أبو عبد الرحمان يوسف قهرار
04-02-2009, 06:29 PM
توجيهات إلى بعض شباب الجزائر الحائر، وتوجيه للذي أكثر علينا بالأسئلة ليلا ونهارا
التوجيه الأول
إنّ الحمد لله، نحمد لله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ من الله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران 102].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء:1].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلّ محدثة بدعةٌ، وكلّ بدعة ضلالةٌ، وكلّ ضلالة في النار.
لقد تواردت علينا الأسئلة على الهاتف في هذه الآونة الأخيرة من بعض السائلين من شرق الجزائر وجنوبها، مفادها أن بعض الشباب ممن ينتحل المنهج السلفي في الظاهر للتدليس على الخلق يطلق عبارات خطيرة فحواها أن الدول العربية كلها كافرة، وأن حكام العرب وقعوا في الكفر، وينشر شبه التكفريين في أوساط الناسكين، ليدفعهم إلى الخروج واللحاق بالركب الهالك، ويزين للغافلين سعير الفتن التي تعربد من تحت أقدام العراقيين، هذا إذا لم يدفعهم للرمي بأنفسهم في بركان النار الذي أتت حممه على أهل العراق ومن جاورهم.
فأحببت من خلال هذا المنبر أن أوجه رسالة عاجلة وعلى عجالة، وبسط النصح يأتي إن شاء الله في موسوعتي (الأمن وحاجة البشرية إليه في عبادتها لربها ونمو اقتصادها وطرق المحافظة عليه)، والجزء الأول منها على أبواب الطبع إن شاء الله-،أن أسدل توجيها للذين يلقون السمع هم عاقلون، وتبصرة للذين انطلت عليهم زخاريف المرضى وعشاق قناة الزوراء، بعدما لمست سكوت كثير من الدعاة عن نقض خراب الخوارج وخمج العقلانيين، ورأيت نشاط رؤوس الفكر المنحرف وظلالهم منتشرا بشكل ملفت للانتباه، وبدأت بدعهم تسوّق في المكتبات على حين غفلة من رقابة أهل الحق وحماة العقيدة.
وأرتأيت أن يكون الجواب على شكل حوار وسؤال تقريبا للفهم، ودفعا للتوهم والاضطراب.
أولا: سألت الشباب الحيارى الذين تأذوا من فحيح من تأثر بشبه الخوار، ما هي منزلة الذين يقولون: الدول العربية كلها كافرة؟
فكان الجواب: يا شيخ هم شباب حديثو العهد بالاستقامة.
*أولا: اعلموا يا أبناء الأمة رعاكم الله من شرّ أنفسكم وأعدائكم أن الذي يجوز له شرعا وعقلا الخوض في كبرى قضايا الأمة من خوف وأمن وجهاد وهدنة وحوار بين الأديان هم العلماء، لنصوص الكتابة والسنة الغراء.
قال تعالى في سورة النساء: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسير هذه الآية: (فيه نهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، وفيه الأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه أم لا فيحجم )، وقال: (ينبغي للعِباد إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك، وإن رأوا ما فيه مصلحة، أو فيه مصلحة لكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه).
وقال الله تعالى في سورة النحل: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون)).
ولما ذكر شيخ الإسلام أمر قتال أبي بكر الصديق للمرتدين ولمسيلمة الكذاب ثم تعرض لقتال البغاة والخوارج وما حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما قال في مجموع الفتاوى: (وفي الجملة البحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم)
وقال الشاطبي في الاعتصام: (فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا)
وقال كذلك رحمه الله في الموافقات: (النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يَحْكُم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا: لمصلحة فيه تُسْتجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصِد فيه، وقد يكون غير مشروع: لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك).
