ، أولها المقامة الصنعانية ، وآخرها البصرة [2] . سار فيها على طريقة منشئ المقامات بديع الزمن الهمذاني ( ت 398 ه/ 1007م ) ، فنالت إعجاب أدباء عصره ، وشهدوا لمصنفها بالبراعة الفائقة في الصياغة اللفظية ؛ لكن الأديب أبا محمد ابن الخشاب البغدادي الحنبلي ( ت 567 ه/ 1171م ) كان في مقدمة الناقدين له ، وردّ عليه في كتابه : الاعتراض على الحريري ، فجاء النحوي عبد الله بن بري المصري ( ت 582 ه/1186م) ، وانتصر للحريري ، من ابن الخشاب ، في مصنفه : الانتصار للحريري . فما هي انتقادات ابن الخشاب ؟ وما هي ردود ابن بري عليها ؟ .

أولا : انتقادات ابن الخشاب لمقامات الحريري ورد ابن بري عليها :

انتقد أبو محمد بن الخشاب ( ت 567 ه/ 1171م ) ، أبا محمد بن الحريري في أكثر من تسعة وخمسين موضعا من مقاماته ، وعدّ ذلك قليلا مقابل كثرة صوابه ، والكامل من عدت سقطاته ، والفاضل من أحصيت هفواته [3] . وتعجب من أهل اللغة والأدب في بغداد ، من أنهم عندما قرأ عليهم ابن الحريري مقاماته في سنة 504 ه/ 1110 م ، لم يبتعلقوا عليه فيها إلا بلفظة واحدة نازعوه فيها ، وخرجوا معه على السواء ، لأنها وقعت في كتب الأدب على خلاف فيها ، هي : (( النهار فرخ الحبارى )) [4] و (( الليل فرخ الكروان )) [5] ، وهذا هو المشهور وفي بعض مصنفات اللغة أن الليل هو كذلك : فرخ الحبارى [6] . ثم أشار ابن الخشاب إلى أن الحريري أمضى وقتا طويلا من عمره في اختيار ألفاظه ، خطف أكثرها من جوامع يدل وصوله إليها على براعته ، لكنه لم يكن مدفوعا عن فطنة ثاقبة ، وغريزة في التلفيق مطاوعة مجاوبة ، كما أنه أخذ مواضع من غيره واستعان بها ، و *أنحى عليها وغصبها [7] .

وفي مقامات الحريري مواضع ظاهرة الضعف ، انتقدها ابن الخشاب زادت عن ثلاث عشر موضعا [8] ، سكت عنها ابن بري ولم يعلق عليها بشيء ، وهو المتحمس للرد على ابن الخشاب ، والانتصار للحريري . وكان عليه أن يبدي فيها رأيه ولا يسكت عنها ، لأنه في صدد الرد عليها ، أذكر منها سبعة كأمثلة ؛ أولها أن ابن الخشاب أشار إلى أن الحريري قال في مقدمة مقاماته : (( و نعوذ بك من شره اللّسن [9] ، وفضول الهذر ، كما نعوذ بك من معرة اللّكن وفضوح الحصر [10] )) ، و هذا الكلام هو (( بعينه في كتاب البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن يحي المعروف بالجاحظ )) [11] . وقد رجعت إلى البيان والتبيين فوجدت المعنى متقاربا ، لكنه ليس نقلا حرفيا ، يقول فيه الجاحظ ( ت250 ه/ 864م ) : (( ونعوذ بك من السلاطة والهذر ، كما نعوذ بك من العي والحصر )) [12] .

