أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
09-06-2009, 11:11 PM
قال الإمام علي بن المديني: (الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه).
ما هكذا يا عبد الوهاب مهية تنصر السنة في الجزائر، ويكون البحث العلمي؟!.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمدُ الله أحمدك ربّي تعالى، وأسألك أعلى مراتب الشهادة، وأشهدُ أن لا إله إلا أنت وأستودعك هذه الشهادة، وأبوأ لك بنعمتك عليّ وأستزيدك منها، والشكر قمن بالزيادة، وأبرأ إليك من الحول والقوة والإرادة، أحمدك وأنت ولي الصّالحين، وَعدت بالعقبى لكلّ من أطاعك واتقاك في كل حين، وأنذرت بالخزي لكل من عداك من الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة يوم البقاء، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله خاتم الرّسل والأنبياء، صلى الله عليه وعلى آله الكرام الأوفياء، وصحبه البررة الأتقياء.
أما بعد:
لقد أوقفني الطالبُ النجيبُ عبد الرحيم المسيلي بارك الله فيه وزاده ربي توفيقا وعلما منذ أيام على نقدٍ لكتابنا "بريق المهو في أحكام سجود السهو" كتبه رجلٌ اسمه (عبد الوهاب مهية من مدينة مسيلة الجزائرية)، زعم فيه هداه الله أنني جازفت في تضعيف أحاديث التشهد في سجود السهو، وأنني قصرت في البحث، ولم أذكر كلّ ما ورد في الباب، وبذلك أكون قد أخللت بالأمانة العلمية في نظره، وأوهمت القراء أنّه لم يرد في الباب إلا ما ذكرتُه وحكمتُ عليه بالضَعف، وحتى لا أكرر ما قاله "مهية" أُورد كلامه كاملا كما أرسله إليّ الطالبُ عبد الرحيم ثم أتبعه بنقد علمي موجز قربة إلى الله تعالى في شهر رمضان، سالكا طريقة أهل الحديث حقا في نشر العلم والذّب عن السنّة، بعيداً بُعد الأرض عن السماء عن منهج أهل البدع من زمرة الكوثري، والغماريين شيوخ الطريقة الدرقاوية كما قال العلامة الألباني في الضعيفة (1/193 في الهامش، ط: مكتبة المعارف)، وعبد الفتاح أبي غدة ومحمد عوامة، ومحمود سعيد ممدوح المصري، وعبد الله بن يوسف الجديع، ومن تشبه بهم من جماعة الإخوان المفلسين ممن تربوا في مدينة الرياض على يدّ عبد الفتاح أبي غدة من أمثال أحمد الزاوي الجزائري ومن كان على شاكلته، وهذه الطبقة درست علم الحديث وتوسعت في دراسته لا لنشر معتقد أهل الحديث والأثر كما فعل الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام أبو داود من سار على طريقتهم من العلماء من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، ومن ورث علمهم من المعاصرين من أمثال الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي، والعلامة محمد بن إبراهيم، والعلامة عبد العزيز بن باز، والعلامة محمد ناصر الدين الألباني، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، والعلامة مقبل بن هادي الوادعي، والعلامة عبد المحسن العباد، والعلامة ربيع بن هادي المدخلي، وغيرهم كثير من علماء الحديث؛ ولكن ولجت أبواب علم الحديث، وجمعت ما تيسر لها من فصوله للطعن في منهج المحدثين من الداخل، والرد على علماء أهل الحديث المعاصرين بالباطل، وهذه الطبقة لما ساءت نواياها، وظهر خطل أعمالها صارت أخطر على منهج أهل الحديث من الطبقة المباينة له من الصوفية والليبرالية وفقهاء أهل الكلام.
قال ابن الجوزي رحمه الله: (قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه: قال شيخنا أبو الفضل الهمذاني: مبتدعة الإسلام والواضعون للأحاديث أشد من الـمُلْحِدين، لأن الملحدين قصدوا إفساد الدِّين من خارجٍ، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخلٍ، فهم كأهل بلدٍ سعَوْا في إفساد أحواله، والملحدون كالـمُحاصرين من خارجٍ، فالدُّخلاء يفتحون الحِصنَ، فهو شرٌّ على الإسلام من غير الملابس له).انظر الموضوعات (1/51 ط: المكتبة السلفية بالمدينة).
