المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث في النية: بين تلميذين


أبو طيبة محمد مبخوت
09-03-2009, 03:52 PM
قال أحدهما:
يجب التَّلفُّظ بالنية عند كل عبادة من صلاة وصوم وحج وغيرها، فيقول عند صلاة الظهر مثلاً: (نويتُ أن أصلِّيَ الظهر أربع ركعات لله ـ تعالى ـ مستقبل القبلة، مقتدياً بهذا الإمام) يجهر بذلك.
قال الآخر:
لا تفتقرُ العبادات إلى نطق باللسان، باتفاق أئمة المسلمين، بل النية محلُّها القلب دون اللسان في جميع العبادات: الطَّهارة والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ والعتق والجهاد، وغير ذلك باتفاق المسلمين؛ فلو نوى بقلبه صحَّت نيَّتهُ عند الأئمَّة الأربعة وسائر أئمَّة المسلمين الأوَّلين والآخرين، وليسَ في ذلك خلافٌ عند من يُقتدى به ويُفْتَى بقوله: لو تكلَّم بلسانه خلافَ ما نوى بقلبه كان الاعتبارُ بما نوى لا بما لفظ، ولو لفظ بلسانه بالنية ولم تحصل النية في قلبه لم يجز ذلك باتفاق أئمة المسلمين، فإنَّ لفظ النية من جنس لفظ القصد والعزم، تقول العرب: نواك الله بخير أي: قصدك الله بخير.
وقول النبَّيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات» أي: إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل أي: بحسب منويِّه «وإنَّما لكلِّ أمرئٍ ما نوى، فَمَنْ كانتْ هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كَان هِجْرَتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأة يتزوَّجُها فَهجرتُه إلى مَا هاجَرَ إليه»(1) مراده ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنيةِ النيةُ الَّتي في القَلبِ دون اللِّسان باتِّفاق أئمَّة المسلمين، وسببُ الحديث يدلُّ على ذلك، فإنَّ سببه أنَّ رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوَّج امرأةً يقال لها أمُّ قَيس، فسُمِّيَ مهاجر أمِّ قيس فخطب النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناسَ على المنبر وذكر هذا الحديث، فهذا كان نيَّتُه في قلبه.
والجهر بالنية لا يجبُ، بل ولا يُسَتحبُّ باتِّفاق المسلمين، ولم يقل أحدٌ من الأئمَّة الأربعة، ولا غيرُهم من السَّلف بأنَّ التلفظ بالنية واجبٌ لا في طهارة ولا في صلاة ولاحج، ولا أنَّه يجب على المصلِّي أن يقولَ بلسانه: أُصلِّي الظهر أو العصر، ولا يقول ـ إماماً ولا مأموماً، ولا فرضاً، ولانفلاً ولا أداء ولا قضاء ولا غير ذلك ـ بل يكفي أن تكون نيته في قلبه، والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد أن يفعله فلا بدَّ أن ينويه، بل النية تتبع العلم اتباعاً ضرورياً إذا كان يعلمُ ما يريد أن يفعله، فإذا كان يعلمُ أنه يريد أن يُصلِّي الظهر مثلاً، وقد علم أن تلك الصلاةَ صلاةُ الظهر امتنع أن يقصد غيرها، ولو اعتقد أنَّ الوقت باق فنوَى الصلاة في وقتها، فتبيَّن أنَّ الوقت قد خرج أجزأته صلاتُه باتفاق الأئمة، ولو تكلَّف أن يصلي ويتوضأ بغير نية لتعذر عليه ذلك، وإنَّما يتُصوَّر عدمُ النية إذا لم يعلم ما يريد، مثل من نسِي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتَّبرُّد أو من يريد أن يعلِّم غيره الوضوء ولم يرد أن يتوضأ لنفسه.
ومن عرف هذا تبيَّن له أنَّ النية مع العلم في غاية اليسر، لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال، وإنما تحصل الوسوسة للشخص من جهله بالشَّرع أو خَبَلٍ في العقل.
ولم يقل أحدٌ من أئمة المسلمين أنَّ صلاة اللافظ بالنية أفضل، ولا أنَّ صلاة الجاهل بها أفضل من صلاة المخافت، ولم يقل أحدٌ من المسلمين أنها تبطل صلاةُ من لم يجهر بها بل الجاهرُ بالنية مخالفٌ للشرع.