والثاني هو قول الحريري في المقامة الخامسة : (( قبيل انتيابكم ومصيري إلى بابكم )) ، يرى فيه ابن الخشاب أنه (( ليس هذا موضع استعمال الانتياب ، لأن الانتياب معاودة الشيء مرة بعد مرة ، ومنه سميت النحل نوبا ، لانتيابها مواضع تعسّلها ، وهو مباتها . والانتياب افتعال من النوبة ، وهو لم يأتهم في هذا الموضع مرة أخرى ، ولا كثر انتيابه ، فلا معنى له في استعمال الانتياب ، إلا أنه ساقه إلى استعماله السجعة [13] ، فلا عذر له في ذلك )) ولا معنى لاستعمال الانتياب ، لأنه ظاهر الفساد لمباعدته الصواب [14] . وقول الحريري لا يصح ، لأن الانتياب هو القيام بالفعل مرة بعد مرة ، وهو قد استخدمه للتعبير عنه مرة واحدة ، لذا فإن ابن الخشاب مصيب عندما خطأه في هذه المسألة [15] .

والمثال الثالث من المقامة السادسة ، يقول فيها الحريري : (( واستعنت بقاطبة الكتاب ، فكل منهم قطب و تاب )) ، فانتقده ابن الخشاب في استعمال ( قاطبة )مضافة إلى ما بعدها وتعريفها به ، وإدخال حرف الجر عليها يدل على جهله بعلم النحو ، وأنه كان مقصرا جدا ، لأن العلماء بالعربية لا يختلفون في أن قاطبة لا تستعمل إلا منصوبة على الحال ، غير مقتصر على موضع واحد ، كذا نطقت بها العرب ولا تستعملها فاعلة ، ولا مفعولة ، ولا مجرورة ، ولا مضافة ، ومعرفة باللام . ومثلها طرا و كافة ، فلا يقال : طر القوم ، ولا كافة القوم ، قال - تعالى - : (( وما أرسلناك إلا كافة للناس )) – سورة سبأ / 28 – وقولهم كافة الناس ، كلام مولد ليس بعربي محض ، وهو أسهل من استعمال الحريري (( بقاطبة الكتاب )) ، وطرا وقاطبة لا ينصرفان ، وهما في موضع المصدر ، ولا يكون معرفة . وأظن أن ابن الحريري قد لحن في استعمال قاطبة وأخواتها ، كما استعملها هو . وكان قد حكى مذهب العرب و النحاة في كتابه : درة الغواص في لحن الخواص ، إلا أنه (( خالف إلا ما نهى عنه سهوا ، أو لأنه عرفه بعد وضعه المقامات على الخطأ )) [16] . و استخدام الحريري لكلمة قاطبة مجرورة و مضافة في نفس الوقت ليس بصحيح ، لأن قاطبة لا تأتي إلا حالا ، وهي من نوع الحال المؤكدة لصاحبها ، فنقول : جاء الناس قاطبة و كافة أو طرا . ولم نجد في كتب النحو واللغة أن كلمة قاطبة تستعمل مضافة أو مجرورة [17] .

والمثال الرابع يقول فيه الحريري : (( بمخلبه الأشغى [18] ، يغول [19] و نابه )) [20] لكن ابن الخشاب يرى أن (( الشغى لا يكاد يستعمل في المخلب ، و الاستعمال الصحيح في الشغى وهو اختلاف النبتة ، إنما يكون في الأسنان ، و استعماله في منسر العقاب لطول الأعلى على الأسفل فهما مختلفان ، إلا أن هذا الاستعمال أسهل من قوله : على النقيصة والشغى . لأنه توهم أن الشغاة زيادة ، فاستعمله استعمالها ، وللغة أوضاع مخصوصة في الاستعمال ، إذا خرجت عنها لم تكن عربية )) [21] . واستخدام الحريري لكلمة الشغي للدلالة على الزيادة في مخلب العقاب لا يصح ، لأن لفظة الشغى تطلق على السن الشاغية ، وهي الزائدة على الأسنان التي تخالف نبتتها نبتة غيرها من الأسنان ، فيقال : رجل أشغى ، وامرأة شغواء . وقد أخطأ الحريري في استعماله لهذه الكلمة من وجهين : الأول أراد إثبات صفة إيجابية للعقاب باستخدامه لفظة الأشغى ، في حين هي تحمل صفة سلبية . والثاني أنه كان يعتقد أن معنى الزيادة في هذه الكلمة ، هو النمو غير أنها في الواقع تدل على مخالفة الأصل [22] .