ولأجل هذه المعاني الزكية التي لا يدركها كثير من أبنائنا عشاق قناة الزوراء قرر علماء أهل السنة والجماعة أن الفتوى تقدر زمانا ومكانا، ولا يحصل هذا التقدير إلا باعتبار المآلات والآثار، ولذا عقد ابن القيم فصلا في تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان في كتابه العظيم (إعلام الموقعين )، ويشهد لهذه القواعد التي عجزت عقول أبنائنا عن إدراكها لتشبعها بفكر التمر والتحرر على طريقة (شيكي فارا) امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع أنه يعلم كثيرا منهم ويعلم استحقاقهم للقتل، وكان يقول: ((أخاف أن يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه)، وترك هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام، وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: (لولا حدثان قومك بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم...)، وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه فقال: ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ قال: " لا إلا النار" فلما ذهب السائل قيل لابن عباس: أهكذا تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة. قال: " إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا( فلما تبعوه وحققوا في الأمر وجدوه كذلك)
ومن تحققت فيه هذه الصفات العزيزة، التي هي غائبة قطعا عن أبنائنا الخائضين في كبرى قضايا الأمة نسميه كما سماه الشاطبي في الموافقات ربانيا وراسخا في العلم وعاقلا وفقيها لأنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات، وغيره يجيب عن السؤال ولا يبالي بالمآل)
ومن أعظم المقاصد في الشريعة الغراء: تحقيق الجماعة الألفة وإعزاز الدين وتقوية المسلمين، كما أن من المآلات الوخيمة، والآثار المهلكة: حصول الفرقة وتوهين المسلمين وإشاعة الفتن
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى كما في الدرر السنية: (ومن عرف القواعد الشرعية عرف ضرورة الناس وحاجتهم في أمر دينهم ودنياهم إلى الإمامة والجماعة)
والعمل والقول لا يحصل معه إعزاز للدين، ونصرة للمستضعفين، وتحرير للأوطان من أيدي الغاصبين إلا إذا كان موافقا للسنة، سائرا على وفق فعل السلف، ومبنيا على كلام الراسخين الربانيين الذين نظروا في المآلات قبل الجواب عن السؤالات
ولأجل العودة إلى أهل العلم صدقا في النوازل، والاستنارة بتأصيلهم في قضايا التكفير والجهاد؛ أرجو من أبنائنا أن يتأملوا كلام ابن مسعود رضي لله عنه بعقول واعية: (لا يزالا الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ومن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا).
إنّ الهلكة وصولة الأعداء من أمريكان وغيرهم تتمكن من رقاب المسلمين حين يتقدم حدثاء الأسنان، وشباب 2000 ميلادية، ويتكلمون في مسائل خطيرة لو اجتمع لها أهل بدر لحاروا في أمرها
ما بكم يا شباب الأمة كلما ظهرت فقاعة هزت كيانكم، وشوشت عقولكم، وأدخلتكم مربع الحيرة والسؤال؟.
يا أبناء الجزائر إذا التبست عليكم الأمور في أي مسألة وبدا لكم أن الناس تفرقوا فيها إلى مذاهب وفرق، كل يدعي أن الحق معه، ولم تدركوا أين الصواب والحق فيها فعليكم بالعتيق، وعليكم بالجماعة قبل أن تفسد، كما قال جمع من السلف، وقد نقل ابن قيم الجوزية في الإعلام عن نعيم بن حماد قوله: "إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ)
والجماعة في هذا العصر يمثلها علماء أهل السنة والجماعة، فهل سمعتم عن أحد منهم أنه يكفر نصف الكرة الأرضية!!.
وهل ثبت عندكم عن علمائنا الذين عاصرنهم من قريب كالعلامة الألباني، والعلامة ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، والعلامة مقبل، وغيرهم من أهل السنة يطلقون التكفير بالجملة على بني البشر؟!!
وبعد هذا التوضيح الموجز وأن الذي يحق له الكلام في كبرى القضايا هم العلماء لا شبابا بعضهم يبيع السواك في الأسواق، والثاني نجار لا يفقه القرآن، والثالث مطرود من المدرسة لأخلاقه السيئة، والرابع ميكانكي يئس من الدنيا، والخامس عنده مشاكل مالية فأرد التخفيف عن نفسه بتكفير الناس والانتقام منهم؛ فاحذروا من هذه الأصناف، ومن أصحاب الأسرار والدهاليز، فقد قال الفقيه الراشد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - حيث قال: (إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة)
إن الذي يقدم قوله يا أبناءنا في باب المصالح والمفاسد هم أهل العلم النبلاء لا قول كُسَيْر وعُوَيِر وثالثٍ ما فيه خير.
