الشويعر
09-04-2009, 11:15 PM
لا يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا ولا يجزئ
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
فقد راج بين كثير من الناس إخراج زكاة الفطر نقودًا مما جعل الناس يسألون عن ذلك كثيرًا وليس لذلك مستند ولا أثارة من علم، سوى الرأي المحض الذي لا يدعمه دليل من كتاب ولا سنة ولا فهم سلف وعلى ذلك فإن إخراجها من النقود غير مجزئ
قال الإمام البخاري رحمه الله (1407)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ
وأخرجه مسلم رقم (1635)
وقال الإما البخاري رحمه الله رقم (1410)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ
وأخرجه مسلم رقم (1640)
قال الخرقي رحمه الله
مسألة رقم (1966) ومن أعطى القيمة لم تجزئه وتبعه ابن قدامة على ذلك في المغني تحت هذه المسألة.
وقال النووي رحمه الله ولم يجز عامة الفقهاء إخراج القيمة ا.هـ المراد من شرح مسلم تحت حديث (984)
وقال ابن ضويان رحمه الله ولا تجزئ إخراج القيمة في الزكاة مطلقا... لمجالفته النصوص ا.هـ باختصار من منار السبيل (1/203)
وقال العلامة بن باز رحمه الله.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
وبعد: فقد سألني كثير من الإخوان عن حكم دفع زكاة الفطر نقودًا
والجواب لا يخفى على كل مسلم له ادنى بصيرة أن أهم أركان دين الإسلام الحنيف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا الله وحده ومقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله أن لا يعبد الله سبحانه إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم وزكاة الفطر عبادة بإجماع المسلمين والعبادات الأصل فيها التوقيف فلا يجوز لأحد أن يتعبد بإى عبادة إلا بما ثبت عن المشرع الحكيم عليه صلوات الله وسلامه الذي قال عنه ربه تبارك وتعالى:{وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى}
وقال هو في ذلك (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد بين هو صلوات الله وسلامه عليه زكاة الفطر بما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن عبد الله ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ)
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه - كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب- وفي رواية -أو صاعًا من أقط - متفق على صحته فهذه سنة محمد صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر ومعلوم أن وقت هذا التشريع وهذا الإخراج يوجد بيد المسلمين وخاصة مجتمع المدينة الدينار والدرهم اللذان هما العملة السائدة آنذاك ولم يذكرهما صلوات الله وسلامه عليه في زكاة الفطر فلو كان شيء يجزئ في زكاة الفطر منهما لأبانه صلوات الله وسلامه عليه إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولو فعل ذلك لنقله أصحابه رضي الله عنهم وما ورد في زكاة السائمة من الجبران المعروف مشترط بعدم وجود ما يجب إخراجه وخاص بما ورد فيه كما سبق أن الأصل في العبادات التوقيف ولا نعلم أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرج النقود في زكاة الفطر وهم أعلم الناس بسنته صلى الله عليه وسلم وأحرص الناس على العمل بها ولو وقع منهم شيء في ذلك لنقل كما نقل غيره من أقوالهم وأفعالهم المتعلقة بالأمور الشرعية
وقد قال الله سبحانه : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وقال عزوجل {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسن رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنت تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك هو الفوز العظيم}
ومما ذكرنا يتضح لصاحب الحق أن إخراج النقود في زكاة الفطر لا يجوز ولا يجزء عمن أخرجه لكون مخالفًا لما ذكر من الأدلة الشرعية وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه والحذر من كل ما يخالف شرعه إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ا.هـ من مجموع فتاوى الشيخ رحمه الله (14/208-211)
وقال العلامة الوادعي رحمه الله
س (متى يجب إخراج زكاة الفطر وهل لها نصاب محدد وإلى متى تؤدى
الجواب أما زكاة الفطر فيجب أن تخرج قبل صلاة العيد فإذا أديتها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة وإذا لم تؤدها إلا بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات وهي صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من أقط أو صاع من شعير وإن لم توجد هذه الأصناف التي حسبت كما في حديث ابن عمر وأبي سعيد الخدري إذا لم توجد فمن غالب قوت البلد أما القيمة فلم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ا.هـ من إجابة السائل 125
قلت وقد كان رحمه الله يفتي أن القيمة لا تجزئ
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله
ولا تُجزِأُ إخراجُ قيمةِ الطعامِ لأنَّ ذلك خلافُ ما أَمَرَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم. وقد ثبتَ عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قالَ: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، وفي روايةٍ: «من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ»، رواه مسلم.
وأصلُه في الصحيحين ومعنى رَدٌّ مردودٌ. ولأنَّ إخراجَ القيمةِ مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا يخرجونَها صاعاً من طعامٍ، وقد قال النَبيُّ صلى الله عليه وسلّم: «عليكم بسُنَّتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ من بعْدِي»
ولأن زكاةَ الفطرِ عبادةٌ مفروضةٌ مِن جنسٍ مُعيَّن فلا يجزأُ إخراجها من غير الجنسِ المعيَّن كما لا يُجْزأُ إخراجها في غير الوقتِ المعيَّنِ. ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم عيَّنَها من أجناسٍ مختلفةٍ وأقْيامُها مختلَفةٌ غالباً. فلو كانت القيمةُ معتبرةً لكان الواجبُ صاعاً من جنسٍ وما يقابلُ قيمتَه من الأجناس الأخْرَى. ولأنَّ إخراج القيمةِ يُخْرِجُ الفطرةَ عن كَوْنِها شعيرةً ظاهرةً إلى كونها صدقةً خفيةً فإن إخراجَها صاعاً من طعامٍ يجعلُها ظاهرَةً بين المسلمينَ معلومةً للصغير والكبير يشاهدون كَيْلها وتوزِيعَها ويتعارفونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يُخْرِجها الإِنسانُ خفية بينه وبين الآخذ.
فتوى أبي عبد الرحمن
يحيى بن علي الحجوري - حفظه الله تعالى-
المصدر الإسلام العتيق
بسم الله الرحمن الرحيم
===
تذكير الأمة المحمدية بعدم جواز إخراج زكاة الفطر نقدية إعداد/ المستشار أحمد السيد
===
علي في كل عام ومع قرب انتهاء شهر رمضان المبارك وقيام الناس بإخراج زكاة الفطر
يكثر الحديث بين المسلمين حول قضية إخراج زكاة الفطر قيمة، وهل تجزئ أم لا؟
وسوف نتناول هذه المسألة بشيء من التفصيل فنقول وبالله التوفيق:
اتفق الأئمة مالك والشافعي وأحمد على وجوب إخراج زكاة الفطر عينًا ولا تجزئ القيمة في
الزكاة وهذا هو الرأي الراجح في المسألة وذلك للآتي:
1- أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى
والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة».