ودونك الآن نقد "مهية" غفر الله له لكتابنا "بريق المهو" كما أرسله إليّ الطالب النجيب عبد الرحيم.
قال عبد الوهاب مهية المسيلي: ((زعم صاحب رسالة (بريق المهو في أحكام سجود السهو)، تبعا لبعض أهل العلم أن التشهد فيسجود السهو لا يثبت. ثم ذكر تحت عنوان :"ضعف حديثي التشهد "
الحديث الأول : "عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى اللهعليه و سلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم " . قال فيه : ضعيف شاذ ...
الحديث الثاني: عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أم أربع و أكبر ظنك على أربع ، تشهد ثماسجد سجدتين و أنت جالس قبل أن تسلم ثم تشهد أيضا ثم سلم " . و أعله بالإنقطاع لعدمسماع أبي عبيدة من أبيه كما صرح بذلك الحافظ .
قلت : و كلامه هذا يشتمل على مغالطات عدة.
أولا: أوهم أنه ليس في المسألة سوى حديثين. و الواقع خلاف ذلك، كماسأبيّنه بعد.
ثانيا: قوله : "أن الحديث شاذ" غريب لا يتوافق و تعريف الحديث الشاذالذي نقله في الحاشية من كلام الحافظ ابن حجر حيث قال: "الشاذ هو أن يروي الضابطوالصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى، بحيث يتعذرالجمع على قواعد المحدثين "
و هذا التعريف الذي نقله لا يسعفه و لا يؤيده ... لأن الحديث الذي نحنبصدده هو من قبيل " الزيادة التي لا تعارض غيرها و لا تخالفه" و لا يتعذر معهاالجمع .
و أما قول من قال: تفرد به (أشعث) و قد رواه جماعة عن خالد الحذاء ولم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمدبن سيرين .
فالجواب : أن (أشعث) ثقة لا يضر تفرده . و من حفظ حجة على من لم يحفظ ... و قد قال ابن معين:
" لم أدرك أحدا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه " ( تهذيبالتهذيب 1/312).
و لعل لهذا المعنى حسنه الترمذي و صححه الحاكم على شرط الشيخين و ابنحبان و غيرهم ...
قال الحافظ في (الفتح 3/79) بعد أن تكلم في علة الحديث: " ... لكن قدورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود و النسائي، و عن المغيرةعند البيهقي، و في إسنادهما ضعف ، و قد يقال : إن الأحاديث الثلاثة في التشهدباجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن ، قال العلائي: و ليس ذلك ببعيد، و قد صح ذلك عنابن مسعود من قوله، أخرجه ابن أبي شيبة ."
و روى الطحاوي ( 1/252 ) عن ربيع المؤذن عن يحيى بن حسان ، ثنا وهيب ،ثنا منصور ، عن ابراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى اللهعليه و سلم : " إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ، فلينظر أحرى ذلك إلىالصواب فليتمه ، ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتي السهو و يتشهد و يسلم " قال في حاشية( نصب الراية 2/171) : رجاله ثقات. و قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في (شرح السنة للبغوي 1/323) :)إسناده قوي .
قلت: و يشهد له رواية أبي عبيدة عن أبيه السالفة الذكر .
و هكذا يظهر للمنصف أن التشهد في سجود السهو مشروع ثابت، ومنالمجازفة بمكان أن يحشر في زمرة المحدثات. و من خاف الله احتاط لدين الله و كفّ عنالتوثب على شريعة الله).أهـ
قلت مستعينا بالله تعالى:
انتهى كلام عبدالوهاب مهية وجله مأخوذ من حاشية محمد عوامة على نصب الراية، التي أسماها بغية الألمعي في تخريج الزيلعي (2/171ط: مؤسسة الريان).