قال أحدهما:
مخالفٌ للشرع، تقول: مخالفٌ للشرع! وهؤلاء المصلون كلُّهم أو أكثرُهم يجهرون بها؟!
قال الآخر:
لم يكن النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول قبل التكبير شيئاً، ولم يكن يتلفظ بالنية لا في صلاة ولا حج ولا غيرهما من العبادات، ولا خلفاؤه الراشدون ولا التابعون ولا أمر النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـأحداً أن يتلفَّظ بالنية، بل قال لمن علَّمه الصلاة: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاة فَكَبِّرْ»(1) وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا قام إلى الصَّلاة كَبَّر كما ثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يفتتح الصَّلاة بالتَّكبير والقراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يتلفظ قبل التكبير بنية ولا غيرها، ولا علَّم ذلك أحداًَ من المسلمين، ولو كان ذلك واجباً أو مستحبَّاً لفعله ولعلَّمه المسلمين، بل قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصَّحابة كانوا يفتتحون الصَّلاة بالتكبير، ولم ينقل مسلمٌ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أحد من الصَّحابة ولا التابعين أنهم تلفظوا بالنية قبل التكبير لا جهراً ولا سراً، ولا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بذلك مع أنه من المعلوم أنَّ الهمَم والدَّواعي متوفِّرة لنقل ذلك لو كان، وأنه يمتنع على أهل التواتر عادةً وشرعاً كتمانُ نقل ذلك، فإذا لم ينقله أحدٌ عُلِمَ قطعاً أنَّه لم يكن، ولو كان مشروعاً لم يهمله النبَّيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، مع أنَّ الأمة مبتلاةٌ به كلَّ يوم وليلة، ولمَّا لم يكن فهو بدعةٌ مخالفٌ للشَّرع.
ومن جعل عملاً واجباً لم يوجبه الله ولا رسوله، أو مستحباً لم يستحبَّه الله ولا رسوله، فهو مبتدع مخالف للشرع، ومن شرع ديناً لم يأذن به الله فقد ضاهَى الجاهلية المخالفين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، ومن أوجبَ في الدِّين ما لم يوجبه الله ورسوله، وجب تعريفه ولم يَحِلَّ لأحدٍ أن يتكلَّمَ في الدِّين بلا علم، ولا يُعين من تكلَّم في الدين بلا علم أو أدخل في الدين ما ليس منه.
وقولك: هؤلاء المصلُّون أكثرهم يجهرون بها!
له سببٌ، ذلك أنَّ بعض المتأخِّرين خرج جهلاً من مذهب الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ لوجوب ذلك، وغَلَّطه جماهيرُ أئمة أصحاب الشافعي، وقالوا: إنَّما أوجب الشَّافعيُّ النُّطقَ في أول الصلاة بالتكبير لا بالنية، وكان غلطه أنَّ الشافعي ـ رضي الله عنه ـ قال: إنَّ الصَّلاة لا بدَّ من النطق في أوَّلها فظنَّ هذا الغالط أنَّ الشافعيَّ أراد النُّطق بالنّية، وإنما أراد النطقَ بالتكبير موافقاً لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفعله، ومشى على ذلك كثيرٌ من متأخِّري أصحاب الشَّافعيِّ وغيرهم ودَّرسوه، وتلقَّاه المصلون عنهم من غير نظر ولا استدلال، وهذا خطأ صريح مخالف لإجماع المسلمين ولما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام، عندَ من يعلم سنة رسول الله وسنة خلفائه والتابعين.
قال أحدهما:
قال علماؤنا: يجبُ التلفظُ بالنية ليطابق اللسانُ القلبَ.
قال الآخر:
لم يرد عن الشَّافعيِّ ولا أبي حنيفة ولا مالك ولا أحمد ولا أحد من التابعين ـ رضي الله عنهم ـ أنَّهم تلفَّظوا بالنية ولا أمروا بها.
وكثيراً ما يُوجد في كتب متأخِّري أصحاب أبي حنيفة والشَّافعيِّ ومالك وأحمد ـ رضي الله عنهم ـ ما ليسَ منصوصاً عنهم بل قد يكون المنصوص عنهم خلافَ ذلك.