وفي المثال الخامس انتقد ابن الخشاب ما قاله الحريري - في المقامة الثالثة والعشرين - : (( حين يرتوي مني ويلتقح )) ، لأنه (( لا يستعمل التقح في معنى قبل اللقاح . والمعروف في القحتها ، ولقحتها ، لقحت ، ومنه للاقح ، واللواقح . والملتقح غير معروف )) [23] . واستخدام فعل التقح للدلالة على اللقاح غير وارد في كلام العرب ، وإنما الوارد هو : ألقح الفحل الناقة ، وألقح الريح السحاب ، ورياح لواقح ، وناقة لاقح ، ونوق لواقح ولقّح ، ولقت لقاحا ، ولقحا ، وتلقحت ، وألقحها الفحل ، ولقحها ، ولقوح درور ،وهي الحلوب [24] .

والمثال السادس انتقده في المقامة السادسة والعشرين عندما قال : (( فتعارفنا حينئذ وحفت بي فرحتان ساعتئذ )) ، وبين أن السجعتين واحدة لأن (( إذ فيهما كلمة واحدة ، فلا فرق بين إضافة الحين والساعة ، والليلة واليوم ، وغير ذلك مما تجب إضافته من أسماء الأزمنة إليها ، فلا معنى يجعلها قرينة إلا على تأويل أنها صارت مع ما قبلها كالفظة الواحدة )) [25] . ومما يشترط في السجع أن تكون الألفاظ المسجوعة مختلفة المعنى ، وأما إذا كانت على معنى واحد فهي تكرار لا طائل من ورائه ، وقد استعمل الحريري كلمتي : حينئذ ، وساعتئذ ، على أساس أنهما مختلفتان في المعنى ، وإذا ما رجعنا إلى كلام العرب نجد أن اللفظتين تستعملان للدلالة على معنى واحد ، ولهما في الإعراب نفس الحكم [26] .

وآخرها يقول فيه الحريري - في المقامة الخامسة و الثلاثين - : (( إذ احتفا بنا ذو طمرين [27] ، وقد كاد يناهز العمرين )) ، فعقب عليه ابن الخشاب بقوله : (( بئس الاستعمال ، استعمال كاد مع يناهز ، لأن المنهازة معناها المقاربة ؛ ناهز فلان الخمسين إذا قاربهما ، وكاد معناها المقاربة أيضا ، فهما وإن اختلفا في الاستعمال يتفقان في معنى المقاربة ، فكأنه إذا حقق معنى قوله آل إلى أن يقدر هذا الكلام [28] ، قارب مقاربة العمرين ، وهذا لا يخفى اختلاله على المتأمل )) [29] . كما أن إضافة كاد إلى ناهز واستعمالهما مقترنتين ببعضهما ، هو حشو ، وتكرار لا فائدة منه [30] .

وفي مقامات الحريري أكثر من سبعة مواضع ، انتقدها ابن الخشاب وبين بعدها عن الصواب ، لكن ابن بري - مع اعترافه بها - بررها وجوزها ، ووجد لها مخارج وأخذ بها ، حتى وإن كانت ضعيفة [31] ؛ أذكر من بينها مثالين ، الأول أخذ فيه ابن الخشاب على الحريري أنه ذكر في مقاماته - فبل تهذيبها وتنقيحها - النبي - عليه الصلاة و السلام - ثم قال مخاطبا له : (( فقلت وأنت أصدق القائلين ( إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ) - سورة التكوير/19 - ، وعندما تبين له - بعدما انتشرت مقاماته - أن الآية وصف لجبريل ، لا لمحمد - عليهما السلام - كر على النسخة مغيرا اعتقادا منه أنه أخطأ في الأول ، بعدما غربت وشرقت ، واشأمّت وعرّقت مقاماته . فكتب في النسخة الثانية : فقلت وأنت أصدق القائلين : ( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [32] - سورة الأنبياء/ 117 - . ويرى ابن الخشاب أن الحريري أخطأ في التصرفين ، فهو في الأول قد جهل قول أكثر المفسرين [33] بأن الآية تخص جبريل ، لا الرسول- صلى الله عليه و سلم - . وفي الثاني غيّر ما كتبه عندما اطلع على رأي غالب المفسرين ، فظن أن الأول خطأ لا يجوز الأخذ به ، ولم يعرف أنه و جد من المفسرين من جعل الآية صفة للرسول ، كما ذهب إليه أولا . فجهل ما عليه الأكثرون في الأول ، ولم يعرف الجواز في الثاني [34] .

