أبو عبدالرحمن عطية الأثري
04-02-2009, 09:59 AM
من مجموع الفتاوى وكان ردا على سؤال وجه له
المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2]، ولفظ الجمع في الواحد كقوله:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173]، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج:10] و{قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران:182،الأنفال:51]، ومنه قوله:{مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس:71].
أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم ـ إن شاء الله تعالى ـ أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.
وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة.
قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق:24]، وإنما هو خطاب للواحد.
قلت له: هذا ممنوع، بل قوله: {أَلْقِيَا} قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى: ألق ألق. وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليلي! خليلي!ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين، فقوله: {أَلْقِيَا} عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة.
قلت له: المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟
فإن قلت: لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله ـ سبحانه.
قلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه،لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟ قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا. قلت: فإذا كان هذا ممكنًا ـ وهو حقيقة اللفظ ـ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به ـ وصحت الدلالة ـ سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود.
المقام الثالث : قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة،بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1]، وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه.
وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة؟ لا يدًا تليق بجلاله، ولا يدا تناسب المحدثات،وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ولو بوجه خفي ؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية ـ عند من يدعيه ـ وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة.
فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله ـ تعالي ـ خلق بيده، وأن يداه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جَهْم ابن صفوان بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم،ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق.
وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شىء حتى الخراءة،ويقول: (ما تركت من شىء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شىء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به)، (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)، ثم يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟!
وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمروها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شىء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار!
المقام الرابع: قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة، ما يبين لك أن لله يدين حقيقة.
فمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة، وامتناعهم عن التكبر عليه، فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، أو مجرد إضافة خلقه إليه؛ لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات.
قال لي: فقد يضاف الشىء إلى الله على سبيل التشريف، كقوله:{نَاقَةَ اللَّهِ} [الشمس:13]، وبيت الله.
قلت له: لا تكون الإضافة تشريفًا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره، فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك، فإضافة خلق آدم إليه أنه خلقه بيديه، يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه، وخلق هؤلاء بقوله: كن فيكون، كما جاءت به الآثار.
ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان:أحدهما: إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى ولا يد الماء، فهب أن قوله: بيده الملك، قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.
والفرق بين قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس:71] من وجهين:
أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] أي: يديهما، وقوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] أي: قلباكما، فكذلك قوله:{مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا}.
وأما السنة فكثيرة جدًا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:(المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا) رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم:(يمين الله ملأى لا يَغِيضُهَا نفقة،سَحَّاء الليل والنهار،أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِض ما في يمينه، والقِسْط بيده الأخرى، يرفع ويخفض إلى يوم القيامة) رواه مسلم في صحيحه؛ والبخاري فيما أظن [قوله: لا يغِيضُها ـ أي:لا ينقصها].
وفي الصحيح ـ أيضًا ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم بيده خُبْزَتَه في السفر) [قوله: (خُبْزَة واحدة يتكفّؤها الجبار بيده): الخُبزة: الطُّلمة، وهي عجين يوضع في الرماد الحار حتى ينضج. ويتكفؤها الجبار بيده،أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوى، والمعنى: أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم،ويكون ذلك طعامًا نزلاً لأهل الجنة. انظر:القاموس،مادة ـ خبزـ وتعليق الشيخ عبد الباقي].
وفي الصحيح ـ أيضًا عن ابن عمر، يحكى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأخذ الرب ـ عز وجل ـ سمواته وأرضه بيديه ـ وجعل يقبض يديه ويبسطهما ـ ويقول: أنا الرحمن) حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ؟ وفي رواية: أنه قرأ هذه الآية على المنبر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر:67]، قال:(يقول: أنا الله، أنا الجبار) وذكره. وفي الصحيح ـ أيضًا ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)، وما يوافق هذا من حديث الحبر.
وفي حديث صحيح:(إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته)، وفي الصحيح: (إن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن رحمتي تغلب غضبي).
وفي الصحيح: أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، وقد قال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه. وفي حديث آخر: أنه قال ـ سبحانه ـ: (وعزتي وجلالي، لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان)،وفي حديث آخر في السنن: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون).