قالوا: إن الزكاة قربة وعبادة مفروضة من جنس متعين، فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس المتعين، كما لا يجزئ إخراجها في غير الوقت المعين.
2- إن إخراج القيمة مخالفٌ لعمل الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا يخرجونها صاعًا من طعام، وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي». وقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا نعطيها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا
من زبيب».
3- النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر القيمة ولو جازت لبينها فقد تدعو الحاجة إليها، وسكوته يدل على عدم جوازها إذ السكوت في مقام البيان يفيد الحظر.
4- القاعدة العامة أنه لا ينتقل إلى البدل إلا عند فقد المبدل عنه، وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان فهو باطل، فلو أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لتعطل العمل بالأجناس المنصوصة، فكان الفرع الذي هو القيمة سيعود على
الأصل الذي هو الطعام - بالإبطال فيبطل.
5- في الأخذ بهذا الرأي خروج من الخلاف، وقد استحب العلماء الخروج من الخلاف في المسائل المتنازع فيها.اعتراضات والرد عليها:اعترض البعض على هذا الرأي الراجح بعدة اعتراضات
مردود عليها، وهي:
أولاً: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اغنوهم - يعني المساكين - عن الطواف في هذا اليوم». [رواه سعيد بن منصور وضعفه الألباني في الإرواء 3/332].الرد عليه:
1- الحديث ضعيف من جهة.
2- أن دفع حاجة المساكين وسد خلتهم مقصود لكنه ليس هو كل المقصود، فقد قال الغزالي رحمه الله: «واجبات الشرع ثلاثة أقسام: قسم تعبد محض، كرمي الجمار والغرض منه إظهار عبودية العبد، وقسم المقصود منه حظ معقول، كقضاء دين
الآدميين، فيتأدى الواجب فيه بوصول الحق للدائن، وقسم قصد منه الأمران جميعًا. حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد، فإن ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين ولا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد، والزكاة من هذا القبيل.
ثانيًا: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما استخلف كتب له حين وجهه إلى البحرين كتابًا فيه: «ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده وعنده حقة فإنه تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين أو عشرين درهمًا». قالوا: لما جاز أخذ الشاة بدل تفاوت سن الواجب جاز أخذ العوض بدل الواجب.
الرد عليه: قال الشيخ عطية سالم رحمه الله: «ليس هذا دليلاً على
قبول القيمة في الزكاة بل جعل الفرق لعدم الحيف، ولم يخرج عن الأصل، وليس فيه أخذ القيمة مستقلة بل أخذ الموجود ثم جبر الناقص، فلو كانت القيمة بذاتها وحدها تجزئ لصرح بها صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز هذا العمل إلا عند افتقاد المطلوب،
والأصناف المطلوبة في زكاة الفطر إذا عدمت أمكن الانتقال إلى الموجود مما هو من جنسه لا إلى القيمة وهذا واضح».
ثالثًا: أخرج البخاري تعليقًا عن طاوس أن معاذًا رضي الله عنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض «ما عدا النقدين» ثياب خميص
[الصفيق من الثياب] أو لبيس [أي ملبوس] في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، قالوا: وذلك أن أهل اليمن كانوا مشهورين بصناعة الثياب ونسجها فدفعها أيسر عليهم، على حين كان أهل
المدينة في حاجة إليها، والمقصود دفع الحاجة ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر
المالية باختلاف صور الأموال.
الرد عليه: قال ابن حجر في الفتح: هذا التعليق
صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوسًا لم يسمع من معاذ فهو منقطع فلا يغتر بقول من
قال ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده، لأن ذلك لا يفيد الصحة إلا
إلى من علق عنه، وأما باقي السند فلا. اهـ.
رابعًا: قال الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة<< [التوبة: 103]. قالوا: هذا تنصيص على أن المأخوذ مال
والقيمة مال فأشبهت المنصوص عليه، وأما بيانه صلى الله عليه وسلم بأعيان معينة
فللتيسير لا لتقييد الواجب.
الرد عليه: بأن السنة تبين القرآن، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أجناس بعينها، فالقول بجواز القيمة مخالف للنص وخروج عن معنى التعبد.
خامسا: قاسوا زكاة الفطر على الجزية والتي يؤخذ فيها قدر الواجب
كما يؤخذ عينه.
الرد عليه: بأنه قياس مع الفارق لأن زكاة الفطر فيها جانب تعبد وارتباط بركن في الإسلام، أما الجزية فهي عقوبة على أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، فأيما أخذ منهم فهو واف بالغرض والزكاة عبادة وقربة لله تعالى وليست مجرد ضريبة مالية.
شبهات والرد عليها:
يقوم البعض بإثارة شبهات عدة على مسألة إخراج زكاة الفطر عينا حتى يقوم بإخراجها نقدا وهذه الشبهات تنحصر في
الآتي:
الشبهة الأولى: يرى البعض أن الفقراء محتاجون إلى الثياب في العيد، ومن ثم فهم يقومون بإخراج زكاة الفطر نقدا ليتمكن الفقراء من شراء ثياب العيد لهم ولأولادهم.
الرد عليها: أن كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا فقراء في أمس الحاجة للثياب وليس أدل على ذلك مما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال
رسول الله: «أو لكلكم ثوبان»؟ وما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أراد أن يتزوج بالمرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك». [صححه الألباني].ومع هذا الفقر المدقع (والذي لا يوجد مثله الآن حيث إن الفقير الآن يمتلك أكثر من ثوب]، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأصحابه اعطوهم نقودا بدلا من
الطعام ليشتروا بها الثياب للعيد؛ مع وجود النقود آنذاك، فدل ترك النبي صلى الله عليه وسلم للفعل «إخراجها نقدا» مع وجود المقتضي - وجود الفقراء والمحتاجين للثياب، ووجود المال مع المزكين- وانتفاء المانع، فلم يكن هناك ما
يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من إخراجها نقدا، على أن الترك سنة والسنة إخراجها عينا.
3- ونسأل أصحاب هذا القول ماذا سيفعل الفقراء في عيد الأضحى، وكيف سيحصلون على ثياب العيد؟ولو أنكم دفعتم ثمن الأضحية إلى الفقير - وهو ما لا يجوز شرعا - لاستطاع أن يشتري ثياب العيد [لارتفاع ثمن الأضحية] له
ولأولاده.
4- ثم نقول لهم: لماذا حجرتم واسعا؟ فللمزكي أن يصيب السنة بإخراج زكاة الفطر عينا ثم يتصدق على الفقير بالمال أو الثياب.