وأما ابن بري فقد دافع عن الحريري بقوله : (( ليس لراجع عن الوجه الضعيف إلى الوجه القوي بغالط ، لأنه غير مقطوع على ابن الحريري لم يمر به جواز الوجه الأول من كتب التفاسير ، وإنما تركه لأن أكثر أهل التفسير على خلافه ، فعدل إلى ما ليس فيه خلاف عند أحد من الناس ، ويقوي ذلك أنه إذا أنكر عليه الوجه الأول ، فلا بد له أن ينظر في كتب التفاسير ، هل الأمر على ما ذكروا أو على خلافه ؟ ، ولما وقف عليه رأى الأكثر على خلاف ما ذهب إليه ، فعدل عنه إلى ما خلاف فيه )) [35] . وتبريره هذا ضعيف جدا لا يرفع النقد الموجه للحريري ، لأنه ذكر الآية الأولى مخاطبا بها الرسول - عليه الصلاة و السلام - ظنا منه أنه هو المقصود ، فلو كان على علم بأن غالبية المفسرين على خلافه ، وأنه اختار الرأي الضعيف عن اقتناع وقصد ، لما بدله في أغلب الظن ، ومما يقوي ذلك أنه عندما غير موقفه بدّل الآية ، وجاء بأخرى صريحة في مخاطبة الرسول ، ولم يدافع عن رأيه الأول .

وأما المثال الثاني - من المقامة الثانية - فأخذ فيه ابن الخشاب على الحريري استعماله كلمة : قواليب ، في قوله : (( يتقلب في قواليب الانتساب ويخبط في أساليب الاكتساب )) وهو خطأ وكان عليه أن يقول : قوالب ، كما في تابل : توابل لأن المفرد قالب ، وليس قلوبا ، ولا قلاب ، ولا تستعمل قواليب إلاّ عند الضرورة الشعرية وبقلة . أما عند الاختيار والسعة فلا يجوز ذلك [36] . وأما ابن بري فقد أقرّ بما قاله ابن الخشاب ضمنيا ، وبرر استعمال الحريري لكلمة قواليب ، بضرورة السجع ، فكما للشعر ضرورة فللسجع هو الآخر ضرورته لأن له وزنا يضاهي ضرورة الوزن في الشعر زيادة ونقصا وابدالا [37] . وأشير هنا إلى أن نسخة مقامات الحريري التي بين يدي معدّلة ، فيها قوالب لا قواليب [38] ، وهو تعديل إما أجراه ابن الحرير على بعض النسخ ولم يطلع عليه ابن بري . وإما قام به النساخ من بعده ، وهو اعتراف بصواب نقد ابن الخشاب وضعف تبرير ابن بري .

ولابن الخشاب انتقادات أخرى لمقامات الحريري ، ردّ فيها عليه ابن بري لكن ردوده كانت ضعيفة جدا [39] . منها قول الحريري – في المقامة السابعة والثلاثين – (( فسقط الفتى في يده [40] ، ولاذ بحقو [41] والده )) انتقده فيه ابن الخشاب لاستعماله تلك الصيغة لأن العرب لا تستعملها ، وإنما تقول : (( سقط في يد فلان إذا ندم ، ولا يقال سقط فلان في يده ، قال - تعالى - : (( ولما سقط في أيديهم )) - سورة الأعراف/ 149 - ولم يقل سقطوا في أيديهم ... وفاعل سقط مضمر لا يظهر ، معناه الندم فكأنه - واللّه أعلم – سقط الندم في يد فلان ، وليس المعنى سقط فلان في يد نفسه ، هذا محال لا يجوز عليه ولا يعطيه لفظ هذا الكلام ولا معناه ، وهذا الغلط من فاحش غلط الحريري في مقاماته )) [42] .

