المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على من يقول : التفسير بالمأثور هو اجتهاد ورأي، إلا تفسير النبي عليه الصلاة والسلام للشيخ محمد بن عمر بازمول


أبو طيبة محمد مبخوت
01-08-2010, 04:32 PM
الرد على من يرى أن التفسير بالمأثور فيه من التفسير بالرأي


من التفسير بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن، وهو على أقسام؛
إمّا أن يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإمّا أن يرد عن الصحابة رضي اله عنهم.
وإمّا أن يرد عن غير الصحابي فهذا على أحوال؛
أن تدل الآيات على معنى صحيح في نفسه مطابق للآية المراد تفسيرها.
أن تدل الآيات على معنى صحيح في نفسه يدخل ضمنا في معنى الآية المراد تفسيرها.
أن تدل الآيات على معنى صحيح في نفسه من لازم الآية المراد تفسيرها.
أن تدل الآيات على معنى لا علاقة له أصلاً بمعنى الآية المراد تفسيرها.
وهذه الأقسام تدل على أن الهجوم بنسبة التفسير بالمأثور إلى الاجتهاد والرأي بدون تفصيل متعقب؛ لأنه - وإن كان بنظر المفسر وما يستخرجه من الآيات - إنما يصدق على القسم الثالث؛ وهو في جميع أحواله مقبول، ويعتبر من المأثور، إلا في الحال الرابع، وهو فيها بعيد الحصول من أهل العلم!
ومثل هذه الأقسام تدخل في تفسير القرآن بالحديث.
ولأضرب مثالين أحدهما على تفسير القرآن بالقرآن، والآخر على تفسير القرآن بالسنة؛
المثال الأول:
قول الله تعالى: ]قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا[ (سورة الفرقان:77).
قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان عند تفسير هذه الآية: "العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، يقولون: ما عبأت بفلان: أي ما باليت به، ولا أكترثت به: أي ما كان له عندي وزن، ولا قدر يستوجب الاكتراث، والمبالاة به، وأصله من العبء، وهو الثقل ومنه قول أبي زيد يصف أسداً :
كان بنحره وبمنكبيه ... عبيراً بات يعبؤه عروس
وقوله : يعبؤه : أي يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به واكتراثه به.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن كلام أهل التفسير في هذه الآية الكريمة، يدور على أربعة أقوال :
واعلم أولاً : أن العلماء اختلفوا في المصدر في قوله : ]لولا دعاؤكم[، هل هو مضاف إلى فاعله، أو إلى مفعوله، وعلى أنه مضاف إلى فاعله فالمخاطبون بالآية، داعون لا مدعوون: أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له.
وأما على أن المصدر مضاف إلى مفعوله فالمخاطبون بالآية، مدعوون، لا داعون : أي ما يعبؤ بكم ، لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده ، وعبادته على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام .
واعلم أيضاً أن ثلاثة من الأقوال الأربعة المذكورة في الآية مبنية على كون المصدر فيها مضافاً إلى فاعله. والرابع : مبني على كونه مضافاً إلى مفعوله .
أما الأقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافاً إلى فاعله؛
فالأول منها أن المعنى : ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم : أي عبادتكم له وحده جل وعلا ، وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين ثم أفرد الكافرين دون المؤمنين بقوله : ]فَقَدْ كَذَّبْتُمْ[ الآية.
والثاني منها : أن المعنى : لولا دعاؤكم أيها الكفار له وحده عند الشدائد والكروب : أي ولو كنتم ترجعون إلى شرككم ، إذا كشف الضر عنكم.
والثالث : أن المعنى ما يعبؤ بكم ربي : أي ما يصنع بعذابكم ، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى ، ولا يخفى بعد هذا القول ، وأن فيه تقدير ما لا دليل عليه ، ولا حاجة إليه .
أما القول الرابع المبني على أن المصدر في الآية ، مضاف إلى مفعوله فهو ظاهر: أي ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم إياكم على ألسنة رسله .
وإذا عرفت هذه الأقوال؛ فاعلم أن كل واحد منها، قد دل عليه قرآن وسنبين هنا إن شاء الله تعالى دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا أنه أرجحها.
أما هذا القول الأخير المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله، وأن المعنى : ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم إياكم إلى الإيمان به، وتوحيده ، وعبادته على ألسنة رسله ، فقد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى في أول سورة هود : ]وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[ ( هود : 7) وقوله تعالى في أول سورة الكهف : ]إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً[ (الكهف : 7)، وقوله في أول سورة الملك : ]الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[ (الملك : 2).