وقد دلَّ الكتاب والسنة على عدم التلفظ بالنية، فهو مقتضى أصولهم وقواعدهم، قال الشافعي ـ رضي الله عنه ـ: إذا رأيت الحجةَ موضوعةً على الطريق فهي قولي، وأجمعوا على أنَّ من استبانت له سنةُ رسول آلله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فليسَ له أن يَدَعَها لقول أحدٍ كائناً من كان، ولو قُدِّر تقديراً جدلياً أنَّ الشافعيَّ ـ رضي الله عنه ـ أو غيرَه قال ذلك، فقد اتفقوا كلُّهم على أن ليس أحدٌ معصوماً في كلِّ ما يأمر به وينهى عنه إلا رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وقولك: ليطابق اللسان القلب، لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياسِ صحيح.
وقولُ بعض علمائكم نقابله بقول بعض العلماء: لا يجوز التلفظ بالنية، لأن ذلك بدعة، ولأنَّها تحصل مع العلم بالفعل ضرورةً فالتَّلفُّظ بها نوعُ هوس وعبث وهذيان، والنية تكون في قلب الإنسان ويعتقد أنها ليست في قلبه فيريد تحصيلها بلسانه، وتحصيلُ الحاصل مُحال فلذلك يقعُ كثيرٌ من الناس في أنواع من الوسواس.
ويبقى لنا أكبرُ برهان: الكتابُ والسُّنَّة والإجماع، والعقل الصَّحيح الموافق للنقل الصريح.
أمَّا الكتاب والسنة فلم يرد فيهما حرفٌ واحدٌ بوجوب التلفظ بالنية ولا استحْبَابِه وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:3] وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «تركتُكُم عَلَى البَيْضَاء، ليلِها كنهارها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هَالكٌ»(1) بل إنما ورد إخلاص الدِّين لله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:5] وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات»(2) وهذا الحديث أصلٌ من أصول الدين، بل هو أصل كلِّ عمل، فإنَّ العمل المجرَّدَ عن النية لا يُثاب عليه، فدلَّ الكتاب والسنة على أنَّ من عمل الأعمال الصَّالحة بغير إخلاص لم يُقبل منه ذلك، فلا بُدّ من النية في القلب بلا نزاع، وهل الأعمالُ الخالية من عمل القلب إلا بمنزلة حركات العابثين.
وأمَّا الإجماع، فأجمع العلماء على أنَّ النِّيَّة في القلب، حكاه غيرُ واحد من المحقِّقين، والنية هي القصد والإرادة، والقصد والإرادة محلها القلب باتفاق العقلاء.
وأما العقل فإنَّ التلفظَ بالنية بمنزلة من يُريد أكلَ الطعام، فيقول: أنوي بوضع يدي في هذا الإناء أنِّي آخذ لقمةً فأضعَهَا في فمي فأمضغَها ثم أبلعَها لأشبعَ، وأنوي بلبس هذا الثوب لأستتر، وأمثال ذلك من النيات الموجودة في القلب التي يُستقبح النطق بها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات:16] وهذا حُمقٌ وجهل وذلك أن النية تتبع العلم فمتى علم العبد ما يفعل كان قد نواه ضرورةً، فإنَّ علمَ الفاعل بما يفعلهُ وقصدُه له هو النية، والعاقل المختار لا يفعل فعلاً إلا مسبوقاً بتصوُّره وإرادته، وذلك حقيقةُ النّية فليست النية أمراً خارجاً عن تصوُّر الفاعل وقصده لما يريد أن يفعله، فبهذا يظهر عقلاً غلطُ من ظنَّ أنَّ للتلفّظ بالنية مدخلاً في تحصيل النية، فإنَّ القائلَ إذا قال: نويتُ أصلِّى الظُّهر، أو نويت أصوم هذا اليوم من رمضان، أو احج هذا البيت أو أطوف به ونحو ذلك، فإمَّا أن يكون مُخبراً أو منشئاً، فإن كان مخبراً فإمَّا أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره؟ وكلاهما عبث لا فائدة فيه، لأنَّ الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبَر ما لم يكن عارفاً به، وهذا محالٌ في إخباره لنفسه، وإن كان إخباره لغيره بالنية فهو أيضاً عبثٌ محض وغير مشروع ولا مفيد، وهو بمثابة إخباره له بسائر أعماله من صلاة وصوم وحج و إيمان وغير ذلك، وقد يكون في هذا الإخبار فائدةٌ، وأما إخبار المأمومين أو الإمام أو غيرهم بالنية فعبثٌ محض ولا يصحُّ أن يكون ذلك إنشاء، فإنَّ اللفظ لا يُنشئ وجودَ النية وإنما إنشاؤها إحضارُ حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدَّالِّ عليها، فظهر بهذا أنَّ التلفظ بالنية عبثٌ محض عقلاً وشرعاً.