وأما ابن بري فقد اعترف بخطأ الحريري في هذا الموضع ، وقرر أنه لا يصح ذكر الفتى وصوابه أن يقول : فسقط في يده من غير ذكر الفتى ولا يكون في سقط ضمير الفتى ، لأنه فعل غير متعد ، والجر والمجرور في رفع به . لكنه خطأ كذلك ابن الخشاب وزعم أنه نطق كلمة : سقط بفتح السين لا بضمها . بدليل قوله : (( وفاعل سقط مضمر لا يظهر ، ومعناه الندم )) [43] . لكن المصحح [44] يرى : (( أن قول ابن الخشاب هذا لا يعين أنه أراد : سقط بفتح السين ، وقد فات ابن بري أيضا أن الأفعال التي جاءت ملازمة للمجهول ، لا يقال ونائب فاعلها ، وإنما يعرب فاعلا مع هذه الصيغة ، فلا دليل لابن بري في ذلك )) [45] . وهذا صحيح لأن ابن الخشاب بين أن الفاعل مضمر ؛ ولا يلزم ذلك القول بأن الفعل سقط ليس مبنيا للمجهول ، لأنه كان في معرض التوضيح ، بدليل أنه استشهد بقوله - تعالى - : (( ولما سقط في أيديهم )) وهي مبنية للمجهول . ويبدو أن ابن بري قد أحسّ بضعف ما ذهب إليه فعاد و افترض احتمال تصرف الناسخ في كلام ابن الخشاب ، فكتب سقط بفتح السين بدلا من ضمها ، وبذا يكون كلامه مستقيما وردّه صحيحا [46] .

وفي مقامات الحريري مواضع انتقده فيها ابن الخشاب يظهر فيها تحامله عليه ، عندما أصدر أحكاما بتخطئته فيها ، وهي محل خلاف [47] . منها أنه أخذ عليه قوله :(( ثمّ أنه اختبن [48] خلاصة النضّ [49] ، وبدر ضاربا في الأرض )) فاستعماله لكلمة خلاصة بمعنى خالص الشيء ليس بصحيح وإنما هي ما يلقى من الشيء ويسقط عند التخليص ، كالنخالة والبراية فهو ما يرمى من البري ، والقمامة . فهو مخطأ في هذا الاستعمال على كل حال [50] . لكن ابن بري يرى أن الحرير لم يخطأ ، وقوله صحيح لأن لفظ : الخلاصة مختلف فيه ، فقال بعض الناس أنه : ما يلقى من الشيء ، وقال آخرون : إنه خالص الشيء ، وبذا يكون ابن الخشاب قد أخطأ عندما قطع بتغليط الحريري ، مما يعني أنه (( لم يعلم فيه خلافا ، أو تركه مع العلم به )) [51] . ونحن في وقتنا الحاضر معنى الخلاصة هو : زبدة الشيء ، وما يستخرج من المادة حاويا لخصائصها [52] .

ومنها قول ابن الحريري – في المقامة الثانية والأربعين – : (( إلى أن طال الأمد وحصحص [53] الكمد )) انتقده ابن الخشاب في استعماله لكلمة حصحص مع غير لفض الحق ، لأن ذلك في رأيه لا يكد يستعمل . فلو قال : حصحص الباطل ، وحصحص الشرّ ، كان بعيدا عن استعمال العرب لكلمة حصحص [54] . لكن ابن بري لم يوافقه على ذلك ، وذهب إلى القول بأن ابن الخشاب انفرد بما قاله ، وحمله عليه قوله - تعالى - : (( الآن حصحص الحق )) - سورة يوسف/51 - والأمر ليس كما ظن ، لأن الذي عليه أهل اللغة أن حصحص الشيء معناه : ظهر ، ووضح ، ولم يخص بحق ولا بغيره من الألفاظ [55] . وقوله هذا صحيح [56] ، لكن ابن الخشاب لم يجزم فيما ذهب إليه ، وإنما قال : ولا يكاد يستعمل ذلك )) ، مما يعني أنه لم يقطع بتخطئة الحريري .