الشبهة الثانية: أن الفقير تجتمع عنده الزكوات الكثيرة فيضطر إلى بيعها والانتفاع بثمنها.
الرد عليها: أن الزكاة تخرج من غالب قوت أهل البلد مما يكال ويدخر مثل الأرز، ولا يوجد أحد يستغني عن القوت الغالب، وإذا كثر عنده فإنه يصلح لادخاره، ومن ثم لا يضطر إلى بيعه بثمن بخس، والنفوس إذا حازت رزقها اطمأنت.
فيجب علينا الامتثال لفعله صلى الله عليه وسلم بإخراجها عينا والتوقف عن إخراجها نقدا ولا سيما
بعدما بان لنا أن الاعتراضات والشبهات التي أثيرت مردود عليها ولا تقوى على
الوقوف أمام الصحيح من الدليل النقلي والعقلي .
إخراج زكاة الفطر نقداً لا تبرأ بها ذمة ولا تحدث بها طُهرة للصائم
أقوال أهل العلم في وجوب إخراج زكاة الفطر طعاماً مصنوعاً كان أوحباً، وأن القيمة لا تجزئ ولا تبرأ بها ذمة
الشبه التي يثيرها المجيزون لإخراج زكاة الفطر نقداً ودفعها
تنبيه
زكاة الفطر عبادة من العبادات، والأصل في العبادات أنها توقيفية لا تجوز الزيادة فيها ولا النقصان، ولا دخل للاستحسان والقياس فيها.
فرضت زكاة الفطر في رمضان في السنة الثانية من الهجرة قبل العيد.
حكمها أنها فرض.
الحكمة من مشروعيتها:
أنها طُهرة للصائم من الرفث ونحوه.
وطُعمة للمساكين.
وشكر لله عز وجل على تمام فريضة الصيام.
مقدارها: صاع من غالب قوت الناس، والصاع أربعة أمداد، وتساوي بالوزن تقريباً كيلوين ونصف.
دليلها: ما خرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر، أوصاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين".1
فهي تجب على المسلم ومن يعول من الزوجة، والوالدين، والأبناء، والمماليك.
ليس لها نصاب، فمن ملك ما زاد عن قوت نفسه ومن يعول في تلك الليلة فقد وجبت عليه.
متى تجب؟ تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، ويستمر وقتها إلى قبيل صلاة العيد، وأفضل وقتها من بعد صلاة صبح يوم العيد إلى الشروع في صلاة العيد، فمن كان موجوداً في تلك الساعة فقد وجبت عليه، ومن مات قبلها فلا زكاة عليه.
لا يجوز تقديمها من أول رمضان، لأنها عبادة، والعبادة لا تحل ولا تجزئ إلا إذا دخل وقتها، وجاز تقديمها اليوم واليومين قبل العيد لفعل الصحابة وإجماعهم، فقد روى البخاري في صحيحه2: "أن الصحابة كانوا يعطون قبل الفطر بيومين".
من لم يؤدها قبل صلاة العيد أداها قضاءاً بعد صلاة العيد، وأثم إن أخرها لغير عذر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".3
استحب بعض أهل العلم إخراجها عن الحمل في البطن، منهم الخليفة الراشد عثمان4 رضي الله عنه.
من لم يملك زكاة كل من يعول بدأ بنفسه، وثنى بزوجه، وثلث بأمه، وربَّع بأبيه إن كانا تحت كفالته، وخمَّس بولده الأكبر، وهكذا.
يجوز التوكيل فيها.
يجوز نقلها من بلد إلى آخر إن كانت حاجة فقرائه أشد.
المجاهدون في سبيل الله، والمرابطون، والمحاصرون من المسلمين أولى بالزكوات من غيرهم.
أقوال أهل العلم المقتدى بهم في وجوب إخراج زكاة الفطر طعاماً مصنوعاً كان أوحباً، وأن القيمة لا تجزئ ولا تبرأ بها ذمة
ذهب عامة أهل العلم المقتدى بهم سلفاً وخلفاً أن زكاة الفطر لا تخرج إلا من الطعام، حباً كان أم مصنوعاً، وأن القيمة لا تجزئ فيها ولا تبرأ بها ذمة المخرج لها.
هذا مذهب الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم من الأئمة المقتدى بهم، أمثال مالك، والشافعي، وأحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومن المشايخ المعاصرين الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ العثيمين، رحم الله الجميع، والشيخ الفوزان، وغيرهم كثير، وإليك بعض أقوالهم.
قال البراذعي في التهذيب5 تحت باب: "ما تخرج منه زكاة الفطر وما لا تخرج": (مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح، والشعير، والسَّلت، والذرة، والدخن، والأرز، والتمر، والأقِط6، صاعاً من كل صنف منها، ويخرج أهل كل بلد من جل عيشهم، إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزيهم.
ولا يجزئ في زكاة الفطر شيء من القطنية7، وإن أعطى من ذلك قيمة صاع من حنطة، أوشعير، أوتمر.
مالك: ولا يجزيه أن يخرج قيمتها دقيقاً أوسويقاً.
إلى أن قال: مالك: ولا يجزئ إخراج قيمتها عيناً ولا عرضاً).
قلت: من الحبوب "الرُّبع" يجزئ عن ثلاثة أفراد.
وقال النووي في المجموع شرح المهذب8: (لا تجزئ القيمة في الفطر عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، وابن المنذر، وقال أبوحنيفة يجوز، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وقال إسحاق وأبو ثور: لا تجزئ إلا عند الضرورة).
وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب الشريعة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يخرج من قوت بلده مثل الأرز وغيره، ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث، وهو رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء، وهو أصح الأقوال، فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء).9
وقال ابن القيم: (إن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعاً من تمر، أوصاعاً من شعير، أوصاعاً من زبيب، أوصاعاً من أقِط، وهذه كانت غالب أقواتهم في المدينة، فأما أهل بلد أومحلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم، كمن قوتهم الذرة، أوالأرز، أوالتين، أوغير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن، واللحم، والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائناً ما كان.
هذا قول أحمد وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خُلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم.
وعلى هذا فيجزي إخراج الدقيق10 وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز11 والطعام فإنه وإن كان أنفع للمساكين لقلة المؤنة والكلفة فيه فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه، وأنه يتأتى منه ما لا يتأتى من الخبز والطعام).12
وقال الشيخ الدكتور الفوزان: (وأما إخراج القيمة عن زكاة الفطر بأن يدفع بدلها دراهم، فهو خلاف السنة فلا يجزئ، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه إخراج القيمة في زكاة الفطر.
قال الإمام أحمد: "لا يعطي القيمة"، قيل له: قوم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة؟ قال: "يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان؟!"، وقد قال ابن عمر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً.." الحديث.