فهذه الآيات قد أوضحت أن الحكمة في خلقه السماوات والأرض، وجميع ما على الأرض والموت والحياة، هي أن يدعوهم على ألسنة رسله، ويبتليهم أي أن يختبرهم أيهم أحسن عملاً. وهذه الآيات تبين معنى قوله تعالى : ]وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ[ (الذاريات : 56).
وفي هذه الآيات إيضاح لأن معنى قوله : لولا دعاؤكم : أي دعاؤه إياكم على ألسنة رسله، وابتلاؤكم أيكم أحسن عملاً، وعلى هذا فلا إشكال في قوله: ]فقد كذبتم[ : أي ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم : أي وقد دعاكم فكذبتم، وهذا القول هو وحده الذي لا إشكال فيه . فهو قوي بدلالة الآيات المذكورة عليه .
وأما القول بأن معنى : ]لولا دعاؤكم[: أي إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار عند الشدائد، والكروب، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى : ]فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ[ (العنكبوت : 65) وقوله تعالى : ]جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين[ (يونس : 22).
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى : ]وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ[ (الإسراء : 67) الآية ، وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة ، فلا يظهر كونه هو معنى آية الفرقان هذه .
أما القول بأن المعنى : ما يصنع بعذابكم ، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، فقد دل على معناه قوله تعالى : ]مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ[ (النساء : 147) الآية .
والقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلاً، وهو أن المعنى : لولا دعاؤكم: أي عبادتكم له وحده ، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعطيه الله لمن أطاعه، وما أعده لمن عصاه، وكثرتها معلومة لا خفاء بها .
واعلم أن لفظه ما ، في قوله : ]قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي[ قال بعض أهل العلم : هي استفهامية . وقال بعضهم : هي نافية وكلاهما له وجه من النظر."اهـ
المثال الثاني:
قوله تعالى : ]إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما[ (الفرقان : 70).
قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/301-304): "وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح وهو حقيقة التوبة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت النبي فرح بشيء قط فرحه بهذه الآية لما أنزلت وفرحه بنزول ]إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر[ (الفتح : 12).
واختلفوا في صفة هذا التبديل، وهل هو في الدنيا أو في الآخرة؟ على قولين:
فقال ابن عباس وأصحابه : هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها فبدلهم بالشرك إيمانا وبالزنا عفة وإحصانا وبالكذب صدقا وبالخيانة أمانة؛ فعلى هذا معنى الآية : أن صفاتهم القبيحة وأعمالهم السيئة عوضها صفات جميلة وأعمالا صالحة كما يبدل المريض بالمرض صحة والمبتلى ببلائه عافية.
وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين : هو تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة فيعطيهم مكان كل سيئة حسنة واحتج أصحاب هذا القول بما روى الترمذى في جامعه : حدثنا الحسين بن حريث قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال : قال رسول الله : "إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها فيقال : عملت يوم كذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقال : أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة فيقول : إن لي ذنوبا ما أراها ههنا قال أبو ذر فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه".
فهذا حديث صحيح؛ ولكن في الاستدلال به على صحة هذا القول نظر؛ فإن هذا قد عذب بسيئاته ودخل بها النار ثم بعد ذلك أخرج منها وأعطي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداء بعدد ذنوبه وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات، إذ ولو كان كذلك لما عوقب عليها كما لم يعاقب التائب والكلام إنما هو في تائب أثبت له مكان كل سيئة حسنة فزادت حسناته فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟!
والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول وقد علمت ما فيه؛
لكن للسلف غور ودقة فهم لا يدركها كثير من المتأخرين، فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدة إذا عرفت عرف لطف الاستدلال به ودقته:
وهي أن الذنب لا بد له من أثر وأثره يرتفع؛
بالتوبة تارة .
وبالحسنات الماحية تارة .
وبالمصائب المكفرة تارة .
وبدخول النار ليتخلص من أثره تارة.
وكذلك إذا اشتد أثره ولم تقو تلك الأمور على محوه فلا بد إذا من دخول النار لأن الجنة لا يكون فيها ذرة من الخبيث، ولا يدخلها إلا من طاب من كل وجه فإذا بقي عليه شيء من خبث الذنوب أدخل كير الامتحان ليخلص ذهب إيمانه من خبثه فيصلح حينئذ لدار الملك.
إذا علم هذا؛ فزوال موجب الذنب وأثره؛
تارة يكون بالتوبة النصوح وهي أقوى الأسباب.
وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار فإذا تطهر بالنار وزال أثر الوسخ والخبث عنه أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطهر بالتوبة النصوح وزال عنه بها أثر وسخ الذنوب وخبثها كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة، لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار وأحب إلى الله وإزالة النار بدل منها وهي الأصل فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول؛
يوضحه أن التائب قد بدل كل سيئة حسنه بندمه عليها إذ هو توبة تلك السيئة والندم توبة والتوبة من كل ذنب حسنة فصار كل ذنب عمله زائلا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار فتأمله فإنه من ألطف الوجوه.
وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة.
وقد تكون دونها وقد تكون فوقها. وهذا بحسب نصح هذه التوبة وصدق التائب فيها وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزيد مصلحته ونفعه على مفسدة تلك السيئة وهذا من أسرار مسائل التوبة ولطائفها؛
يوضحه أن ذنب العارف بالله وبأمره قد يترتب عليه حسنات أكبر منه وأكثر وأعظم نفعا وأحب إلى الله من عصمته من ذلك الذنب : من ذل وانكسار وخشية وإنابة وندم وتدارك بمراغمة العدو بحسنة أو حسنات أعظم منه حتى يقول الشيطان : يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه ويندم الشيطان على إيقاعه في الذنب كندامة فاعله على ارتكابه لكن شتان ما بين الندمين والله تعالى يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظه، و هذا من أسرار العبودية، فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة والتدارك وحصول محبوب الله تعالى من التوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال هنا؛ ما يوجب جعل مكان السيئة حسنة بل حسنات.
وتأمل قوله في الآية: ]يبدل الله سيئاتهم حسنات[ (الفرقان : 70) ولم يقل مكان كل واحدة واحدة فهذا يجوز أن يبدل السيئة الواحدة بعدة حسنات بحسب حال المبدل.
وأما في الحديث : فإن الذي عذب على ذنوبه لم يبدلها في الدنيا بحسنات من التوبة النصوح وتوابعها فلم يكن له ما يجعل مكان السيئة حسنات فأعطي مكان كل سيئة حسنة واحدة وسكت النبي عن كبار ذنوبه ولما انتهى إليها ضحك ولم يبين ما يفعل الله بها وأخبر أن الله يبدل مكان كل صغيرة حسنة؛ ولكن في الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذا التبديل يعم كبارها وصغارها من وجهين:
أحدهما : قوله : "أخبئوا عنه كبارها"، فهذا إشعار بأنه إذا رأى تبديل الصغائر ذكرها وطمع في تبديلها فيكون تبديلها أعظم موقعا عنده من تبديل الصغائر، وهو به أشد فرحا واغتباطا.
والثانى : ضحك النبي عند ذكر ذلك وهذا الضحك مشعر بالتعجب مما يفعل به من الإحسان وما يقر به على نفسه من الذنوب من غير أن يقرر عليها ولا يسأل عنها وإنما عرضت عليه الصغائر فتبارك الله رب العالمين وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين البر اللطيف المتودد إلى عباده بأنواع الإحسان وإيصاله إليهم من كل طريق بكل نوع لا إله إلا هو الرحمن الرحيم"اهـ
تنبيه :
رأيت بعضهم، يعد قولاً واردا عن بعض السلف من باب تفسير القرآن بالقرآن، ومن ثمّ يرده على أنه اجتهاد، والملحوظة التي أسجلها هي: أنه ينبغي التنبه إلى ما يصح عدّه من باب تفسير القرآن بالقرآن وما لا يصح، فإن هذا من الأمور المهمة، إذ بعض الأقوال هي اجتهاد محض، ويعدها بعضهم من المأثور، ولا يجد مندوحة عن أن يقول أن التفسير بالمأثور اجتهاد، ويرده!
المصدر :

http://www.uqu.edu.sa/page/ar/71472

أبو عبد المحسن زهير بن عبد الكريم التلمساني
01-09-2010, 05:54 PM
جزاك الله خيرا وأحسنت في هذا النقل أحسن الله اليك، موضوع جد جد مهم أخي أبا طيبة، إتضح الأمر إن شاء الله