وأخيرا فقد تنازع ابن الخشاب وابن بري في استعمال الحريري لكلمة : نجوس [57] ، في قوله : (( فأقبلنا نجوس خلالها ونتفيأ ظلالها )) [58] . ولم يتنبها إلى خطأ واضح أمامهما ، هو استخدام الحريري لفظ : نتفيأ في قوله : (( نتفيأ ظلالها )) ، وهو فعل لازم ، لا يتعدى إلى مفعول به ، وإنما يأتي دائما فعلا لازما ، وقد عداه الحريري ولا حق له في ذلك [59] .

ثانيا : تعقيبات

وتعليقا على ما تقدم ذكره ، وإثراء له ، أورد فيما يأتي تعقيبات وفوائد متفرقة ؛ منها أن الباحث محمد بهجت الأثري يرى أن انتقادات ابن الخشاب لمقامات الحريري كانت (( غاية في القوة و الأصالة ، و إن ناقشه ابن بري بما ناقشه بها )) [60] .

في حين ذهب الأديب عبد المالك مرتاض إلى القول بأن ابن الخشاب انتقد الحريري انتقادا مرا ، لم يخل من بعض الهوى ؛ فجاء ابن بري ورد عليه ردا عنيفا انتصارا للحريري [61] .

لكن حقيقة الأمر أن كل منهما بالغ في نقده ، فابن الخشاب كان مدفوعا بدافع انتقاد مقامات الحريري ، حريصا على الرد عليه ، لذا نجده في بعض المآخذ يشتد في انتقاده وتضخيم أخطائه . وابن بري هو الآخر كان شديد الحرص على الانتصار للحريري من ابن الخشاب ، وكثير التبرير لمواقفه ، يبحث له عن المخارج وإن كانت ضيقة مرجوحة ، حتى أنه سكت عن مواضع خطأه فيها واضح . مما يثبت أن ابن الخشاب كان أكثر منه موضوعية ، فهو وإن اشتد في انتقاده للحريري ، وجانب الصواب في بعض مآخذه عليه ، فإنه قد اعترف له بالفضل ، وعذره في بعض أخطائه [62] .

ومنها - على ما يبدو - أن الغالبية العظمى من أدباء القرنين السادس والسابع الهجريين/12-13م ، وما بعدهما ، كانت مواقفهم سلبية تجاه نقد المقامات الحريرية ، فإني لم أعثر لهم على أي عمل علمي لنقدها شكلا وموضوعا [63] ، واكتفوا بشرحها والمبالغة في مدحها وتقريظها . وقد أشار ابن الخشاب إلى سلبية أدباء بغداد تجاه مقامات الحريري ، وتعجب منهم كيف أنهم عندما سمعوا منه مقاماته في سنة 504ه/1110م ، لم ينتقدوه إلا في مسألة واحدة فيها خلاف [64] ؟ ! ؛ وهو بمفرده قد انتقده في مواضع كثيرة ، أثبت فيها خطأه وتقصيره . لكن عمله النقدي الذي بدأه لم يجد - على ما يظهر - من يواصله ، في عصر خيم عليه التقليد المذهبي والجمود الفكري ، واهتم فيه الأدباء بظاهر اللغة دون باطنها [65] ؛ حتى أن بعض علمائه صدرت عنهم أقوال - في مدح مقامات الحريري - لا تليق بأهل العلم أبدا . فادعى الجغرافي ياقوت الحموي (626 ه/1228م) ، أن الحريري بمقاماته قد تفوق على الأوائل ، وأعجز الأواخر ولو (( ادعى بها الإعجاز لما وجد من يدفع في صدره ، ولا يرد قوله ، ولا يأتي بما يقاربها ، فضلا أن يأتي بمثلها )) [66] . وقال عنه الحافظ ابن كثير (( لم يسبق إلى مثلها ولا يلحق )) [67]. وردد المحدث جلال الدين السيوطي (ت911 ه/1505م) ما قاله ياقوت الحموي [68] .