الشبه التي يثيرها المجيزون لإخراج زكاة الفطر نقداً ودفعها
الأولى
قياس أهل الرأي – أهل العراق – الزكاة وهي عبادة على الجزية التي تؤخذ من الكفار وهي ضريبة، فقد نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل الكتاب في اليمن: "ائتوني بخميص أولبيس أسهل عليكم، وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار".13
وهذا قياس مع الفارق الكبير، والقياس كالميتة لا ينبغي أن يصار إليه إلا في حال عدم وجود الدليل، أما مع وجود الدليل فلا يحل القياس أبداً.
الثانية
ترخص بعض أهل العلم في ذلك، ومعلوم من دين الله النهي عن تتبع رخص العلماء وزلاتهم، ولهذا غضب الإمام أحمد على من قـابل مـا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بترخص عمر بن عبد العزيز.
الثالثة
سهولة إخراج النقد على الطعام.
الرابعة
حاجة الفقير إلى المال أكثر من حاجته إلى الطعام.
وهاتان الشبهتان لا علاقة لهما البتة بموضع النزاع، فالسهولة وحاجة الفقير للمال لا علاقة لهما بأداء عبادة من العبادات، ورفع هاتان الشبهتان من باب الحيدة وعوز الدليل.
فالمسلم مطالب أن يتعبد ربه بما أوجبه عليه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإن أراد أن يعين الفقير فله أن يعينه بما شاء سوى إبطال عبادته أوالإخلال بها.
الخامسة
اعتقاد البعض أنه يجوز له أن يتبع من اختلاف العلماء ما شاء بالتشهي، ولو كان مناقضاً وراداً للدليل الصحيح الصريح، ومعلوم أن الخلاف العاري من الدليل لا حجة فيه لأحد.
السادسة
دعوى تحقيق مقاصد الشرع، ومعلوم كذلك أن مقاصد الشريعة لا تقوم على أنقاض الشريعة ورد السنة الصحيحة الصريحة، فنكون لا للشريعة أقمنا، ولا لمقاصدها حققنا، ولا لصيامنا طهرنا، ولا لسنة نبينا اتبعنا.
السابعة
اعتقاد البعض أن الشيء إذا استهواه عدد كبير من المنتسبين للعلم بغض النظر عن أدلتهم وحججهم ينبغي أن يتبع، وهذا من تأثر البعض بالنظام الديمقراطي اللاديني البغيض، فالكثرة والقلة المجردة من اتباع الدليل لا قيمة لها، والجماعة ما وافق الحق ولو كان واحداً، فاعرف الحق تعرف أهله، فالحق لا يعرف بالرجال ولا بكثرتهم، ولا بالهيئات الرسمية، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية.
الثامنة
نتيجة لهذه الشبه كما يقولون: "رمتني بدائها وانسلت"، فبدلاً أن يُعاب ويثرب على التاركين للسنة الصحيحة، المتبعين لبعض الزلات والهفوات، يُثرب على الملتزمين بالسنة المتمسكين بها، مما يدل على غربة الدين في هذه الأعصار، وانقلاب الموازين، حيث صُوِّر المتمسك بالسنة بأنه متشدد وغالٍ، وتجاهلوا أن هذا الانتقاص يطول الصحابة، والسلف، والأئمة الأخيار، حيث أنا لا نعدو أن نكون متبعين لهم.
التاسعة
لا يفوتني أن أحذر إخواني من أهل العلم من منافقة المجتمع، ومن مجاراته على ما يهوى، فإنها من الطوام العظام، وهي أخطر بكثير من منافقة الحكام.
العاشرة
التقليد الأعمى، حيث لم يكن المسلمون يخرجون زكاة الفطر إلا من الطعام الحب وغيره في السودان وغيره، ولكن عندما نبتت نابتة استسهلت إخراجها نقداً قلدت، وترك الناس ما كانوا عليه من اتباع سنة نبيهم والاقتداء بسلفهم وأئمتهم.
وعليه فإنه لا يحل إخراج زكاة الفطر نقداً لمخالفة ذلك للنص الصحيح الصريح، ولإجماع الصحابة ومن سار على طريقهم، وأن من أخرجها نقداً لا تبرأ بذلك ذمته، ولا يطهر صيامه.
تنبيه
لا ينبغي لأحد أن يجمع نقداً من الناس في زكاة الفطر وفي الإطعام، اللهم إلا أن يكون عازماً على شراء الطعام حباً أومصنوعاً وتوزيعه على الفقراء نيابة عنهم.
ومن عزم على ذلك يؤجر، وعليه أن يتأكد من وصول هذا الطعام إلى مستحقيه في الوقت الذي حدده الشارع لا قبله ولا بعده، وإلا يكون آثماً مفرطاً غير مأمون على الوكالة.
وعلى المسلم أن لا يوكل إلا من يثق بعلمه وحرصه على السنة.
والله أسأل أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يوفقنا للاتباع، ويجنبنا التقليد، والهوى، والابتداع.
ووأخيرا عندي رد واحد أعتقد أنه سيكيفي كل طالب حق ليس متعصبا لأشخاص علموا أم جهلوا وهذا الرد هو :
اسأل العلماء كلهم بل والجهلاء مدعي العلم معهم , اسأل الكل هذين السؤالين :
السؤال الأول : رجل أخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ( أرز أو تمر أو بر أو شعير أو أقط ) هل يجزئه ذلك ويكون قد أدى زكاته أداء صحيحا يرضي الله عز وجل ؟
ولا شك أن جواب العلماء : أن ذلك يجزئه , وكذلك سيجيب المتعالمون ومن تعصب لهما بأنه يجزئه .
والسؤال الثاني :رجل أخرج زكاة الفطر نقودا هل يجزئه ذلك ويكون قد أدى زكاته أداء صحيحا يرضي الله عز وجل ؟
وهنا سيختلف الجواب : الجمهور على أنه لا يجزئه ولا يكون قد أدى زكاة فطره , وبعض العلماء يقول : يجزئه.
فأي عاقل يترك ما اتفقت عليه الأمة بعلمائها وعوامها ويأخذ بما اختلفوا فيه , كيف يختار العاقل أن يجعل عبادته مختلفا في صحتها وهو قادر على أن تكون صحيحة بالإجماع ؟ كيف يترك الإجماع والاتفاق إلى التفرق والاختلاف ؟فكيف بمن يجعل ذلك الخلاف هو الأفضل والأولى إن هذا لبديع من القياس والرأي.
وصدق الله العظيم ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ).
جمعه محمد بن عيد الشعباني .