وأقول وبالله التوفيق:
لقد تتبعت بعض كتابات "عبد الوهاب مهية" فوجدتها مكسوة بلباس الغرابة، ومن أغرب ما وقفت عليه قوله: "إن السنّة في الإزار أو الثوب عند الرجال أن يكون تحت الكعبين!"، وكذا خلطه في مسألة قنوت الفجر المعروف حاليا في مساجدنا بأسلوب لا يخدم البحث العلمي المتين الذي يَنشده بقوله (و من خاف الله احتاط لدين الله و كفّ عنالتوثب على شريعة الله)، والذي يُمدح عليه زورا في المواقع الإلكترونية، وأحسن ما صادفني من بحوثه " القِطْفُ الجَنِيّ في بيان نجاسة المَنِيّ" مع ما يحمله من فهوم محدثة وغريبة لا يعرفها فطاحلة علماء الإسلام.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (مَن تكلّمَ بكلام في الدِّين، أو في شَيء مِن هذه الأَهواء لَيس له فيهِ إمَامٌ مُتقدَّمٌ من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وأَصْحابِهِ فَقَد أَحْدَثَ في الإسْلامِ حَدَثا). أخرجه الأصبهاني في سير السلف الصالحين (ج3 ص1171) بإسناد حسن.
وقال المروزي كما في شرح علل الترمذي لابن رجب (ص:235 تحقيق السّامرائي): (سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم).
ولهذا خلصتُ أن أعماله –وأرجو أن أكون مخطأ- مرصودة لخدمة مناهج الفرق الضالة، وموجهة للرد على علماء أهل الحديث المعاصرين من أمثال العلامة محمد ناصر الدين الألباني، ومحمد بن صالح العثيمين رحمهما الله وطلابهما، حتى ولو أصاب في بعض المسائل الفقهية، فإن أهل الحديث صدقا وحقا لا يستبشرون بعمله أبدا لعلمهم أن ريعه في الأخير يعود إلى خزينة أهل الأهواء.
قال الإمام أحمد بن حَنْبل رحمه الله: (لا تُجالِسوا أصحابَ الكلام، وإن ذبُّوا عن السُّنة).
وفي رواية: (لا تُجالِس صاحب كَلامٍ وإنْ ذبّ عَن السُّنة فإنّه لا يَؤُول أمره إلى خَيْر).
أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (ج3 ص540) وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص156) من طريقين عن أحمد بن حنبل به. وإسناده صحيح، وذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (ج1 ص334).
وقد رأيت أن أهل الأهواء يركضون لنشر ردوده على مواقعهم الإلكترونية متوهمين بزعمهم الكاذب أن فيها إفحاما للوهابية كما صرح بعضهم، ولست أدري من أين جاء هذا التآلف.
قال ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان (ج1 ص345 ط: المكتب الإسلامي) عند حديثه عن المغبونين والمفتونين بسماع الغناء بالآلات المحرمة: (كل امرئ يَصْبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجِنْسِيّةُ عِلَّةُ الضّم قَدَراً وشرعاً، والمشاكلة سبب الميل عقلا وطبعاً، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلقُ من الشيطان بأقْوى سبب، ومن أين هذه المصلحة التي أوقعت في عَقْد الإيمان، وعَهْد الرحمن خَلَلاً ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف:50])اهـ.
لقد خبرت هذا الصنف من الكُتَّاب الذي يزعم درايته بالعلم الحديث، فألفته مضطربا جدا في بحوثه، ووجدته يكتب لنصرة المناهج الباطلة، ولا يجتهد في نشر العلم على طريقة أهله ولو كان مرجوحا في نظر مخالفيه، بل يتأمم بعض المواضيع ويجعلها عربونا يتقرب بها من بعض التكتلات السياسية عسى أن يجد عندهم شيئا من حطام الدنيا، وإلا لو كان صادقا في كتاباته لوجه سهامه إلى رؤوس الإخوان المسلمين من أمثال سيد قطب، وحسن البنا، وعمر التلمساني، الذين أفسدوا دين المسلمين إفسادا لا نظير له في التاريخ الإسلامي، ولو سجد المنغمس في منهاجهم ألاف السجدات سجودا للسهو، وتشهد بعدد السجدات لما أمكنه أن يجبر الخلل الذي أحدثه الإخوان المسلمون في دينه، بل إن البلاء والفتاوى القاتلة لروح الإسلام التي يعاني منها العالم، والإرهاب الأعمى الذي يعصف بمفاصل بعض الدول الإسلامية كلّه خرج من مدرسة الإخوان المسلمين بأنواعها، القديم منها؛ كالبنائية والقطبية والهجرة والتكفير، أو الجيل الجديد منها والمعدل فكريا، الذي سعى إلى تصحيح مدرسة الإخوان المسلمين من الداخل مع البقاء على أصولها الحركية كما هو صنيع محمد سرور، وسلمان العودة، وعائض القرني، وعدنان عرعور، وبعض دعاة مدرسة الإسكندرية الذين تربوا على فكر محمد قطب، وأطلقوا على مدرستهم اسم "سلفية المعتقد عصرية المواجهة"، وإن تظاهر هذا الجيل المعدل فكريا بالردّ على بعض رموز الإخوان ورؤوسهم كيوسف القرضاوي فهو من باب التصحيح الداخلي ليس إلا.