وأقول - ردا عليهم [69] - :

أولا : إن كلام هؤلاء غير علمي ، فيه جهل ومبالغة ، ودعوى عريضة ، لأنه من الخطأ الفاحش أن يصدروا حكما بأن الحريري أعجز الأواخر ، ولا يلحق في مقاماته ؛ فمن أين لهم ذلك ؟ فهل اطلعوا على الغيب ؟ إني أعتقد جازما أن أي عمل بشري - مهما بلغ من الإتقان والبراعة والعبقرية - فإنه لا يصح عقلا ، يدّعى فيه الإعجاز حاضرا ومستقبلا .

وثانيا : أنه سبق و أن أوردت انتقادات ابن الخشاب لمقامات الحريري ، كان الكثير منها في الصميم ، أظهر بها جانبا مخفيا من عيوبها ، لم يتفطن له معظم أدباء عصره . وقد تنبه لذلك الأديب العماد الكاتب الأصفهاني (ت597ه/1200م) عندما أشار إلى نقائص أدب الحريري ، في صدد ترجمته للأديب أبي الفضل الحصكفي الشافعي (ت553 ه/1158م) ومقارنته بالمعري و الحريري ، فقال عنه : كان علامة الزمان في (( علمه ، معري العصر في نثره و نظمه ، بل فضل المعري بفضله وفهمه ، وبذّ - فاق ، وغلب -الحريري برقة طبعه ، وقوة سجعه ،وجودة شعره ، غزارة أدبه ، وانفراده بأسلوبه في الشعر ومذاهبه )) [70] . فهذه شهادة من أديب متضلع في اللغة والأدب ، تعني أن أدب الحريري - و منه مقاماته - كانت فيه نقائص كثيرة ، جعلت الحصكفي يتفوق عليه برقة الطبع ، وقوة السجع ، وغزارة الأدب ، وجودة الشعر .

و ثالثا : أن المقامات الجزرية [71] قد حازت خصائص المقامات الحريرية ، وفضلت عليها ، وعقدت لها عشرة مجالس لقراءتها برواق المدرسة المستنصرية ببغداد ، في سنة (676ه/1277م)، وقد سمعها مائة وستون عالما ، من كبار علماء العراق والشام ، وفارس وخراسان ، وبلاد المغرب ، وشهدوا لها بالفضل والتفوق على مقامات الحريري [72] .

و رابعا : أنه في العصر الحديث ألف الأديب ناصف اليازجي (ت 1871م/1288ه) مقامات سماها : مجمع البحرين ، حاكى فيها الحريري - في مقاماته - شكلا ومضمونا ، على الرغم ما بينهما من زمن طويل [73] . وقد حازت مقاماته الخصائص الحريرية [74] وتفوقت عليها في جوانب عديدة ، منها : إنها أكثر منها عددا [75] ، وأغزر من حيث وفرة الآيات القرآنية ، وأوفر نصيبا من الألغاز النثرية والألعاب البلاغية ، قلّد فيها الحريري ، وزاد عليه وأبدع فيها [76] ؛ مها : القلب - ما لا يستحيل بالانعكاس [77] - وهو عزيز الوجود في أشد الآثار الأدبية محافظة ، وفي أوغلها تكلفا وصناعة . استعمله اليازجي وتفوق فيه على الحريري ، وشق على نفسه حتى جادت قريحته بأربعة عشر بيتا ، كلها لا تستحيل بالانعكاس ، في حين لم يستطع الحريري أن يأتي من أكثر من خمسة أبيات ، وليست في جودة أبيات اليازجي الذي أبدى كذلك مهارة عالية في النحو- مجال تخصصه - وبذّ فيه الحريري [78] .