فذكرت له هذه الأحاديث وغيرها، ثم قلت له: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلاً، أم هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير. فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق.
فهذا الذي أشرت إليه ـ أحسن الله إليك ـ أن أكتبه.
وهذا باب واسع، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور:40]، و{مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [الكهف:17].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى المحمدين، وأبي زكريا، وأبي البقاء عبد المجيد، وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل البلدة الطيبة.
وإن كنتم تعرفون للمدينة كتابًا يتضمن أخبارها، كما صنف أخبار مكة. فلعل تعرفونا به.
والحمد لله رب العالمين،وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2]، ولفظ الجمع في الواحد كقوله:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173]، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4]. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يتجوز بها، ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد.
ولا يجوز أن يراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.
ولا يجوز أن يكون لما خلقت أنا؛لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعل إلى اليد، فتكون إضافته إلى اليد إضافة له إلى الفعل كقوله: {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج:10] و{قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران:182،الأنفال:51]، ومنه قوله:{مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس:71].
أما إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كاف في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم ـ إن شاء الله تعالى ـ أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.
وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة، ويتبين أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة.
قال لي: فقد أوقعوا الاثنين موقع الواحد في قوله: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق:24]، وإنما هو خطاب للواحد.
قلت له: هذا ممنوع، بل قوله: {أَلْقِيَا} قد قيل: تثنية الفاعل لتثنية الفعل، والمعنى: ألق ألق. وقد قيل: إنه خطاب للسائق والشهيد. ومن قال: إنه خطاب للواحد، قال: إن الإنسان يكون معه اثنان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول: خليلي! خليلي!ثم إنه يوقع هذا الخطاب وإن لم يكونا موجودين، كأنه يخاطب موجودين، فقوله: {أَلْقِيَا} عند هذا القائل إنما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما، فلا حجة فيه البتة.
قلت له: المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد، وأن يعني بها القدرة أو النعمة، أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل، لكن ما الموجب لصرفها عن الحقيقة؟
فإن قلت: لأن اليد هي الجارحة وذلك ممتنع على الله ـ سبحانه.
قلت لك: هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدًا من جنس أيدي المخلوقين، وهذا لا ريب فيه،لكن لم لا يجوز أن يكون له يد تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات؟ قال: ليس في العقل والسمع ما يحيل هذا. قلت: فإذا كان هذا ممكنًا ـ وهو حقيقة اللفظ ـ فلم يصرف عنه اللفظ إلى مجازه؟ وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به ـ وصحت الدلالة ـ سلم له أن المعنى الذي يستحقه المخلوق منتف عنه، وإنما حقيقة اللفظ وظاهره يد يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود.
المقام الثالث : قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد، أو هل في كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه باليد دلالة ظاهرة،بل أو دلالة خفية؟ فإن أقصى ما يذكره المتكلف قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1]، وقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وهؤلاء الآيات إنما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه. أما انتفاء يد تليق بجلاله، فليس في الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه.
وكذلك هل في العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن الباري لا يد له البتة؟ لا يدًا تليق بجلاله، ولا يدا تناسب المحدثات،وهل فيه ما يدل على ذلك أصلا، ولو بوجه خفي ؟ فإذا لم يكن في السمع ولا في العقل ما ينفي حقيقة اليد البتة، وإن فرض ما ينافيها فإنما هو من الوجوه الخفية ـ عند من يدعيه ـ وإلا ففي الحقيقة إنما هو شبهة فاسدة.
فهل يجوز أن يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد، وأن الله ـ تعالي ـ خلق بيده، وأن يداه مبسوطتان، وأن الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر لا يبينون للناس أن هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره، حتى ينشأ جَهْم ابن صفوان بعد انقراض عصر الصحابة، فيبين للناس ما نزل إليهم على نبيهم،ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق.
وكيف يجوز أن يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شىء حتى الخراءة،ويقول: (ما تركت من شىء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا من شىء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به)، (تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)، ثم يترك الكتاب المنزل عليه، وسنته الغراء مملوءة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم، وأن اعتقاد ظاهره ضلال، وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه؟!