قال الشاطبي في الموافقات: (فإذا أُطلق القول في الأول بالمشروعية؛ فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة، أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أُطلق القول في الثاني بعدم المشروعية؛ ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصلح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صَعْبُ المورد، إلا أنه عَذْبُ المذاق، محمود الغِبّ، جارٍ على مقاصد الشريعة )
وقال ابن القيم رحمه الله في الإعلام- رحمه الله تعالى - : ((وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده؛ وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة - بحسب الإمكان - وإن تزاحمتْ؛ قُدِّم أهمها وأجلها، وإن فاتت أدناها، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة - بحسب الإمكان - وإن تزاحمتْ؛ عُطِّل أعظمها فسادًا باحتمال أدناها، وعلى هذا وَضَعَ أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه، شاهدةً له بكمال علمه، وحكمته، ولطفه بعباده، وإحسانه إليهم، وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة، وارتضاع من ثديها، وَوُرُودٌ من صَفْو حوضها، وكلما كان تضلعه منها أعظم؛ كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل، ولا يمكن أحد من الفقهاء أن يتكلم في مآخذ الأحكام، وعللها، والأوصاف المؤثرة فيها حقًّا وفرْقًا إلا على هذه الطريقة )) قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ((والعقل عقلان: عقل غريزة، وهو أبو العِلْم، ومُرَبِّيه، ومُثْمِرُه، وعقل مُكتسَبٌ مستفاد، وهو وَلَدُ العلم، وثمرته، ونتيجته، فإذا اجتمعا في العبد؛ فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واستقام له أمره، وأقبلتْ عليه جيوش السعادة من كل جانب، وإذا فقدهما؛ فالحيوان البهيم أحسن حالًا منه، وإذا انفردا؛ نقص الرجل بنقصان أحدهما... ))
أقف عند هذا الحد ويأتي التوجيه الثاني قريبا إن شاء الله
وكتبه : أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري
التوجيه الأول
إنّ الحمد لله، نحمد لله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ من الله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران 102].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء:1].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلّ محدثة بدعةٌ، وكلّ بدعة ضلالةٌ، وكلّ ضلالة في النار.
لقد تواردت علينا الأسئلة على الهاتف في هذه الآونة الأخيرة من بعض السائلين من شرق الجزائر وجنوبها، مفادها أن بعض الشباب ممن ينتحل المنهج السلفي في الظاهر للتدليس على الخلق يطلق عبارات خطيرة فحواها أن الدول العربية كلها كافرة، وأن حكام العرب وقعوا في الكفر، وينشر شبه التكفريين في أوساط الناسكين، ليدفعهم إلى الخروج واللحاق بالركب الهالك، ويزين للغافلين سعير الفتن التي تعربد من تحت أقدام العراقيين، هذا إذا لم يدفعهم للرمي بأنفسهم في بركان النار الذي أتت حممه على أهل العراق ومن جاورهم.
فأحببت من خلال هذا المنبر أن أوجه رسالة عاجلة وعلى عجالة، وبسط النصح يأتي إن شاء الله في موسوعتي (الأمن وحاجة البشرية إليه في عبادتها لربها ونمو اقتصادها وطرق المحافظة عليه)، والجزء الأول منها على أبواب الطبع إن شاء الله-،أن أسدل توجيها للذين يلقون السمع هم عاقلون، وتبصرة للذين انطلت عليهم زخاريف المرضى وعشاق قناة الزوراء، بعدما لمست سكوت كثير من الدعاة عن نقض خراب الخوارج وخمج العقلانيين، ورأيت نشاط رؤوس الفكر المنحرف وظلالهم منتشرا بشكل ملفت للانتباه، وبدأت بدعهم تسوّق في المكتبات على حين غفلة من رقابة أهل الحق وحماة العقيدة.
وأرتأيت أن يكون الجواب على شكل حوار وسؤال تقريبا للفهم، ودفعا للتوهم والاضطراب.