و خامسا : أن دراسات حديثة متخصصة بينت نقائص [79] كثيرة في مقامات الحريري ، منها : التكلف الظاهر في استعمال الغريب ، والإسراف فيه ، والإفراط اصطناع المجاز ، حتى جفت عباراتها وقل ماؤها ، وعسر مساغها [80] . وظهرت فيها - احيانا - برودة وغثاثة في طلب السجع والجناس [81] ، كما في : ( واستعنت بقاطبة الكتاب ، فكل منهم قطب و تاب )) ، فجرت قاطبة لأجل الجناس والسجع ، وهي لا تستعمل إلا منصوبة على الحال ، ووضع فعل تاب في غير موضعه ، فبدا نافرا متقلقلا [82] . وجاءت قصصها خالية من الأغراض متشابهة المواضيع محدودة الخيال ، وكثيرة الغموض والتعقيد ، لا يسلم مطالعها من السأم والضجر [83] .

ومنها أنه تبين من مقارنة مقامات الحريري بمقامات بديع الزمان الهمذاني ، أن البديع تفوق عليه في فن الإضحاك ، الحيل ، المدح ، والتشبيه ، السجع والجناس ، والاقتباس . كما أنه استطاع أن يجمع بين المضمون في أحيان كثيرة ، وجاءت أسجاعه حارة معبرة قوية تخدم المعاني ، ولم تكن باردة ولا ثقيلة ، ولا ركيكة . وأما الحريري فقد انشغل بالتزويقات اللفظية ، والصور الغريبة ، فجاءت أسجاعه أثقل موقعا ، وأغرب مخرجا ، وأضعف تعبيرا عن المعاني [84] . وأما تجنيساته فهي غير مقبولة في كثير من الأحيان ، لتعثر معاني ألفاظها ، وصدورها عن تكلف وعنت ، لا عن طبع ، حتى أنه استعمل كلمة الدّست [85] أربع مرات في موضع واحد من أجل التجنيس ، وهو شيء (( لا نظير له ركاكة وثقلا وبرودة في الأدب العربي ، وقد حمّل الجناس في هذه الفقرة ما لا يحتمل ، وجشمه - كلّفه - ما لا يطيق عليه )) ، لأنه لم يكن يأبه بركاكة أسلوبه ، إذا استقامت التجنيسات المتتالية [86] . كما أنه أغرق قي استعمال الغريب من الألفاظ ، فغربت معانيها واضطربت اضطرابا شديدا ، فهو وإن كان يقصد بذلك أن يرينا أنه قادر على أن يأتينا بما لم يأت به الأوائل ، فقد أخطأ وحرم التوفيق ، لأن (( عبقرية الأدباء لا تتفاوت في الإغراب والتعمية على الأفهام ، والتضليل على العقول ، ولكن عبقريتهم تتفاوت في القدرة على الإفهام ، وحسن التبيين ، وجودة التصوير ، وسهولة التعبير )) [87] .

ويستنتج مما ذكرناه عن نقد ابن الخشاب لمقامات الحريري ، أنه يعد رائد نقاد المقامات في عصره دون منازع ، لانتقاده العميق والموسع لمقامات الحريري ؛ وقد جاءت الدراسات المقامية الحديثة مكملة لعمله في إظهار نقائصها الكثيرة - شكلا وموضوعا - وتمزيقا للهالة التي أحيطت بها . كما أن ما قام به ابن الخشاب هو عمل انفرد به في المدرسة الحنبلية ، إذ لم أعثر على أي عالم حنبلي آخر تصدى لنقد المقامات الحريرية على طريقته ؛ على الرغم من أن النقد العلمي عند علماء الحنابلة قد شمل علوما كثيرة ، ومس مختلف طوائف العلماء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
* منقول عن الألوكــــــــــــــة :
http://majles.alukah.net/showthread.php?t=23855
* لم أنقل الحواشي لطولها ، و الرابط يعينكم فيها