فإذا قال المصلي: (نويتُ أن أصلِّي الظهر مثلاً، أربع ركعات لله ـ تعالى ـ مستقبلَ القبلة، مقتدياً بهذا الإمام) فهو مبتدعٌ مخالف للشَّرع والعقل، أو قال: (نويتُ أن احجَّ فرضي أو أعتمر لله ـ تعالى ـ)، فهو مبتدع أيضاً، وإنما يُفتتح الإحرامُ بالتلبية كما شرع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمسلمين أن يُلبُّوا في أول الحج، قال لضباعة بنت الزبير: «حجِّي واشْتَرطي فقولي: لبَّيك اللهمَّ لبَّيك، ومحلِّي حيثُ حَبَسْتني»(1) فأمرها أن تشترط بعد التلبية، ولم يقل: قولي: نويتُ أن احجّ، لم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئاً، لا أن يقول: اللهمّ إني أريد الحجَّ ولا أن يقول: فيسِّره لي وتقبَّل مني، ولا أن يقول: أحرمت لله، ولا غير ذلك من العبارات، بل جعلَ التلبيةَ في الحج كالتكبير في الصَّلاة، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول ما يقول: «لبَّيك اللهمَّ لبَّيك» ولم يكن يقول قبل الطوف: نويتُ أن أطوفَ بالبيت الحرام سبعة أشواط، طواف القدوم أو العمرة، ولايقف بين الرُّكنين اليمانيين للتلفظ بالنية، بل كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دخل المسجد بدأ بالطَّواف من الحجر الأسود يستقبله استقبالاً ويستلمه إن أمكن ويقبله، وإلا استلمه وقبَّل يده، وإلا أشار إليه ولايرجع القهقَرَى بعد أن يستلمه ويُقبله وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسكَكم» ولم يكن يستلم من الأركان إلا الرُّكنين اليمانيين دون الشاميين، فإنما استلمهما خاصةً لأنهما على قواعد إبراهيم ـ عليه السلام ـ والآخران هما في داخل البيت؛ فالركن الأسودُ يستلم ويُقبل، واليماني يُستلم ولا يقبل، والآخران لا يُستلمان ولا يقبلان، والاستلام هو مسحه باليد، وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها ومقابر الأنبياء والصَّالحين وغيرها وصخرة بيت المقدس، فلا تُستلم ولا تُقبل ولا يُتمسح بها باتّفاق أئمَّة المسلمين المتَّبعين للسنة.
وأما الملتَزَمُ وهو ما بين الركن والباب، فإن أحبَّ أن يأتيَه فيضعَ عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفَّيه ويدعو ويسأل الله ـ تعالى ـ حاجته فعل، ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت كان حسناً، ولا فرقَ أن يكون حالَ الوداع أو غيره، إلا أنه حالَ الوداع أوكد، وكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يفعلون ذلك حين يدخلون مكة.
وكلُّ ما يحدث في العبادات المشروعة من الزِّيادات التي لم يشرِّعها الله ولا رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، بل كان يُداومُ على تركها ففعلُها والمدوامةُ عليها بدعةٌ وضلالة، واعتقاد المعتقد أنَّ ذلك مشروع مستحبٌّ، فعله خيرٌ من تركه مع أنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يفعله البتة، حقيقته أنَّ ما فعله أكمل وأفضل مما فعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو فتنة وأيُّ فتنة: من أن تظنَّ في نفسك أنك خُصِّصت بفضل لم يفعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63] وفي الصحيحين: «مَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتي فليسَ مِنِّي»(1) أي: من ظنَّ أن غيرَ سنتي أفضلُ من سنتي فرغب عما سننتُه، معتقداً أنَّ ما رغب فيه أفضل مما رغب عنه فليس منِّي، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في خطبه: «إيَّاكُم ومُحْدَثَاتِ الأمُور، فإنَّ كلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ»(1)، «مَنْ أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهُو رَدٌّ»(2).