ولو كان هذا الصنف صادقا في دعوته، وجادا في خدمة العلم الشريف لشمّر عن ساعد الجد وكشف عن ضلال الخوارج والروافض الأنجاس والعقلانين أحفاد المعتزلة كما فعل الأسلاف من علماء الحديث رحمهم الله.
ولو كان هذا الصنف منصفا وعادلا في مسيرته الدعوية لما سكت عن شرك أهل التصوف والقبوريين ودعاة الطروقية، ولسعى في كشف بدعهم الكبيرة التي تأنُّ الأرض من ضلالها، والله المستعان.
إن علماءَ الحديث لما صنَّفوا في العلم كان قصدُهم تعريف البرية بالحق الذي في الكتاب والسنة، وتحذيرهم من الشرك والشّر والبدع التي أحدثها أهل الأهواء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التسعينية (1/158-159، ط: مكتبة المعارف بالرياض): (إنّ سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات، وهذا في كتب التفسير والحديث والسنن أكثر من أن يحصيه إلا الله، حتى إنّه لمّا جمع الناس العلم وبوبوه في الكتب، فصنف ابن جريج التفسير والسنن، وصنف معمر -أيضا-، وصنف مالك بن أنس، وصنف حماد بن سلمة، وهؤلاء من أقدم من صنف في العلم، فصنف حماد بن سلمة كتابه الصفات، كما صنف كتبه في سائر أبواب العلم، وقد قيل: إنّ مالكاً إنما صنف الموطأ تبعا له، وقال: جمعت هذا خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل، وكذلك كان يجمعها ويحدث بها غير واحد من أئمة السلف لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل...)اهـ.
ولو لمست من هذا الصنف أنه يسير على منهج الأئمة الأخيار كما كان حماد بن سلمة، ومالك بن أنس في نشر العلم والتحذير من أهل البدع والأهواء، واستفاض فعلهم هذا في الأوساط العلمية، وتلقاه أهل الشأن بالقبول، ثم بعد ذلك صححوا خطأ وقع فيه العلامة الألباني، أو خالفوه في مسألة أو أكثر لعددتُ هذا من اجتهادهم في العلم، وتقصيهم للحق، أما وأنهم أموات غير أحياء أمام أهل البدع، لا يعلم لهم سوداء على بيضاء في نقدهم لهم، وفي المقابل أجدهم سيوفا مسلطة على رقاب علماء الحديث كما هو صنيع محمود سعيد ممدوح المصري في كتابه "التعريف بأوهام من قسّم السنن إلى صحيح وضعيف" فلا أقبل منهم صنيعهم الكاذب في خدمة العلم، وأعدُّ فعلهم من فقه المعاكسات كما كان يصنع الكرابيسي.
قال المروزي: (مضيت إلى الكرابيسى، وهو إذ ذاك مستور، يذب عن السنة، ويظهر نصرة أبي عبد الله فقلت له: إن كتاب المدلسين يريدون أن يعرضوه على أبي عبد الله، فأظهر أنّك قد ندمت حتى أخبر أبا عبد الله، فقال لي: إن أبا عبد الله رجل صالح ومثله يوفق لإصابة الحق، وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه.