وكيف يجوز للسلف أن يقولوا: أمروها كما جاءت مع أن معناها المجازي هو المراد وهو شىء لا يفهمه العرب، حتى يكون أبناء الفرس والروم أعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار!
المقام الرابع: قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة، ما يبين لك أن لله يدين حقيقة.
فمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة، وامتناعهم عن التكبر عليه، فلو كان المراد أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، أو مجرد إضافة خلقه إليه؛ لشاركه في ذلك إبليس وجميع المخلوقات.
قال لي: فقد يضاف الشىء إلى الله على سبيل التشريف، كقوله:{نَاقَةَ اللَّهِ} [الشمس:13]، وبيت الله.
قلت له: لا تكون الإضافة تشريفًا حتى يكون في المضاف معنى أفرده به عن غيره، فلو لم يكن في الناقة والبيت من الآيات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الإضافة، والأمر هنا كذلك، فإضافة خلق آدم إليه أنه خلقه بيديه، يوجب أن يكون خلقه بيديه أنه قد فعله بيديه، وخلق هؤلاء بقوله: كن فيكون، كما جاءت به الآثار.
ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان:أحدهما: إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى ولا يد الماء، فهب أن قوله: بيده الملك، قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.
والفرق بين قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس:71] من وجهين:
أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه، وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] أي: يديهما، وقوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم:4] أي: قلباكما، فكذلك قوله:{مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا}.
وأما السنة فكثيرة جدًا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:(المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا) رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم:(يمين الله ملأى لا يَغِيضُهَا نفقة،سَحَّاء الليل والنهار،أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِض ما في يمينه، والقِسْط بيده الأخرى، يرفع ويخفض إلى يوم القيامة) رواه مسلم في صحيحه؛ والبخاري فيما أظن [قوله: لا يغِيضُها ـ أي:لا ينقصها].
وفي الصحيح ـ أيضًا ـ عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم بيده خُبْزَتَه في السفر) [قوله: (خُبْزَة واحدة يتكفّؤها الجبار بيده): الخُبزة: الطُّلمة، وهي عجين يوضع في الرماد الحار حتى ينضج. ويتكفؤها الجبار بيده،أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوى، والمعنى: أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم،ويكون ذلك طعامًا نزلاً لأهل الجنة. انظر:القاموس،مادة ـ خبزـ وتعليق الشيخ عبد الباقي].
وفي الصحيح ـ أيضًا عن ابن عمر، يحكى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأخذ الرب ـ عز وجل ـ سمواته وأرضه بيديه ـ وجعل يقبض يديه ويبسطهما ـ ويقول: أنا الرحمن) حتى نظرت إلى المنبر يتحرك أسفل منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ؟ وفي رواية: أنه قرأ هذه الآية على المنبر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر:67]، قال:(يقول: أنا الله، أنا الجبار) وذكره. وفي الصحيح ـ أيضًا ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)، وما يوافق هذا من حديث الحبر.
وفي حديث صحيح:(إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته)، وفي الصحيح: (إن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق: إن رحمتي تغلب غضبي).
وفي الصحيح: أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، وقد قال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه. وفي حديث آخر: أنه قال ـ سبحانه ـ: (وعزتي وجلالي، لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان)،وفي حديث آخر في السنن: (لما خلق الله آدم ومسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون).
فذكرت له هذه الأحاديث وغيرها، ثم قلت له: هل تقبل هذه الأحاديث تأويلاً، أم هي نصوص قاطعة؟ وهذه أحاديث تلقتها الأمة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير. فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق.
فهذا الذي أشرت إليه ـ أحسن الله إليك ـ أن أكتبه.
وهذا باب واسع، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور:40]، و{مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [الكهف:17].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى المحمدين، وأبي زكريا، وأبي البقاء عبد المجيد، وأهل البيت ومن تعرفونه من أهل المدينة وسائر أهل البلدة الطيبة.
وإن كنتم تعرفون للمدينة كتابًا يتضمن أخبارها، كما صنف أخبار مكة. فلعل تعرفونا به.
والحمد لله رب العالمين،وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.