وأيضاً: المداومة على خلاف ما دوامَ عليه رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العبادات بدعةٌ باتفاق الأئمة، وإن ظنَّ الظَّانُّ أنَّ فيه زيادة خير، وكما أنَّ فعل ذلك بدعة فتركه سنة، وما نقلوا تركه فنوعان، وكلاهما تركُه سُنَّة:
أحدهما: تصريحهم بأنَّه ترك كذا، كقولهم في شهداء أحد: «ولم يُغَسِّلهُم ولَمْ يُصَلِّ عَلَيهم».
الثَّاني: عدمُ نقلهم لما لو فعله لتوفَّرت هممُهم على نقله، كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصَّلاة، وتركه الدُّعاء بعد الصلاة، مستقبلَ المأمومين وهم يؤمِّنون على دعائه، وتركه رفعَ يديه بعد رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وقوله: «اللّهمَّ اهدنَا فيمَن هَدَيْتَ»(3) يجهر بها والمأمومون كلَّهم: آمين، الذي من الممتنع أن يفعله ولا ينقله صغير ولا كبير، فتركه سنة.
قال أحدهما:
أنكرت التلفظَ، وزعمت أنه مشوِّش على المصلين، وأنتم تشوِّشون بالذكر بعد السلام.
قال الآخر:
لا سواء، تقدَّم لك أنَّ الجهر بالتلفظ والنية بدعة منهيٌّ عنه غير مشروع وأن السنة تركه باتفاق المسلمين، فالجاهر بها أيضاً مؤذ لغيره بما لم يشرع، وقد خرج النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أصحابه وهم يصلُّون فقال: «أيَّها الناس، كلُّكم يُناجي ربَّه، فلا يَجهَر بعضُكم على بَعض بالِقَراءة»، بل ومفوِّت لمتابعة إمامه في الغالب، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إنَّما جُعِل الإمَامُ لِيؤتَمَّ به فإذا كَبَّر فَكَبِّروا»(1) أو مفوِّت لقراءة الفاتحة بتكريره التلفُّظَ بها؛ وشارعٌ ديناً لم يأذن به الله فيجب أن يعرف، فإن لم ينته عوقب إلى أن يسعَه ما وسع رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:21].
وأمَّا نحن، فبحمد الله متَّبعون لما سنَّه رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته بعد السلام، فقد ثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه إذا سلَّم استغفر ثلاثاً، وقال: «اللَّهمَّ أنتَ السَّلام ومنكَ السَّلام، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ»(2) وكان يقول: «لَا إلَه إلا الله وحدَه لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، اللَّهمَّ لا مانعَ لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجَدُّ»(3) ويقول: «لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قَدير، ولا حولَ ولا قَّوةَ إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبُدُ إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصينَ له الدِّينَ ولوكره الكافرون»(4).
وثبت أنه كان يُهِلُّ بهِنَّ أي: يرفع صوته، وفي الصَّحيحين عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ رفع الصَّوت بالذكر كان على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا: كنَّا لا نعرفُ انقضاءَ صلاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا بذلك أي: جهرهم بالذِّكر بعد السَّلام، وورد التَّسبيحُ والتَّحميدُ والتَّكبيرُ ثلاثاً وثلاثين، وتمامُ المائة: «لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، له الملكُ وله الحمدُ وهُو عَلى كُلِّ شيءٍ قدير»(5) وغير ذلك من الأذكار المأثورة بعد السلام.
قال أحدهما:
أنتم مشبِّهة!
قال الآخر:
عقيدتُنا وديننا الذي نَدينُ الله به هو عقيدةُ أهل السُّنة والجماعة: نصفُ الله ـ تعالى ـ بما وصفَ به نفسَه ووصفه به رسولُه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وقد حضرت صلاةُ العصر فاستأنف النهار يا ابن جبير.
قال أحدهما:
أنتم تقولون: الجماعة واجبة، وفي الحديث أنها تفضل على صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين درجة.
قال الآخر:
نعم، نقول بوجوبها اتباعاً لدلالة الكتاب والسنة وأقوال الصَّحابة وجمهور السلف وفقهاء الحديث مع عدم العذر.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء:102] الآية فأمرهم بصلاة الجماعة في صلاة الخوف، وذلك دليلٌ على وجوبها حالَ الخوف، فدلَّ على جوبها حالَ الأمن بطريق الأولى، وسوَّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر، كاستدبار القبلة والعمل الكثير والتخلف عن متابعة الإمام، وغير ذلك مما يدل على أنها لو لم تكن واجبةً ما التزم لأجل الجماعة ما يُبطل الصلاة، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:43] وغيرها.
وأما السنة، فالأحاديث المستفيضة مثلُ حديث أبي هريرة المتفق على صحته: «لَقَد هَمَمْتُ أن آمرَ بالصَّلاة فتُقامَ، ثم أنطلقَ إلى قوم لا يَشْهدون الصَّلاة، فأُحَرِّق عَلَيهم بُيُوتهم بالنار»(1) وغيره بلفظ: «لَولا مَا في البُيوتِ من النِّساء والذُّرِّية» وفي الصحيح والسنن أنَّ أعمى استأذن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يُصلِّى في بيته، فأذن له فلما ولَّى دعاه فقال: «هَلْ تَسمَعُ النِّداء؟»(2) قال: نعم، قال: «فأجِبْ» فلهذا أوجبنا الجماعةَ على من سمع النداء.
وأما احتجاجكم بتفضيل صلاة الرَّجل في الجماعةِ على صلاته وحدَه، فعنه جوابان مبنيَّان على صحَّة صلاة المنفرد لغير عذر، فمن صحَّح صلاته قال: الجماعة واجبٌ، وليست شرطاً للصَّحة، والتفضيل لا يدلُّ على أنَّ المفضول جائز، ومن قال: لا تصِحُّ صلاته إلا لعذر احتجَّ بأدلة الوجوب، وفي السنن: «مَن سَمِع النِّداء وَلَم يُجِبْ، من غَير عُذر، فلا صلاةَ له»(3)، «لا صَلاةَ لجار المسجد إلَّا فِي المسْجد» (4)ولا يدخلُ حرفُ النَّفي على فعل شرعيٍّ إلا لترك واجب فيه، وأيضاً فتفضيل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الجماعَة على صلاة الفرد إنَّما دلَّ على فضل هذه الصَّلاة، وأما كون هذه تصحُّ حيث تصحُّ تلك أو لا تصح فالحديث لم يدل عليه بنفي ولا إثبات، ولا سيق الحديث لأجل بيان صحة الصلاة أو فسادها، بل وجوب الجماعة وسقوطها يُتلقَّى من أدلة أخرى، وقد دلَّ الكتاب والسُّنة على أنها واجبةٌ على الأعيان، ومع التنزل معك فإنَّ من قال إنَّها سنة مؤكَّدة، فإنه يَذمُّ من داوم على تركها حتَّى إنَّ من داوم على ترك السنن التي هي دون الجماعة سقطت عدالته عندهم ولا تقبل شهادته، فكيف بمن يداومُ على ترك الجماعة التي أجمعت الأمة على مشروعيتها، فإنه يؤمر بها باتفاق المسلمين ويلام على تركها، فلا يُمَكَّن من حكم ولا شهادة ولا فُتيا مع إصراره على ترك السنن الراتبة التي هي دون الجماعة، فكيف بالجماعة التي هي أعظم شعائر الإسلام؟
وفي صحيح مسلم وغيره، عن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «من سرَّه أن يلقى الله ـ عز وجل ـ غداً مسلماً، فليُصلِّ هذه الصَّلوات الخمس في المساجد حيث ينادَى بهنَّ، فإنَّ الله شرع لنبيه سنن الهدى، وإن هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى بهنَّ من سنن الهدى، وإنكم لو صلَّيتم في بيوتكم كما صلَّى هذا المتخلِّفُ في بيته لتركتم سنَّة نبيًّكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيُتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلوم النِّفاق، ولقد كانَ الرَّجل يؤتَى به يُهادَى بين الرَّجلين حتى يُقامَ في الصَّفِّ»، فأخبر عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه لم يكن يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق.
وهذا دليلٌ على استقرار وجوبها عند الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
واحفظ حديثاً عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «عَلَيكُم بسُنّتي وسنَّة الخُلفاء الرَّاشدين المهدييِّن مِن بَعدي، تَمسَّكُوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومُحدثات الأمور فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»(1).
جعلنا الله ممن كان هواه تبعاً لهداه، والسَّلام عليكم ورحمة الله، وصلَّـى الله على محمَّد.
عبدالرحمن بن قاسم
جريدة أم القرى
الجمعة 19 ربيع الثاني سنة 1357هـ