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
فقد راج بين كثير من الناس إخراج زكاة الفطر نقودًا مما جعل الناس يسألون عن ذلك كثيرًا وليس لذلك مستند ولا أثارة من علم، سوى الرأي المحض الذي لا يدعمه دليل من كتاب ولا سنة ولا فهم سلف وعلى ذلك فإن إخراجها من النقود غير مجزئ
قال الإمام البخاري رحمه الله (1407)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ
وأخرجه مسلم رقم (1635)
وقال الإما البخاري رحمه الله رقم (1410)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ
وأخرجه مسلم رقم (1640)
قال الخرقي رحمه الله
مسألة رقم (1966) ومن أعطى القيمة لم تجزئه وتبعه ابن قدامة على ذلك في المغني تحت هذه المسألة.
وقال النووي رحمه الله ولم يجز عامة الفقهاء إخراج القيمة ا.هـ المراد من شرح مسلم تحت حديث (984)
وقال ابن ضويان رحمه الله ولا تجزئ إخراج القيمة في الزكاة مطلقا... لمجالفته النصوص ا.هـ باختصار من منار السبيل (1/203)
وقال العلامة بن باز رحمه الله.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
وبعد: فقد سألني كثير من الإخوان عن حكم دفع زكاة الفطر نقودًا
والجواب لا يخفى على كل مسلم له ادنى بصيرة أن أهم أركان دين الإسلام الحنيف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا الله وحده ومقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله أن لا يعبد الله سبحانه إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم وزكاة الفطر عبادة بإجماع المسلمين والعبادات الأصل فيها التوقيف فلا يجوز لأحد أن يتعبد بإى عبادة إلا بما ثبت عن المشرع الحكيم عليه صلوات الله وسلامه الذي قال عنه ربه تبارك وتعالى:{وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى}
وقال هو في ذلك (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وقد بين هو صلوات الله وسلامه عليه زكاة الفطر بما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن عبد الله ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ)
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه - كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب- وفي رواية -أو صاعًا من أقط - متفق على صحته فهذه سنة محمد صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر ومعلوم أن وقت هذا التشريع وهذا الإخراج يوجد بيد المسلمين وخاصة مجتمع المدينة الدينار والدرهم اللذان هما العملة السائدة آنذاك ولم يذكرهما صلوات الله وسلامه عليه في زكاة الفطر فلو كان شيء يجزئ في زكاة الفطر منهما لأبانه صلوات الله وسلامه عليه إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولو فعل ذلك لنقله أصحابه رضي الله عنهم وما ورد في زكاة السائمة من الجبران المعروف مشترط بعدم وجود ما يجب إخراجه وخاص بما ورد فيه كما سبق أن الأصل في العبادات التوقيف ولا نعلم أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخرج النقود في زكاة الفطر وهم أعلم الناس بسنته صلى الله عليه وسلم وأحرص الناس على العمل بها ولو وقع منهم شيء في ذلك لنقل كما نقل غيره من أقوالهم وأفعالهم المتعلقة بالأمور الشرعية
وقد قال الله سبحانه : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وقال عزوجل {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسن رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنت تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك هو الفوز العظيم}
ومما ذكرنا يتضح لصاحب الحق أن إخراج النقود في زكاة الفطر لا يجوز ولا يجزء عمن أخرجه لكون مخالفًا لما ذكر من الأدلة الشرعية وأسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه والحذر من كل ما يخالف شرعه إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ا.هـ من مجموع فتاوى الشيخ رحمه الله (14/208-211)
وقال العلامة الوادعي رحمه الله
س (متى يجب إخراج زكاة الفطر وهل لها نصاب محدد وإلى متى تؤدى
الجواب أما زكاة الفطر فيجب أن تخرج قبل صلاة العيد فإذا أديتها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة وإذا لم تؤدها إلا بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات وهي صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من أقط أو صاع من شعير وإن لم توجد هذه الأصناف التي حسبت كما في حديث ابن عمر وأبي سعيد الخدري إذا لم توجد فمن غالب قوت البلد أما القيمة فلم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ا.هـ من إجابة السائل 125
قلت وقد كان رحمه الله يفتي أن القيمة لا تجزئ
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله
ولا تُجزِأُ إخراجُ قيمةِ الطعامِ لأنَّ ذلك خلافُ ما أَمَرَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم. وقد ثبتَ عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قالَ: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، وفي روايةٍ: «من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ»، رواه مسلم.
وأصلُه في الصحيحين ومعنى رَدٌّ مردودٌ. ولأنَّ إخراجَ القيمةِ مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا يخرجونَها صاعاً من طعامٍ، وقد قال النَبيُّ صلى الله عليه وسلّم: «عليكم بسُنَّتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ من بعْدِي»
ولأن زكاةَ الفطرِ عبادةٌ مفروضةٌ مِن جنسٍ مُعيَّن فلا يجزأُ إخراجها من غير الجنسِ المعيَّن كما لا يُجْزأُ إخراجها في غير الوقتِ المعيَّنِ. ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم عيَّنَها من أجناسٍ مختلفةٍ وأقْيامُها مختلَفةٌ غالباً. فلو كانت القيمةُ معتبرةً لكان الواجبُ صاعاً من جنسٍ وما يقابلُ قيمتَه من الأجناس الأخْرَى. ولأنَّ إخراج القيمةِ يُخْرِجُ الفطرةَ عن كَوْنِها شعيرةً ظاهرةً إلى كونها صدقةً خفيةً فإن إخراجَها صاعاً من طعامٍ يجعلُها ظاهرَةً بين المسلمينَ معلومةً للصغير والكبير يشاهدون كَيْلها وتوزِيعَها ويتعارفونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يُخْرِجها الإِنسانُ خفية بينه وبين الآخذ.
فتوى أبي عبد الرحمن
يحيى بن علي الحجوري - حفظه الله تعالى-
المصدر الإسلام العتيق
بسم الله الرحمن الرحيم
===
تذكير الأمة المحمدية بعدم جواز إخراج زكاة الفطر نقدية إعداد/ المستشار أحمد السيد
===
علي في كل عام ومع قرب انتهاء شهر رمضان المبارك وقيام الناس بإخراج زكاة الفطر
يكثر الحديث بين المسلمين حول قضية إخراج زكاة الفطر قيمة، وهل تجزئ أم لا؟
وسوف نتناول هذه المسألة بشيء من التفصيل فنقول وبالله التوفيق:
اتفق الأئمة مالك والشافعي وأحمد على وجوب إخراج زكاة الفطر عينًا ولا تجزئ القيمة في
الزكاة وهذا هو الرأي الراجح في المسألة وذلك للآتي:
1- أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى
والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة».
قالوا: إن الزكاة قربة وعبادة مفروضة من جنس متعين، فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس المتعين، كما لا يجزئ إخراجها في غير الوقت المعين.
2- إن إخراج القيمة مخالفٌ لعمل الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا يخرجونها صاعًا من طعام، وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي». وقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا نعطيها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا
من زبيب».
3- النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر القيمة ولو جازت لبينها فقد تدعو الحاجة إليها، وسكوته يدل على عدم جوازها إذ السكوت في مقام البيان يفيد الحظر.
4- القاعدة العامة أنه لا ينتقل إلى البدل إلا عند فقد المبدل عنه، وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان فهو باطل، فلو أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لتعطل العمل بالأجناس المنصوصة، فكان الفرع الذي هو القيمة سيعود على
الأصل الذي هو الطعام - بالإبطال فيبطل.
5- في الأخذ بهذا الرأي خروج من الخلاف، وقد استحب العلماء الخروج من الخلاف في المسائل المتنازع فيها.اعتراضات والرد عليها:اعترض البعض على هذا الرأي الراجح بعدة اعتراضات
مردود عليها، وهي:
أولاً: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اغنوهم - يعني المساكين - عن الطواف في هذا اليوم». [رواه سعيد بن منصور وضعفه الألباني في الإرواء 3/332].الرد عليه:
1- الحديث ضعيف من جهة.
2- أن دفع حاجة المساكين وسد خلتهم مقصود لكنه ليس هو كل المقصود، فقد قال الغزالي رحمه الله: «واجبات الشرع ثلاثة أقسام: قسم تعبد محض، كرمي الجمار والغرض منه إظهار عبودية العبد، وقسم المقصود منه حظ معقول، كقضاء دين
الآدميين، فيتأدى الواجب فيه بوصول الحق للدائن، وقسم قصد منه الأمران جميعًا. حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد، فإن ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين ولا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد، والزكاة من هذا القبيل.
ثانيًا: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما استخلف كتب له حين وجهه إلى البحرين كتابًا فيه: «ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده وعنده حقة فإنه تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين أو عشرين درهمًا». قالوا: لما جاز أخذ الشاة بدل تفاوت سن الواجب جاز أخذ العوض بدل الواجب.
الرد عليه: قال الشيخ عطية سالم رحمه الله: «ليس هذا دليلاً على
قبول القيمة في الزكاة بل جعل الفرق لعدم الحيف، ولم يخرج عن الأصل، وليس فيه أخذ القيمة مستقلة بل أخذ الموجود ثم جبر الناقص، فلو كانت القيمة بذاتها وحدها تجزئ لصرح بها صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز هذا العمل إلا عند افتقاد المطلوب،
والأصناف المطلوبة في زكاة الفطر إذا عدمت أمكن الانتقال إلى الموجود مما هو من جنسه لا إلى القيمة وهذا واضح».
ثالثًا: أخرج البخاري تعليقًا عن طاوس أن معاذًا رضي الله عنه قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض «ما عدا النقدين» ثياب خميص
[الصفيق من الثياب] أو لبيس [أي ملبوس] في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، قالوا: وذلك أن أهل اليمن كانوا مشهورين بصناعة الثياب ونسجها فدفعها أيسر عليهم، على حين كان أهل
المدينة في حاجة إليها، والمقصود دفع الحاجة ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر
المالية باختلاف صور الأموال.
الرد عليه: قال ابن حجر في الفتح: هذا التعليق
صحيح الإسناد إلى طاوس لكن طاوسًا لم يسمع من معاذ فهو منقطع فلا يغتر بقول من
قال ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده، لأن ذلك لا يفيد الصحة إلا
إلى من علق عنه، وأما باقي السند فلا. اهـ.
رابعًا: قال الله تعالى: خذ من أموالهم صدقة<< [التوبة: 103]. قالوا: هذا تنصيص على أن المأخوذ مال
والقيمة مال فأشبهت المنصوص عليه، وأما بيانه صلى الله عليه وسلم بأعيان معينة
فللتيسير لا لتقييد الواجب.
الرد عليه: بأن السنة تبين القرآن، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أجناس بعينها، فالقول بجواز القيمة مخالف للنص وخروج عن معنى التعبد.
خامسا: قاسوا زكاة الفطر على الجزية والتي يؤخذ فيها قدر الواجب
كما يؤخذ عينه.
الرد عليه: بأنه قياس مع الفارق لأن زكاة الفطر فيها جانب تعبد وارتباط بركن في الإسلام، أما الجزية فهي عقوبة على أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، فأيما أخذ منهم فهو واف بالغرض والزكاة عبادة وقربة لله تعالى وليست مجرد ضريبة مالية.
شبهات والرد عليها:
يقوم البعض بإثارة شبهات عدة على مسألة إخراج زكاة الفطر عينا حتى يقوم بإخراجها نقدا وهذه الشبهات تنحصر في
الآتي:
الشبهة الأولى: يرى البعض أن الفقراء محتاجون إلى الثياب في العيد، ومن ثم فهم يقومون بإخراج زكاة الفطر نقدا ليتمكن الفقراء من شراء ثياب العيد لهم ولأولادهم.
الرد عليها: أن كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا فقراء في أمس الحاجة للثياب وليس أدل على ذلك مما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال
رسول الله: «أو لكلكم ثوبان»؟ وما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أراد أن يتزوج بالمرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل عندك من شيء تصدقها؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك». [صححه الألباني].ومع هذا الفقر المدقع (والذي لا يوجد مثله الآن حيث إن الفقير الآن يمتلك أكثر من ثوب]، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأصحابه اعطوهم نقودا بدلا من
الطعام ليشتروا بها الثياب للعيد؛ مع وجود النقود آنذاك، فدل ترك النبي صلى الله عليه وسلم للفعل «إخراجها نقدا» مع وجود المقتضي - وجود الفقراء والمحتاجين للثياب، ووجود المال مع المزكين- وانتفاء المانع، فلم يكن هناك ما
يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من إخراجها نقدا، على أن الترك سنة والسنة إخراجها عينا.
3- ونسأل أصحاب هذا القول ماذا سيفعل الفقراء في عيد الأضحى، وكيف سيحصلون على ثياب العيد؟ولو أنكم دفعتم ثمن الأضحية إلى الفقير - وهو ما لا يجوز شرعا - لاستطاع أن يشتري ثياب العيد [لارتفاع ثمن الأضحية] له
ولأولاده.
4- ثم نقول لهم: لماذا حجرتم واسعا؟ فللمزكي أن يصيب السنة بإخراج زكاة الفطر عينا ثم يتصدق على الفقير بالمال أو الثياب.
الشبهة الثانية: أن الفقير تجتمع عنده الزكوات الكثيرة فيضطر إلى بيعها والانتفاع بثمنها.
الرد عليها: أن الزكاة تخرج من غالب قوت أهل البلد مما يكال ويدخر مثل الأرز، ولا يوجد أحد يستغني عن القوت الغالب، وإذا كثر عنده فإنه يصلح لادخاره، ومن ثم لا يضطر إلى بيعه بثمن بخس، والنفوس إذا حازت رزقها اطمأنت.
فيجب علينا الامتثال لفعله صلى الله عليه وسلم بإخراجها عينا والتوقف عن إخراجها نقدا ولا سيما
بعدما بان لنا أن الاعتراضات والشبهات التي أثيرت مردود عليها ولا تقوى على
الوقوف أمام الصحيح من الدليل النقلي والعقلي .
إخراج زكاة الفطر نقداً لا تبرأ بها ذمة ولا تحدث بها طُهرة للصائم
أقوال أهل العلم في وجوب إخراج زكاة الفطر طعاماً مصنوعاً كان أوحباً، وأن القيمة لا تجزئ ولا تبرأ بها ذمة
الشبه التي يثيرها المجيزون لإخراج زكاة الفطر نقداً ودفعها
تنبيه
زكاة الفطر عبادة من العبادات، والأصل في العبادات أنها توقيفية لا تجوز الزيادة فيها ولا النقصان، ولا دخل للاستحسان والقياس فيها.
فرضت زكاة الفطر في رمضان في السنة الثانية من الهجرة قبل العيد.
حكمها أنها فرض.
الحكمة من مشروعيتها:
أنها طُهرة للصائم من الرفث ونحوه.
وطُعمة للمساكين.
وشكر لله عز وجل على تمام فريضة الصيام.
مقدارها: صاع من غالب قوت الناس، والصاع أربعة أمداد، وتساوي بالوزن تقريباً كيلوين ونصف.
دليلها: ما خرجه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر، أوصاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين".1
فهي تجب على المسلم ومن يعول من الزوجة، والوالدين، والأبناء، والمماليك.
ليس لها نصاب، فمن ملك ما زاد عن قوت نفسه ومن يعول في تلك الليلة فقد وجبت عليه.
متى تجب؟ تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، ويستمر وقتها إلى قبيل صلاة العيد، وأفضل وقتها من بعد صلاة صبح يوم العيد إلى الشروع في صلاة العيد، فمن كان موجوداً في تلك الساعة فقد وجبت عليه، ومن مات قبلها فلا زكاة عليه.
لا يجوز تقديمها من أول رمضان، لأنها عبادة، والعبادة لا تحل ولا تجزئ إلا إذا دخل وقتها، وجاز تقديمها اليوم واليومين قبل العيد لفعل الصحابة وإجماعهم، فقد روى البخاري في صحيحه2: "أن الصحابة كانوا يعطون قبل الفطر بيومين".
من لم يؤدها قبل صلاة العيد أداها قضاءاً بعد صلاة العيد، وأثم إن أخرها لغير عذر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".3
استحب بعض أهل العلم إخراجها عن الحمل في البطن، منهم الخليفة الراشد عثمان4 رضي الله عنه.
من لم يملك زكاة كل من يعول بدأ بنفسه، وثنى بزوجه، وثلث بأمه، وربَّع بأبيه إن كانا تحت كفالته، وخمَّس بولده الأكبر، وهكذا.
يجوز التوكيل فيها.
يجوز نقلها من بلد إلى آخر إن كانت حاجة فقرائه أشد.
المجاهدون في سبيل الله، والمرابطون، والمحاصرون من المسلمين أولى بالزكوات من غيرهم.
أقوال أهل العلم المقتدى بهم في وجوب إخراج زكاة الفطر طعاماً مصنوعاً كان أوحباً، وأن القيمة لا تجزئ ولا تبرأ بها ذمة
ذهب عامة أهل العلم المقتدى بهم سلفاً وخلفاً أن زكاة الفطر لا تخرج إلا من الطعام، حباً كان أم مصنوعاً، وأن القيمة لا تجزئ فيها ولا تبرأ بها ذمة المخرج لها.
هذا مذهب الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم من الأئمة المقتدى بهم، أمثال مالك، والشافعي، وأحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومن المشايخ المعاصرين الشيخ عبد العزيز ابن باز، والشيخ العثيمين، رحم الله الجميع، والشيخ الفوزان، وغيرهم كثير، وإليك بعض أقوالهم.
قال البراذعي في التهذيب5 تحت باب: "ما تخرج منه زكاة الفطر وما لا تخرج": (مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح، والشعير، والسَّلت، والذرة، والدخن، والأرز، والتمر، والأقِط6، صاعاً من كل صنف منها، ويخرج أهل كل بلد من جل عيشهم، إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزيهم.
ولا يجزئ في زكاة الفطر شيء من القطنية7، وإن أعطى من ذلك قيمة صاع من حنطة، أوشعير، أوتمر.
مالك: ولا يجزيه أن يخرج قيمتها دقيقاً أوسويقاً.
إلى أن قال: مالك: ولا يجزئ إخراج قيمتها عيناً ولا عرضاً).
قلت: من الحبوب "الرُّبع" يجزئ عن ثلاثة أفراد.
وقال النووي في المجموع شرح المهذب8: (لا تجزئ القيمة في الفطر عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، وابن المنذر، وقال أبوحنيفة يجوز، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وقال إسحاق وأبو ثور: لا تجزئ إلا عند الضرورة).
وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب الشريعة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يخرج من قوت بلده مثل الأرز وغيره، ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث، وهو رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء، وهو أصح الأقوال، فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء).9
وقال ابن القيم: (إن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعاً من تمر، أوصاعاً من شعير، أوصاعاً من زبيب، أوصاعاً من أقِط، وهذه كانت غالب أقواتهم في المدينة، فأما أهل بلد أومحلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم، كمن قوتهم الذرة، أوالأرز، أوالتين، أوغير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن، واللحم، والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائناً ما كان.
هذا قول أحمد وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سد خُلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم.
وعلى هذا فيجزي إخراج الدقيق10 وإن لم يصح فيه الحديث، وأما إخراج الخبز11 والطعام فإنه وإن كان أنفع للمساكين لقلة المؤنة والكلفة فيه فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه، وأنه يتأتى منه ما لا يتأتى من الخبز والطعام).12
وقال الشيخ الدكتور الفوزان: (وأما إخراج القيمة عن زكاة الفطر بأن يدفع بدلها دراهم، فهو خلاف السنة فلا يجزئ، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه إخراج القيمة في زكاة الفطر.
قال الإمام أحمد: "لا يعطي القيمة"، قيل له: قوم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة؟ قال: "يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان؟!"، وقد قال ابن عمر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً.." الحديث.
الشبه التي يثيرها المجيزون لإخراج زكاة الفطر نقداً ودفعها
الأولى
قياس أهل الرأي – أهل العراق – الزكاة وهي عبادة على الجزية التي تؤخذ من الكفار وهي ضريبة، فقد نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل الكتاب في اليمن: "ائتوني بخميص أولبيس أسهل عليكم، وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار".13
وهذا قياس مع الفارق الكبير، والقياس كالميتة لا ينبغي أن يصار إليه إلا في حال عدم وجود الدليل، أما مع وجود الدليل فلا يحل القياس أبداً.
الثانية
ترخص بعض أهل العلم في ذلك، ومعلوم من دين الله النهي عن تتبع رخص العلماء وزلاتهم، ولهذا غضب الإمام أحمد على من قـابل مـا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بترخص عمر بن عبد العزيز.
الثالثة
سهولة إخراج النقد على الطعام.
الرابعة
حاجة الفقير إلى المال أكثر من حاجته إلى الطعام.
وهاتان الشبهتان لا علاقة لهما البتة بموضع النزاع، فالسهولة وحاجة الفقير للمال لا علاقة لهما بأداء عبادة من العبادات، ورفع هاتان الشبهتان من باب الحيدة وعوز الدليل.
فالمسلم مطالب أن يتعبد ربه بما أوجبه عليه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإن أراد أن يعين الفقير فله أن يعينه بما شاء سوى إبطال عبادته أوالإخلال بها.
الخامسة
اعتقاد البعض أنه يجوز له أن يتبع من اختلاف العلماء ما شاء بالتشهي، ولو كان مناقضاً وراداً للدليل الصحيح الصريح، ومعلوم أن الخلاف العاري من الدليل لا حجة فيه لأحد.
السادسة
دعوى تحقيق مقاصد الشرع، ومعلوم كذلك أن مقاصد الشريعة لا تقوم على أنقاض الشريعة ورد السنة الصحيحة الصريحة، فنكون لا للشريعة أقمنا، ولا لمقاصدها حققنا، ولا لصيامنا طهرنا، ولا لسنة نبينا اتبعنا.
السابعة
اعتقاد البعض أن الشيء إذا استهواه عدد كبير من المنتسبين للعلم بغض النظر عن أدلتهم وحججهم ينبغي أن يتبع، وهذا من تأثر البعض بالنظام الديمقراطي اللاديني البغيض، فالكثرة والقلة المجردة من اتباع الدليل لا قيمة لها، والجماعة ما وافق الحق ولو كان واحداً، فاعرف الحق تعرف أهله، فالحق لا يعرف بالرجال ولا بكثرتهم، ولا بالهيئات الرسمية، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية.
الثامنة
نتيجة لهذه الشبه كما يقولون: "رمتني بدائها وانسلت"، فبدلاً أن يُعاب ويثرب على التاركين للسنة الصحيحة، المتبعين لبعض الزلات والهفوات، يُثرب على الملتزمين بالسنة المتمسكين بها، مما يدل على غربة الدين في هذه الأعصار، وانقلاب الموازين، حيث صُوِّر المتمسك بالسنة بأنه متشدد وغالٍ، وتجاهلوا أن هذا الانتقاص يطول الصحابة، والسلف، والأئمة الأخيار، حيث أنا لا نعدو أن نكون متبعين لهم.
التاسعة
لا يفوتني أن أحذر إخواني من أهل العلم من منافقة المجتمع، ومن مجاراته على ما يهوى، فإنها من الطوام العظام، وهي أخطر بكثير من منافقة الحكام.
العاشرة
التقليد الأعمى، حيث لم يكن المسلمون يخرجون زكاة الفطر إلا من الطعام الحب وغيره في السودان وغيره، ولكن عندما نبتت نابتة استسهلت إخراجها نقداً قلدت، وترك الناس ما كانوا عليه من اتباع سنة نبيهم والاقتداء بسلفهم وأئمتهم.
وعليه فإنه لا يحل إخراج زكاة الفطر نقداً لمخالفة ذلك للنص الصحيح الصريح، ولإجماع الصحابة ومن سار على طريقهم، وأن من أخرجها نقداً لا تبرأ بذلك ذمته، ولا يطهر صيامه.
تنبيه
لا ينبغي لأحد أن يجمع نقداً من الناس في زكاة الفطر وفي الإطعام، اللهم إلا أن يكون عازماً على شراء الطعام حباً أومصنوعاً وتوزيعه على الفقراء نيابة عنهم.
ومن عزم على ذلك يؤجر، وعليه أن يتأكد من وصول هذا الطعام إلى مستحقيه في الوقت الذي حدده الشارع لا قبله ولا بعده، وإلا يكون آثماً مفرطاً غير مأمون على الوكالة.
وعلى المسلم أن لا يوكل إلا من يثق بعلمه وحرصه على السنة.
والله أسأل أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يوفقنا للاتباع، ويجنبنا التقليد، والهوى، والابتداع.
ووأخيرا عندي رد واحد أعتقد أنه سيكيفي كل طالب حق ليس متعصبا لأشخاص علموا أم جهلوا وهذا الرد هو :
اسأل العلماء كلهم بل والجهلاء مدعي العلم معهم , اسأل الكل هذين السؤالين :
السؤال الأول : رجل أخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ( أرز أو تمر أو بر أو شعير أو أقط ) هل يجزئه ذلك ويكون قد أدى زكاته أداء صحيحا يرضي الله عز وجل ؟
ولا شك أن جواب العلماء : أن ذلك يجزئه , وكذلك سيجيب المتعالمون ومن تعصب لهما بأنه يجزئه .
والسؤال الثاني :رجل أخرج زكاة الفطر نقودا هل يجزئه ذلك ويكون قد أدى زكاته أداء صحيحا يرضي الله عز وجل ؟
وهنا سيختلف الجواب : الجمهور على أنه لا يجزئه ولا يكون قد أدى زكاة فطره , وبعض العلماء يقول : يجزئه.
فأي عاقل يترك ما اتفقت عليه الأمة بعلمائها وعوامها ويأخذ بما اختلفوا فيه , كيف يختار العاقل أن يجعل عبادته مختلفا في صحتها وهو قادر على أن تكون صحيحة بالإجماع ؟ كيف يترك الإجماع والاتفاق إلى التفرق والاختلاف ؟فكيف بمن يجعل ذلك الخلاف هو الأفضل والأولى إن هذا لبديع من القياس والرأي.
وصدق الله العظيم ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ).
جمعه محمد بن عيد الشعباني .