ما هكذا يا عبد الوهاب مهية تنصر السنة في الجزائر، ويكون البحث العلمي؟!.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمدُ الله أحمدك ربّي تعالى، وأسألك أعلى مراتب الشهادة، وأشهدُ أن لا إله إلا أنت وأستودعك هذه الشهادة، وأبوأ لك بنعمتك عليّ وأستزيدك منها، والشكر قمن بالزيادة، وأبرأ إليك من الحول والقوة والإرادة، أحمدك وأنت ولي الصّالحين، وَعدت بالعقبى لكلّ من أطاعك واتقاك في كل حين، وأنذرت بالخزي لكل من عداك من الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة يوم البقاء، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله خاتم الرّسل والأنبياء، صلى الله عليه وعلى آله الكرام الأوفياء، وصحبه البررة الأتقياء.
أما بعد:
لقد أوقفني الطالبُ النجيبُ عبد الرحيم المسيلي بارك الله فيه وزاده ربي توفيقا وعلما منذ أيام على نقدٍ لكتابنا "بريق المهو في أحكام سجود السهو" كتبه رجلٌ اسمه (عبد الوهاب مهية من مدينة مسيلة الجزائرية)، زعم فيه هداه الله أنني جازفت في تضعيف أحاديث التشهد في سجود السهو، وأنني قصرت في البحث، ولم أذكر كلّ ما ورد في الباب، وبذلك أكون قد أخللت بالأمانة العلمية في نظره، وأوهمت القراء أنّه لم يرد في الباب إلا ما ذكرتُه وحكمتُ عليه بالضَعف، وحتى لا أكرر ما قاله "مهية" أُورد كلامه كاملا كما أرسله إليّ الطالبُ عبد الرحيم ثم أتبعه بنقد علمي موجز قربة إلى الله تعالى في شهر رمضان، سالكا طريقة أهل الحديث حقا في نشر العلم والذّب عن السنّة، بعيداً بُعد الأرض عن السماء عن منهج أهل البدع من زمرة الكوثري، والغماريين شيوخ الطريقة الدرقاوية كما قال العلامة الألباني في الضعيفة (1/193 في الهامش، ط: مكتبة المعارف)، وعبد الفتاح أبي غدة ومحمد عوامة، ومحمود سعيد ممدوح المصري، وعبد الله بن يوسف الجديع، ومن تشبه بهم من جماعة الإخوان المفلسين ممن تربوا في مدينة الرياض على يدّ عبد الفتاح أبي غدة من أمثال أحمد الزاوي الجزائري ومن كان على شاكلته، وهذه الطبقة درست علم الحديث وتوسعت في دراسته لا لنشر معتقد أهل الحديث والأثر كما فعل الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام أبو داود من سار على طريقتهم من العلماء من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، ومن ورث علمهم من المعاصرين من أمثال الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي، والعلامة محمد بن إبراهيم، والعلامة عبد العزيز بن باز، والعلامة محمد ناصر الدين الألباني، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، والعلامة مقبل بن هادي الوادعي، والعلامة عبد المحسن العباد، والعلامة ربيع بن هادي المدخلي، وغيرهم كثير من علماء الحديث؛ ولكن ولجت أبواب علم الحديث، وجمعت ما تيسر لها من فصوله للطعن في منهج المحدثين من الداخل، والرد على علماء أهل الحديث المعاصرين بالباطل، وهذه الطبقة لما ساءت نواياها، وظهر خطل أعمالها صارت أخطر على منهج أهل الحديث من الطبقة المباينة له من الصوفية والليبرالية وفقهاء أهل الكلام.
قال ابن الجوزي رحمه الله: (قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه: قال شيخنا أبو الفضل الهمذاني: مبتدعة الإسلام والواضعون للأحاديث أشد من الـمُلْحِدين، لأن الملحدين قصدوا إفساد الدِّين من خارجٍ، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخلٍ، فهم كأهل بلدٍ سعَوْا في إفساد أحواله، والملحدون كالـمُحاصرين من خارجٍ، فالدُّخلاء يفتحون الحِصنَ، فهو شرٌّ على الإسلام من غير الملابس له).انظر الموضوعات (1/51 ط: المكتبة السلفية بالمدينة).
ودونك الآن نقد "مهية" غفر الله له لكتابنا "بريق المهو" كما أرسله إليّ الطالب النجيب عبد الرحيم.
قال عبد الوهاب مهية المسيلي: ((زعم صاحب رسالة (بريق المهو في أحكام سجود السهو)، تبعا لبعض أهل العلم أن التشهد فيسجود السهو لا يثبت. ثم ذكر تحت عنوان :"ضعف حديثي التشهد "
الحديث الأول : "عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى اللهعليه و سلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم " . قال فيه : ضعيف شاذ ...
الحديث الثاني: عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أم أربع و أكبر ظنك على أربع ، تشهد ثماسجد سجدتين و أنت جالس قبل أن تسلم ثم تشهد أيضا ثم سلم " . و أعله بالإنقطاع لعدمسماع أبي عبيدة من أبيه كما صرح بذلك الحافظ .
قلت : و كلامه هذا يشتمل على مغالطات عدة.
أولا: أوهم أنه ليس في المسألة سوى حديثين. و الواقع خلاف ذلك، كماسأبيّنه بعد.
ثانيا: قوله : "أن الحديث شاذ" غريب لا يتوافق و تعريف الحديث الشاذالذي نقله في الحاشية من كلام الحافظ ابن حجر حيث قال: "الشاذ هو أن يروي الضابطوالصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى، بحيث يتعذرالجمع على قواعد المحدثين "
و هذا التعريف الذي نقله لا يسعفه و لا يؤيده ... لأن الحديث الذي نحنبصدده هو من قبيل " الزيادة التي لا تعارض غيرها و لا تخالفه" و لا يتعذر معهاالجمع .
و أما قول من قال: تفرد به (أشعث) و قد رواه جماعة عن خالد الحذاء ولم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمدبن سيرين .
فالجواب : أن (أشعث) ثقة لا يضر تفرده . و من حفظ حجة على من لم يحفظ ... و قد قال ابن معين:
" لم أدرك أحدا من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه " ( تهذيبالتهذيب 1/312).
و لعل لهذا المعنى حسنه الترمذي و صححه الحاكم على شرط الشيخين و ابنحبان و غيرهم ...
قال الحافظ في (الفتح 3/79) بعد أن تكلم في علة الحديث: " ... لكن قدورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود و النسائي، و عن المغيرةعند البيهقي، و في إسنادهما ضعف ، و قد يقال : إن الأحاديث الثلاثة في التشهدباجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن ، قال العلائي: و ليس ذلك ببعيد، و قد صح ذلك عنابن مسعود من قوله، أخرجه ابن أبي شيبة ."
و روى الطحاوي ( 1/252 ) عن ربيع المؤذن عن يحيى بن حسان ، ثنا وهيب ،ثنا منصور ، عن ابراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى اللهعليه و سلم : " إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا ، فلينظر أحرى ذلك إلىالصواب فليتمه ، ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتي السهو و يتشهد و يسلم " قال في حاشية( نصب الراية 2/171) : رجاله ثقات. و قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في (شرح السنة للبغوي 1/323) :)إسناده قوي .
قلت: و يشهد له رواية أبي عبيدة عن أبيه السالفة الذكر .
و هكذا يظهر للمنصف أن التشهد في سجود السهو مشروع ثابت، ومنالمجازفة بمكان أن يحشر في زمرة المحدثات. و من خاف الله احتاط لدين الله و كفّ عنالتوثب على شريعة الله).أهـ
قلت مستعينا بالله تعالى:
انتهى كلام عبدالوهاب مهية وجله مأخوذ من حاشية محمد عوامة على نصب الراية، التي أسماها بغية الألمعي في تخريج الزيلعي (2/171ط: مؤسسة الريان).
وأقول وبالله التوفيق:
لقد تتبعت بعض كتابات "عبد الوهاب مهية" فوجدتها مكسوة بلباس الغرابة، ومن أغرب ما وقفت عليه قوله: "إن السنّة في الإزار أو الثوب عند الرجال أن يكون تحت الكعبين!"، وكذا خلطه في مسألة قنوت الفجر المعروف حاليا في مساجدنا بأسلوب لا يخدم البحث العلمي المتين الذي يَنشده بقوله (و من خاف الله احتاط لدين الله و كفّ عنالتوثب على شريعة الله)، والذي يُمدح عليه زورا في المواقع الإلكترونية، وأحسن ما صادفني من بحوثه " القِطْفُ الجَنِيّ في بيان نجاسة المَنِيّ" مع ما يحمله من فهوم محدثة وغريبة لا يعرفها فطاحلة علماء الإسلام.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (مَن تكلّمَ بكلام في الدِّين، أو في شَيء مِن هذه الأَهواء لَيس له فيهِ إمَامٌ مُتقدَّمٌ من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وأَصْحابِهِ فَقَد أَحْدَثَ في الإسْلامِ حَدَثا). أخرجه الأصبهاني في سير السلف الصالحين (ج3 ص1171) بإسناد حسن.
وقال المروزي كما في شرح علل الترمذي لابن رجب (ص:235 تحقيق السّامرائي): (سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم).
ولهذا خلصتُ أن أعماله –وأرجو أن أكون مخطأ- مرصودة لخدمة مناهج الفرق الضالة، وموجهة للرد على علماء أهل الحديث المعاصرين من أمثال العلامة محمد ناصر الدين الألباني، ومحمد بن صالح العثيمين رحمهما الله وطلابهما، حتى ولو أصاب في بعض المسائل الفقهية، فإن أهل الحديث صدقا وحقا لا يستبشرون بعمله أبدا لعلمهم أن ريعه في الأخير يعود إلى خزينة أهل الأهواء.
قال الإمام أحمد بن حَنْبل رحمه الله: (لا تُجالِسوا أصحابَ الكلام، وإن ذبُّوا عن السُّنة).
وفي رواية: (لا تُجالِس صاحب كَلامٍ وإنْ ذبّ عَن السُّنة فإنّه لا يَؤُول أمره إلى خَيْر).
أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (ج3 ص540) وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (ص156) من طريقين عن أحمد بن حنبل به. وإسناده صحيح، وذكره ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (ج1 ص334).
وقد رأيت أن أهل الأهواء يركضون لنشر ردوده على مواقعهم الإلكترونية متوهمين بزعمهم الكاذب أن فيها إفحاما للوهابية كما صرح بعضهم، ولست أدري من أين جاء هذا التآلف.
قال ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان (ج1 ص345 ط: المكتب الإسلامي) عند حديثه عن المغبونين والمفتونين بسماع الغناء بالآلات المحرمة: (كل امرئ يَصْبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجِنْسِيّةُ عِلَّةُ الضّم قَدَراً وشرعاً، والمشاكلة سبب الميل عقلا وطبعاً، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلقُ من الشيطان بأقْوى سبب، ومن أين هذه المصلحة التي أوقعت في عَقْد الإيمان، وعَهْد الرحمن خَلَلاً ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف:50])اهـ.
لقد خبرت هذا الصنف من الكُتَّاب الذي يزعم درايته بالعلم الحديث، فألفته مضطربا جدا في بحوثه، ووجدته يكتب لنصرة المناهج الباطلة، ولا يجتهد في نشر العلم على طريقة أهله ولو كان مرجوحا في نظر مخالفيه، بل يتأمم بعض المواضيع ويجعلها عربونا يتقرب بها من بعض التكتلات السياسية عسى أن يجد عندهم شيئا من حطام الدنيا، وإلا لو كان صادقا في كتاباته لوجه سهامه إلى رؤوس الإخوان المسلمين من أمثال سيد قطب، وحسن البنا، وعمر التلمساني، الذين أفسدوا دين المسلمين إفسادا لا نظير له في التاريخ الإسلامي، ولو سجد المنغمس في منهاجهم ألاف السجدات سجودا للسهو، وتشهد بعدد السجدات لما أمكنه أن يجبر الخلل الذي أحدثه الإخوان المسلمون في دينه، بل إن البلاء والفتاوى القاتلة لروح الإسلام التي يعاني منها العالم، والإرهاب الأعمى الذي يعصف بمفاصل بعض الدول الإسلامية كلّه خرج من مدرسة الإخوان المسلمين بأنواعها، القديم منها؛ كالبنائية والقطبية والهجرة والتكفير، أو الجيل الجديد منها والمعدل فكريا، الذي سعى إلى تصحيح مدرسة الإخوان المسلمين من الداخل مع البقاء على أصولها الحركية كما هو صنيع محمد سرور، وسلمان العودة، وعائض القرني، وعدنان عرعور، وبعض دعاة مدرسة الإسكندرية الذين تربوا على فكر محمد قطب، وأطلقوا على مدرستهم اسم "سلفية المعتقد عصرية المواجهة"، وإن تظاهر هذا الجيل المعدل فكريا بالردّ على بعض رموز الإخوان ورؤوسهم كيوسف القرضاوي فهو من باب التصحيح الداخلي ليس إلا.
ولو كان هذا الصنف صادقا في دعوته، وجادا في خدمة العلم الشريف لشمّر عن ساعد الجد وكشف عن ضلال الخوارج والروافض الأنجاس والعقلانين أحفاد المعتزلة كما فعل الأسلاف من علماء الحديث رحمهم الله.
ولو كان هذا الصنف منصفا وعادلا في مسيرته الدعوية لما سكت عن شرك أهل التصوف والقبوريين ودعاة الطروقية، ولسعى في كشف بدعهم الكبيرة التي تأنُّ الأرض من ضلالها، والله المستعان.
إن علماءَ الحديث لما صنَّفوا في العلم كان قصدُهم تعريف البرية بالحق الذي في الكتاب والسنة، وتحذيرهم من الشرك والشّر والبدع التي أحدثها أهل الأهواء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التسعينية (1/158-159، ط: مكتبة المعارف بالرياض): (إنّ سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات، وهذا في كتب التفسير والحديث والسنن أكثر من أن يحصيه إلا الله، حتى إنّه لمّا جمع الناس العلم وبوبوه في الكتب، فصنف ابن جريج التفسير والسنن، وصنف معمر -أيضا-، وصنف مالك بن أنس، وصنف حماد بن سلمة، وهؤلاء من أقدم من صنف في العلم، فصنف حماد بن سلمة كتابه الصفات، كما صنف كتبه في سائر أبواب العلم، وقد قيل: إنّ مالكاً إنما صنف الموطأ تبعا له، وقال: جمعت هذا خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل، وكذلك كان يجمعها ويحدث بها غير واحد من أئمة السلف لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل...)اهـ.
ولو لمست من هذا الصنف أنه يسير على منهج الأئمة الأخيار كما كان حماد بن سلمة، ومالك بن أنس في نشر العلم والتحذير من أهل البدع والأهواء، واستفاض فعلهم هذا في الأوساط العلمية، وتلقاه أهل الشأن بالقبول، ثم بعد ذلك صححوا خطأ وقع فيه العلامة الألباني، أو خالفوه في مسألة أو أكثر لعددتُ هذا من اجتهادهم في العلم، وتقصيهم للحق، أما وأنهم أموات غير أحياء أمام أهل البدع، لا يعلم لهم سوداء على بيضاء في نقدهم لهم، وفي المقابل أجدهم سيوفا مسلطة على رقاب علماء الحديث كما هو صنيع محمود سعيد ممدوح المصري في كتابه "التعريف بأوهام من قسّم السنن إلى صحيح وضعيف" فلا أقبل منهم صنيعهم الكاذب في خدمة العلم، وأعدُّ فعلهم من فقه المعاكسات كما كان يصنع الكرابيسي.
قال المروزي: (مضيت إلى الكرابيسى، وهو إذ ذاك مستور، يذب عن السنة، ويظهر نصرة أبي عبد الله فقلت له: إن كتاب المدلسين يريدون أن يعرضوه على أبي عبد الله، فأظهر أنّك قد ندمت حتى أخبر أبا عبد الله، فقال لي: إن أبا عبد الله رجل صالح ومثله يوفق لإصابة الحق، وقد رضيت أن يعرض كتابي عليه.