أولا: سألت الشباب الحيارى الذين تأذوا من فحيح من تأثر بشبه الخوار، ما هي منزلة الذين يقولون: الدول العربية كلها كافرة؟
فكان الجواب: يا شيخ هم شباب حديثو العهد بالاستقامة.
*أولا: اعلموا يا أبناء الأمة رعاكم الله من شرّ أنفسكم وأعدائكم أن الذي يجوز له شرعا وعقلا الخوض في كبرى قضايا الأمة من خوف وأمن وجهاد وهدنة وحوار بين الأديان هم العلماء، لنصوص الكتابة والسنة الغراء.
قال تعالى في سورة النساء: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً).
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسير هذه الآية: (فيه نهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، وفيه الأمر بالتأمل قبل الكلام، والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه أم لا فيحجم )، وقال: (ينبغي للعِباد إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك، وإن رأوا ما فيه مصلحة، أو فيه مصلحة لكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه).
وقال الله تعالى في سورة النحل: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون)).
ولما ذكر شيخ الإسلام أمر قتال أبي بكر الصديق للمرتدين ولمسيلمة الكذاب ثم تعرض لقتال البغاة والخوارج وما حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما قال في مجموع الفتاوى: (وفي الجملة البحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم)
وقال الشاطبي في الاعتصام: (فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا)
وقال كذلك رحمه الله في الموافقات: (النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يَحْكُم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا: لمصلحة فيه تُسْتجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصِد فيه، وقد يكون غير مشروع: لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك).
ولأجل هذه المعاني الزكية التي لا يدركها كثير من أبنائنا عشاق قناة الزوراء قرر علماء أهل السنة والجماعة أن الفتوى تقدر زمانا ومكانا، ولا يحصل هذا التقدير إلا باعتبار المآلات والآثار، ولذا عقد ابن القيم فصلا في تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان في كتابه العظيم (إعلام الموقعين )، ويشهد لهذه القواعد التي عجزت عقول أبنائنا عن إدراكها لتشبعها بفكر التمر والتحرر على طريقة (شيكي فارا) امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع أنه يعلم كثيرا منهم ويعلم استحقاقهم للقتل، وكان يقول: ((أخاف أن يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه)، وترك هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام، وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: (لولا حدثان قومك بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم...)، وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه فقال: ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة؟ قال: " لا إلا النار" فلما ذهب السائل قيل لابن عباس: أهكذا تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة. قال: " إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا( فلما تبعوه وحققوا في الأمر وجدوه كذلك)
ومن تحققت فيه هذه الصفات العزيزة، التي هي غائبة قطعا عن أبنائنا الخائضين في كبرى قضايا الأمة نسميه كما سماه الشاطبي في الموافقات ربانيا وراسخا في العلم وعاقلا وفقيها لأنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات، وغيره يجيب عن السؤال ولا يبالي بالمآل)
ومن أعظم المقاصد في الشريعة الغراء: تحقيق الجماعة الألفة وإعزاز الدين وتقوية المسلمين، كما أن من المآلات الوخيمة، والآثار المهلكة: حصول الفرقة وتوهين المسلمين وإشاعة الفتن
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى كما في الدرر السنية: (ومن عرف القواعد الشرعية عرف ضرورة الناس وحاجتهم في أمر دينهم ودنياهم إلى الإمامة والجماعة)
والعمل والقول لا يحصل معه إعزاز للدين، ونصرة للمستضعفين، وتحرير للأوطان من أيدي الغاصبين إلا إذا كان موافقا للسنة، سائرا على وفق فعل السلف، ومبنيا على كلام الراسخين الربانيين الذين نظروا في المآلات قبل الجواب عن السؤالات
ولأجل العودة إلى أهل العلم صدقا في النوازل، والاستنارة بتأصيلهم في قضايا التكفير والجهاد؛ أرجو من أبنائنا أن يتأملوا كلام ابن مسعود رضي لله عنه بعقول واعية: (لا يزالا الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ومن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا).
إنّ الهلكة وصولة الأعداء من أمريكان وغيرهم تتمكن من رقاب المسلمين حين يتقدم حدثاء الأسنان، وشباب 2000 ميلادية، ويتكلمون في مسائل خطيرة لو اجتمع لها أهل بدر لحاروا في أمرها
ما بكم يا شباب الأمة كلما ظهرت فقاعة هزت كيانكم، وشوشت عقولكم، وأدخلتكم مربع الحيرة والسؤال؟.
يا أبناء الجزائر إذا التبست عليكم الأمور في أي مسألة وبدا لكم أن الناس تفرقوا فيها إلى مذاهب وفرق، كل يدعي أن الحق معه، ولم تدركوا أين الصواب والحق فيها فعليكم بالعتيق، وعليكم بالجماعة قبل أن تفسد، كما قال جمع من السلف، وقد نقل ابن قيم الجوزية في الإعلام عن نعيم بن حماد قوله: "إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ)
والجماعة في هذا العصر يمثلها علماء أهل السنة والجماعة، فهل سمعتم عن أحد منهم أنه يكفر نصف الكرة الأرضية!!.
وهل ثبت عندكم عن علمائنا الذين عاصرنهم من قريب كالعلامة الألباني، والعلامة ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، والعلامة مقبل، وغيرهم من أهل السنة يطلقون التكفير بالجملة على بني البشر؟!!
وبعد هذا التوضيح الموجز وأن الذي يحق له الكلام في كبرى القضايا هم العلماء لا شبابا بعضهم يبيع السواك في الأسواق، والثاني نجار لا يفقه القرآن، والثالث مطرود من المدرسة لأخلاقه السيئة، والرابع ميكانكي يئس من الدنيا، والخامس عنده مشاكل مالية فأرد التخفيف عن نفسه بتكفير الناس والانتقام منهم؛ فاحذروا من هذه الأصناف، ومن أصحاب الأسرار والدهاليز، فقد قال الفقيه الراشد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - حيث قال: (إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة)
إن الذي يقدم قوله يا أبناءنا في باب المصالح والمفاسد هم أهل العلم النبلاء لا قول كُسَيْر وعُوَيِر وثالثٍ ما فيه خير.
قال الشاطبي في الموافقات: (فإذا أُطلق القول في الأول بالمشروعية؛ فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة، أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أُطلق القول في الثاني بعدم المشروعية؛ ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصلح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صَعْبُ المورد، إلا أنه عَذْبُ المذاق، محمود الغِبّ، جارٍ على مقاصد الشريعة )
وقال ابن القيم رحمه الله في الإعلام- رحمه الله تعالى - : ((وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده؛ وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة - بحسب الإمكان - وإن تزاحمتْ؛ قُدِّم أهمها وأجلها، وإن فاتت أدناها، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة - بحسب الإمكان - وإن تزاحمتْ؛ عُطِّل أعظمها فسادًا باحتمال أدناها، وعلى هذا وَضَعَ أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه، شاهدةً له بكمال علمه، وحكمته، ولطفه بعباده، وإحسانه إليهم، وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة، وارتضاع من ثديها، وَوُرُودٌ من صَفْو حوضها، وكلما كان تضلعه منها أعظم؛ كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل، ولا يمكن أحد من الفقهاء أن يتكلم في مآخذ الأحكام، وعللها، والأوصاف المؤثرة فيها حقًّا وفرْقًا إلا على هذه الطريقة )) قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ((والعقل عقلان: عقل غريزة، وهو أبو العِلْم، ومُرَبِّيه، ومُثْمِرُه، وعقل مُكتسَبٌ مستفاد، وهو وَلَدُ العلم، وثمرته، ونتيجته، فإذا اجتمعا في العبد؛ فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واستقام له أمره، وأقبلتْ عليه جيوش السعادة من كل جانب، وإذا فقدهما؛ فالحيوان البهيم أحسن حالًا منه، وإذا انفردا؛ نقص الرجل بنقصان أحدهما... ))
أقف عند هذا الحد ويأتي التوجيه الثاني قريبا إن شاء الله
وكتبه : أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري