المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم الذهب المحلق


ام عبد الرحمن الاثرية
04-20-2010, 02:42 PM
حكم الذهب المحلق
من كتاب آداب الزفاف في السنةالمطهرة
للعلامة المحدث
محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله

6 - خاتم الخطبة

السادس : لبس بعض الرجال خاتم الذهب الذي يسمونه ب [ خاتم الخطبة ) ، فهذا مع ما فيه من تقليد الكفار أيضا - لأن هذه العادة سرت إليهم من النصارى) 1 ) -

( 1 ) ويرجع ذلك على عادة قديمة لهم ، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إبهام العروس اليسرى ، ويقول : باسم الأب ، ثم ينقله واضعا له على رأس السبابة ، ويقول : الابن ، ثم يضع على رأس الوسطى ، ويقول : الروح القدس ، وعندما يقول آمين يضعه أخيرا في البنصر حيث يستقر .

ففيه مخالفة صريحة لنصوص صحيحة تحرم خاتم الذهب على الرجال وعلى النساء أيضا كما ستعلمه ، وإليك بعض هذه النصوص :

أولا : [ نهى صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب ( 1 )
ثانيا : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل ، فنزعه فطرحه ، وقال :

( يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ؟ ) .

فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذ خاتمك وانتفع به ، قال : لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم)
( 1 ) رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم . . .

ثالثا عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر في يده خاتما من ذهب ، فجعل يقرعه بقضيب معه ، فلما غفل النبي صلى الله عليه وسلم ألقاه ، [ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يره في يده ]

( 1 ) رواه مسلم وابن حبان في " صحيحه " والطبراني وغيرهم . . .

والحديث نص في تحريم خاتم الذهب فما سيأتي عن أحمد رحمه الله أنه يكره فمحمول على كراهة التحريم .

وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا : " لعن الله لابسه " .

قال : ما أرانا إلا قد أوجعناك وأغرمناك ( 1 ) .

( 1 ) رواه النسائي وأحمد وابن سعد وأبو نعيم في أصبهان ورجاله ثقات رجال مسلم ، لكن النعمان سيء الحفظ ، أخرجه النسائي ، وقال :

" إنه أولى بالصواب " .

قلت : هو صحيح الإسناد مرسلا .

رابعا : عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على بعض أصحابه خاتما من ذهب ، فأعرض عنه ، فألقاه ، واتخذ خاتما من حديد ، فقال : هذا شر ، هذا حلية أهل النار ، فألقاه ، فاتخذ خاتما من ورق ( 1 ) فسكت عنه ( 2 ) . ( 1 ) أي : فضة .

( 2 ) حديث صحيح رواه أحمد . والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن .

والحديث صحيح ، فإن له في " المسند " طريقا أخرى عن ابن عمرو ، وفيه ضعف . وله شواهد .

خامسا : [ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرا ولا ذهبا ( 1 ) .

سادسا : [ من لبس الذهب من أمتي ، فمات وهو يلبسه حرم الله عليه ذهب الجنة ( 2 ) .

39 - تحريم خاتم الذهب ونحوه على النساء :

واعلم أن النساء يشتركن مع الرجال في تحريم خاتم الذهب عليهن ، ومثله السوار والطوق من الذهب

( 1 ) رواه أحمد عن أبي أمامة مرفوعا بسند حسن .

( 2 ) رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو مرفوعا بسند صحيح ، وقد تكلم عليه فضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على " المسند " فأجاد .

لأحاديث خاصة وردت فيهن ( 1 ) ، فيدخلن لذلك في بعض النصوص المطلقة التي لم تقيد بالرجال ، مثل الحديث الأول المتقدم آنفا ، وإليك الآن ما صح من الأحاديث المشار إليها :

الأول : [ من أحب أن يحلق حبيبه ( 2 ) بحلقة من نار فليحلقه حلقة ( 3 ) من ذهب ، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب ، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليطوقه طوقا ( وفي رواية : فليسوره سوارا ) من ذهب ، ولكن عليكم بالفضة ، فالعبوا بها

( 1 ) ويأتي بيان ما يباح لهن من الذهب .

( 2 ) فعيل بمعنى مفعول ، وهو يشمل الرجل والمرأة ، كما يقال : رجل قتيل وامرأة قتيل ، وهذا معلوم في اللغة ، وقد جاء في رواية : " حبيبته " بصيغة التأنيث في حديث أبي موسى الآتي الإشارة إليه قريبا إن شاء الله .

( 3 ) هو الخاتم لا فص له ، كذا في " النهاية " .

قلت : وقد توضع الحلقة في الأذن وتسمى حينئذ قرطا كما يأتي ، فالظاهر أن الحديث لا يشمله ، لكن رويت أحاديث تقتضي التحريم ، فيها ضعف ، فانظر ما يأتي ( ص 236 ) .

[ العبوا بها ، العبوا بها ] ) 1 )

( 1 ) أخرجه أبو داود ، وأحمد بسند جيد .

وهذا سند جيد رجاله ثقات رجال مسلم ، غير أسيد هذا فوثقه ابن حبان ، وروى عنه جماعة من الثقات ، وحسن له الترمذي في " الجنائز " وصحح له جماعة ، ولذا قال الذهبي والحافظ
" صدوق " .

الثاني : عن ثوبان رضي الله عنه قال :

( جاءت بنت هبيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يدها فتخ [ من ذهب ] [ أي خواتيم كبار ] ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضرب يدها [ بعصية معه يقول لها : أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار ؟ ] ، فأتت فاطمة تشكو إليها ، قال ثوبان : فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على فاطمة وأنا معه وقد أخذت من عنقها سلسلة من ذهب ، فقالت : هذا أهدى لي أبو حسن ( تعني زوجها عليا رضي الله عنه ) - وفي يدها السلسلة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس : فاطمة بنت محمد في يدها سلسلة من نار ؟ [ ثم عذمها ( 1 ) عذما شديدا ] ، فخرج ولم يقعد ، فعمدت فاطمة إلى السلسلة فباعتها فاشترت بها نسمة ، فأعتقتها ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار ( 2 )

( 1 ) أي : لامها وعنفها ، والعذم : الأخذ باللسان واللوم ، كذا في " اللسان " .

( 2 ) أخرجه النسائي والطيالسي ومن طريقه الحاكم والطبراني في " الكبير وكذا أحمد وإسناده

صحيح موصول وكذلك صححه ابن حزم وقال الحاكم : " صحيح على شرط الشيخين " . ووافقه الذهبي .

الثالث : عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في يد عائشة قلبين ملويين من ذهب ، فقال : ألقيهما عنك ، واجعلي قلبين من فضة ، وصفريها بزعفران ( 1 ) .

( 1 ) رواه القاسم السرقسطي في " غريب الحديث " بسند صحيح ، والنسائي والخطيب ، والبزار نحوه و( القلبين ) : السوارين . ( ملويين ) : مفتولين .

الرابع : عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :

( جعلت شعائر ( 1 ) من ذهب في رقبتها ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عنها ، فقلت : ألا تنظر إلى زينتها ، فقال : عن زينتك أعرض ، [ قالت : فقطعتها ، فأقبل علي بوجهه ] .

قال ( 2 ) : زعموا أنه قال : ما ضر إحداكن لو

( 1 ) جمع " شعيرة " وهي ضرب من الحلي على شكل الشعيرة .

( 2 ) يعني : الراوي ، وهو عطاء بن أبي رباح ، فإنه راوي الحديث عن أم سلمة ، وعليه فهذا القدر من الحديث مرسل ، لأنه لم يسنده إلى أم سلمة ، فهو ضعيف ، نعم أسنده ليث بن أبي سليم ، فقال : عن عطاء عن أم سلمة به نحه ، أخرجه أحمد ، والطبراني في " الكبير " ، غير أن ليثا فيه ضعف من قبل حفظه ، وعطاء لم يسمع منها ، لكن هذا القدر من الحديث صحيح أيضا لأنه مرسل صحيح الإسناد ، وقد روي موصولا كما علمت ، وله شاهدان موصولان من حديث أسماء وأبي هريرة كما يأتي .

جعلت خرصا ( 1 ) من ورق ، ثم جعلته بزعفران ( 2 ) .

( 1 ) الخرص بالضم والكسر : الحلقة الصغيرة من الحلي . وهو من حلي الأذن . " نهاية " .

( 2 ) أي : صفرته بزعفران .

والحديث رواه أحمد بسند صحيح على شرط الشيخين . وهو مرسل صحيح الإسناد .

وفي حديث أسماء بنت يزيد في قصة أخرى نحوه :

. زعفران ، فإذا هو كالذهب يبرق ( 1 )

( 1 ) أخرجه أحمد وأبو نعيم وابن عساكر . وهو شاهد حسن لما قبله .

وتتخذ لها جمانتين من فضة ، فتدرجه بين أناملها بشيء من

40 - شبهات حول تحريم الذهب المحلق ، وجوابها

واعلم أن كثيرا من علماء أعرضوا عن العمل بهذه الأحاديث لشبهات قامت لديهم ظنوها أدلة ، ولا يزال كثيرون منهم يتمسكون بها على أنها حجج تسوغ لهم ترك هذه الأحاديث ، ولذلك رأيت أنه لا بد من حكاية تلك الشبهات والرد عليها ، كي لا يغتر بها من لا علم عنده بطرق الجمع بين الأحاديث ، فيقع في مخالفة الأحاديث الصحيحة المحكمة ، بدون حجة أو بينة ، فأقول :

دعوى الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء ، وردها.

1 - ادعى بعضهم الإجماع على إباحة الذهب مطلقا للنساء ، وهذا مردود من وجوه :
الإجماع الصحيح :

الأول : أنه لا يمكن إثبات صحة الإجماع في هذه المسألة ، وإن نقله البيهقي في [ سننه ) ( 4/124 ) وغيره ، مثل الحافظ ابن حجر في [ الفتح ) ، ولكن هذا كأنه أشار لعدم ثبوته حين قال : ( 10/260 ) في بحث خاتم الذهب :

( فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء ) ، ويأتي قريبا ما يبطل هذا الإجماع ، وذلك لأنه لا يستطيع أحد أن يدعي أنه إجماع معلوم من الدين بالضرورة ، وغير هذا الإجماع مما لا يمكن تصوره ، فضلا عن وقوعه ، ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه :

( من ادعى الإجماع فهو كاذب ، [ وما يدريه ؟ ] ، لعل الناس اختلفوا ) .

رواه ابنه عبد الله في [ مسائله ) ( ص 390 ) .

وتفصيل القول في هذا الموضوع الخطير ليس هذا موضعه ، فليراجع من شاء التحقيق بعض كتب علم أصول الفقه التي لا يقلد مؤلفوها من قبلهم مثل : [ أصول الأحكام ) لابن حزم ( 4/128 - 144 ) ، و[ إرشاد الفحول ) للشوكاني ، ونحوهما .

استحالة وجود إجماع صحيح على خلاف حديث صحيح دون وجود ناسخ صحيح
الثاني : لو كان يمكن إثبات الإجماع في الجملة ، لكان ادعاؤه في خصوص هذه المسألة غير صحيح ، لأنه مناقض للسنة الصحيحة ، وهذا مما لا يمكن تصوره أيضا لأنه يلزم منه اجتماع الأمة على ضلال ، وهذا مستحيل لقوله صلى الله عليه وسلم : [ لا تجتمع أمتي على ضلالة ) ، ومثل هذا الإجماع لا وجود له إلا في الذهن والخيال ، ولا أصل له في الوجود والواقع ، قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في [ أصول الأحكام ) ( 2/71 - 72 ) :

( وقد أجاز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون الإجماع على خلافه ، قال : وذلك دليل على أنه منسوخ . وهذا عندنا خطأ فاحش متيقن لوجهين برهانيين ضروريين :

أحدهما : أن ورود حديث صحيح يكون الإجماع على خلافه معدوم لم يكن قط ، ولا هو في العالم ، فمن ادعى أنه موجود فليذكره لنا ، ولا سبيل له - والله - إلى وجوده أبدا .

والثاني : أن الله تعالى قد قال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، فمضمون عند كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن ما تكفل الله عز وجل بحفظه فهو غير ضائع أبدا ، لا يشك في ذلك مسلم ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم كله وحي بقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، والوحي ذكر بإجماع الأمة كلها .

والذكر محفوظ بالنص ، فكلامه عليه السلام محفوظ بحفظ الله تعالى عز وجل ضرورة ، منقول كله إلينا لا بد من ذلك ، فلو كان هذا الحديث الذي ادعى هذا القائل أنه مجمع على تركه ، وأنه منسوخ كما ذكر ، لكان ناسخه الذي اتفقوا عليه قد ضاع ولم يحفظ ، وهذا تكذيب لله عز وجل في أنه حافظ للذكر كله ، ولو كان ذلك لسقط كثير مما بلغ عليه السلام عن ربه ، وقد أبطل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله في حجة الوداع : اللهم هل بلغت ؟ ) . قال :

( ولسنا ننكر أن يكون حديث صحيح ، وآية صحيحة التلاوة منسوخين إما بحديث آخر صحيح ، ، وإما بآية متلوة ، ويكون الاتفاق على النسخ المذكور قد ثبت ، بل هو موجود عندنا إلا أننا نقول : لا بد أن يكون الناسخ لهما موجودا أيضا عندنا ، منقولا إلينا ، محفوظا عندنا ، مبلغا نحونا بلفظه ، قائم النص لدينا ، لا بد من ذلك ، وإنما الذي منعنا منه فهو أن يكون المنسوخ محفوظا منقولا مبلغا إلينا ، ويكون الناسخ له قد سقط ولم ينقل إلينا لفظه ، فهذا باطل عندنا ، لا سبيل إلى وجوده في العالم أبد الأبد ، لأنه معدوم البتة ، قد دخل - بأنه غير كائن - في باب المحال ، والممتنع عندنا ، وبالله تعالى التوفيق ) .

تقديم السنة على الإجماع الذي ليس معه كتاب أو سنة
وقال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى :

( ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة ، والسنة على الإجماع ، وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة . قال الشافعي : الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة ، وقال في [ كتاب اختلافه مع مالك ) :

( والعلم طبقات : الأولى الكتاب والسنة الثابتة ، ثم الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة . . . ) .

وقال ابن القيم أيضا في صدد بيان أصول فتاوى الإمام أحمد :
( ولم يكن ( يعني الإمام أحمد ) يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ، وكذلك الشافعي . . . ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف ، ولو ساغ لتعطلت النصوص ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص ( 1 ) .


قلت : وهذا ما فعله البعض هنا ، فقدموا ما زعموه إجماعا على النصوص المتقدمة ، مع أنه لا إجماع في ذلك ، وبيانه في الوجه التالي :

الثالث : أنه قد ثبت ما ينقض بالإجماع المزعوم ، وهو ما روى عبد الرزاق في [ المصنف ) ( 11 /70 /19935 ) ، وابن صاعد في [ حديثه ) ( 35/1 - وهو بخط الحافظ ابن عساكر ) ، وابن حزم ( 10/82 ) ، بسند صحيح عن محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول لابنته :

( 1 ) الأعلام : ( 1/32 - 33 ) .

( لا تلبسي الذهب إني أخشى عليك اللهب ) . وروى ابن عساكر ( 19/124/2 ) من طريقين آخرين أن ابنة لأبي هريرة قالت له : إن الجواري يعيرنني ، يقلن : إن أباك لا يحليك الذهب فقال :
قولي لهن : إني أبي لا يحليني الذهب يخشى علي من اللهب .

ورواه عبد الرزاق ( 19938 ) نحوه ، وعلقه البغوي في [ شرح السنة ) ( 3/ 210 / 82 ) ، وحكى الخلاف في هذه المسألة ، فإنه بعد أن ذكر إباحة خاتم الذهب للنساء وتحليهن به عند الأكثرين قال :
( وكره ذلك قوم ) .

ثم ساق حديث أسماء بنت يزيد المتقدم بعضه في المتن ( ص 236 ) وتمامه في التعليق ( 237 ) .
وما حكاه البغوي رحمه الله من الكراهة عن أولئك الذين أشار إليهم من العلماء ، فهي الكراهة التحريمية ، لأنه المعروف في اصطلاح السلف تبعا للأسلوب القرآني في عديد من الآيات الكريمة
كقوله تعالى : وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان .

وقد كنت شرحت هذه المسألة الهامة في كتابي : [ تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ) ( ص 48 - 55 ) ، وذكرت هناك بعض الأمثلة ، فلتراجع .

وبين أيدينا مثال آخر قريب المنال ، وهو ما تقدم في بحث ( خاتم الخطبة ) أن الإمام أحمد ، والإمام إسحاق بن راهويه كرها خاتم الذهب للرجال ، فهذه الكراهة للتحريم أيضا ، لتصريح الأحاديث المتقدمة هناك به ، وكذلك الأمر في تحريم خاتم الذهب على النساء لأن الأدلة صريحة أيضا ، فمن أطلق كراهته عليهن ، فإنما يعني الكراهة الشرعية ، وهي التحريم ، فتأمل منصفا .

وذكر ابن عبد الحكم في [ سيرة عمر بن عبد العزيز ) ( ص 163 ) أن ابنة عمر بعثت إليه بلؤلؤة وقالت له : إن رأيت أن تبعث لي بأخت لها حتى أجعلها في أذني ، فأرسل إليها ثم قال لها : إن استطعت أن تجعلي هاتين الجمرتين في أذنيك بعثت لك بأخت لها ومن الظاهر أن اللؤلؤة كانت محلاة بالذهب ، لأنها لا تقوم بنفسها ، ولا تحلى عادة إلا بها ، ويؤيد ذلك لفظة : [ الجمرتين ) ، فإنها مستوحاة من بعض أحاديث التحريم المتقدمة كحديث بنت هبيرة ، فثبت بطلان دعوى الإجماع في هذه المسألة .

دعوى نسخ الأحاديث المتقدمة ، وإبطالها

2 - وادعى آخرون نسخ هذه الأحاديث المحرمة بمثل قوله صلى الله عليه وسلم : [ أحل الذهب والحرير لإناث أمتي . . . ) ، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه ، وقد ذكرها الزيعلي في [ نصب الراية ) ( 4/222 - 225 ) ، ثم حققته في تخريج كتاب [ الحلال والحرام ) للأستاذ القرضاوي ( رقم 78 ) ، وهو ادعاء باطل ، لأن للنسخ شروطا كثيرة معروفة عند العلماء ( 1 ) منها أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا عن المنسوخ ، ومنها أن لا يمكن الجمع بينهما ، وهذان الشرطان منفيان هنا ، أما الأول فلأنه لا يعلم تأخر هذا الحديث المبيح عن
( 1 ) انظر مقدمة " الاعتبار " .

أحاديث التحريم ، وأما الثاني فلأن الجمع ممكن بسهولة بين الحديث المذكور وما في معناه ، وبين الأحاديث المتقدمة ، ذلك لأن الحديث مطلق ، وتلك مقيدة بالذهب الذي هو طوق أو سوار أو حلقة ، فهذا هو المحرم عليهن ، وما سوى ذلك من الذهب المقطع فهو المباح لهن ، وهو المراد بحديث حل الذهب لهن ، فهو مطلق مقيد بالأحاديث المشار إليها ، فلا تعارض وبالتالي فلا نسخ .

ولذلك لم نر أحدا ممن ألف في الناسخ والمنسوخ أورد الأحاديث المذكورة فيما هو منسوخ ،كالحافظ أبي الفرج ابن الجوزي في رسالة [ إخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ في الحديث ) ، والحافظ أبي بكر الحازمي في كتابه [ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ) ، وغيرهما ، بل قد أشار ابن الجوزي رحمه الله في مقدمة رسالته المشارة إليها إلى رد دعوى نسخ هذه الأحاديث ، فقال :

( أفردت في هذا الكتاب قدر ما صح نسخه أو احتمل ، وأعرضت عما لا وجه لنسخه ولا احتمال ، فمن سمع بخبر يدعى عليه النسخ وليس في هذا الكتاب ، فليعلم وهاء تلك الدعوى ، وقد تدبرته فإذا فيه أحد وعشرون حديثا ) .

بل قال المحقق ابن القيم في [ الأعلام ) ( 3/458 ) :
( إن النسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ، ولا شطرها )

قلت : ثم ساقها ، وليس فيها شيء من هذه الأحاديث السابقة ، فثبت ضعف ادعاء احتمال نسخها ، فكيف الجزم بنسخها ؟ وقد أشار لضعف دعوى النسخ ابن الأثير في [ النهاية ) ، بقوله تعليقا على حديث أسماء المشار إليه آنفا :

( قيل : كان هذا قبل النسخ ، فإنه قد ثبت إباحة الذهب للنساء ) .

فإن لفظة : [ قيل ) للتمريض كما هو معروف .

وقال العلامة صدر الدين علي بن علاء الحنفي بعد أن حكى كلام ابن الجوزي الآنف الذكر :

( وهذا هو الذي يشهد العقل بصدقه إذا سلم من الهوى ، وقد ادعى كثير من الفقهاء في كثير من السنة أنها منسوخة ، وذلك إما لعجزه عن الجمع بينها وبين ما يظن أنه يعارضها ، وإما لعدم علمه ببطلان ذلك المعارض ، وإما لتصحيح مذهبه ودفع ما يرد عليه من جهة مخالفة ، ولكن نجد غيره قد بين الصواب في ذلك ، لأن هذا الدين محفوظ ، ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالة ( 1 ) .

ولقد صدق رحمه الله في كل ما ذكره ، فأنت ترى أن هذه الأحاديث المحرمة لا تتعارض مطلقا مع حديث حل الذهب للنساء ، لأنه عام ، وتلك خاصة ، والخاص مقدم على العام كما هو مقرر في علم الأصول ، ولهذه القاعدة رجح الإمام النووي رضي الله عنه في [ شرح مسلم ) و[ المجموع ) وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل ، مع أنه مخالف لمذهبه ، بل ومذهب الجمهور ، حتى ظن بعض المتعالمين في هذا العصر أنه لا يقول بالوضوء منه عالم من علماء المسلمين كما نشر ذلك في
( 1 ) كذا في رده على رسالة الشيخ أكمل الدين في انتصاره لمذهب أبي حنيفة ( 103/1 ) .

بعض الجرائد الدمشقية سنة 1386 ه تقريبا .

ولما ذكرنا قال ولي الله الدهلوي في [ حجة الله البالغة ) ( 2/190 ) بعد أن ذكر أحاديث التحريم وحديث الحل :

( معناه الحل في الجملة ، وهذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحاديث ، ولم أجد لها معارضا ) .

وأقره صديق حسن خان في [ الروضة الندية ) ( 2/217 - 218 ) .

قلت : ومما يدلك على ضعف دعوى النسخ هذه أن بعض متعصبة الحنفية - وقد سبقت الإشارة إليه - لم ينظر إليها بعين الرضا ، مع أنه حكاها عن الجمهور الذين يقلدهم في هذه المسألة ، واحتج على ذلك بقوله - وقد وفق فيه - :

( إن النسخ لا يلجأ إلى القول به ما دام التوفيق بين الأحاديث ممكنا ، بحيث لا يرد شيء من الأدلة ) ، وهذا حق لا ريب فيه ، وهو من المقرر في علم الأصول .

ولكنه مع الأسف لم يستقر عليه الدكتور ، بل رجع إلى ادعاء النسخ معارضا بذلك الأخذ بأحاديث التحريم ، فقال :

( إن الفريقين لما تجاذبا دعوى النسخ احتجنا إلى النظر في التاريخ للترجيح بين المذهبين ، وتعيين الناسخ والمنسوخ ، والتاريخ يؤيد نظر الجمهور .

فإنه لا شك في أن الصحابة في ابتداء الإسلام كانوا في أمس الحاجة للمال . . . ولقد قسم الأنصار أموالهم مناصفة بينهم وبين المهاجرين ، فكان التختم بالذهب في تلك الفترة بطرا وترفا ، فلما مضت الأيام ، وفتحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتوحات صار الناس في رخاء العيش فأباح النبي صلى الله عليه وسلم لبس الذهب لزوال المانع )
قلت : وجوابي عليه من وجوه :

الأول : أنه لم يذكر نصا تاريخيا يؤيد تأخر المبيح عن الحاظر ، يرجح به نظر الجمهور ، وإنما هو مجرد الدعوى أن الإباحة كانت بعد رخاء العيش ، فأين الدليل عليها ؟

الثاني : هذه الدعوى لو صحت ، لزم منها أن يكون تحريم الذهب على الرجال قد شرع في الوقت الذي حرم على النساء ، إن لم يكن تقدم عليه ، وكل عاقل يفهم من قوله : [ في ابتداء الإسلام ) ، أنه يعني في مكة ، أو في أول الهجرة على أبعد تقدير ، وإذا كان كذلك ، فنحن نقطع ببطلان هذه الدعوى لأن تحريم الذهب على الرجال إنما كان في أواخر الأمر ، كما نص على ذلك الحافظ الذهبي في [ تلخيص المستدرك ) ( 3/231 ) ، ومما يشهد له ما أخرجه البخاري في [ اللباس ) وأحمد في [ المسند ) ( 4/328 ) عن المسور بن مخرمة :

( أن أباه مخرمة قال له : يا بني إنه بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قدمت عليه أقبية ، فهو يقسمها ، فاذهب بنا إليه ، فذهبنا إليه . . . فخرج وعليه قباء من الديباج مزرر بالذهب ، فقال : يا مخرمة هذا خبأته لك ، فأعطاه إياه ) .

وإنما أسلم مخرمة عام الفتح ، وذلك بعد ثمان سنين ونصف من الهجرة ، فهذا نص على أن الذهب كان مباحا إلى ما قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بسنة ونصف تقريبا ، ولولا ذلك لم يلبس صلى الله عليه وسلم القباء المزرر بالذهب ، ولا وزعه على أصحابه كما هو ظاهر .

الثالث : أنه لو صح قوله : [ فأباح النبي صلى الله عليه وسلم لبس الذهب لزوال المانع ) ، لزم منه إباحة الذهب للرجال أيضا لزوال المانع أيضا وهذا باطل لا يقوله عالم ، وما لزم منه باطل فهو باطل .

فإن قال : هذا غير لازم ، لأن علة تحريم الذهب على الرجال ، غير علة تحريمه على النساء .

قلنا : ما هيه ؟ ولا سبيل له إلى إثباتها أبدا ، إلا بمثل هذه الدعوى التي أثبت بها أختها وليست هي إلا مجرد رأي تفرد به الدكتور في آخر الزمان وما يلجئ بعض الناس إلى مثل هذه المضايق والآراء ، إلا محاولتهم التخلص من معارضة النص الشرعي لمخالفته لمذهبهم ، وتقليدهم ، وعاداتهم ، فيقعون فيما هو أعظم منه ولو أنهم استسلموا لحكم الله ورسوله - كما هو المفروض في المسلم - لكان خيرا لهم ، ولم يقعوا في مثل ذلك .

وخلاصة البحث : أن القول بنسخ الأحاديث المحرمة للذهب على النساء مما لا دليل عليه ، بل هو مخالف لعلم الأصول ، والواجب الجمع بينها وبين الأحاديث المبيحة للذهب عليهن ، وذلك بحمل المطلق على المقيد ، أو العام على الخاص ، كما شرحنا ، وينتج منه أن الذهب كله حلال على النساء ، إلا المحلق منه ، كما يحرم عليهن استعمال أواني الذهب والفضة اتفاقا ، فلا نسخ عندنا خلافا لما فهمه الدكتور ، وأدار كل بحثه في كتابه عليه ، كما ينبئك به كلامه السابق في المعارضة المزعومة . والله الهادي ، لا رب سواه .

رد الأحاديث المتقدمة بأحاديث مبيحة ، والجواب عنها
3 - وقد يرد بعضهم هذه الأحاديث بأحاديث أخرى ، فيها إباحة المحلق من الذهب على النساء ، والجواب أن هذا كان قبل التحريم حتما ، وبيانه :

أن من المعلوم بداهة أن النهي عن الشيء مما يحتمل التحليل والتحريم لا يكون إلا بعد أن يكون مسبوقا بالإباحة ، فالتمسك بها حينئذ فيه مخالفة صريحة لمنطوق الأحاديث المحرمة ، ومما يقرب هذا إلى المنصفين إن شاء الله تعالى أن هناك أحاديث يستفاد منها إباحة الذهب على الرجال أيضا ، ومع ذلك فلم يأخذ بها أحد من العلماء ، لمجيء النصوص المحرمة ، وقد سبق ذكر بعضها ، بل ذهبوا إلى أنها كانت قبل التحريم ( 1 ) ، وكذلك نقول نحن في الأحاديث المبيحة للذهب المحلق للنساء ، ولا فرق أنها كانت قبل التحريم ، ومن فرق بين هذه وتلك ، فهو متناقض أو متلاعب
تقييد الأحاديث المتقدمة بمن لم يؤد الزكاة ، ورده
4 - وأجاب بعضهم ( 2 ) بأن الوعيد الوارد في الأحاديث المتقدمة إنما هو في حق من لا يؤدي زكاة تلك الحلي دون من أداها ، واستدل عليه بحديث عمرو بن .

( 1 ) انظر " فتح الباري " ( 10/258 - 259 ) .

( 2 ) هو المنذري في " الترغيب " ، وقلده بعض المدرسين في " كلية الشريعة " في جامعة دمشق ، الذي سبق بيان خطئه في تضعيف حديث أبي هريرة المتقدم ، ولم يتعرض البتة للجواب عن جوابنا هذا ، الأمر الذي زادنا ثقة بقوته ، وإيمانا بصوابه .

شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها ، وفي يد ابنتها مسكتان ( أي سواران ) غليظتان من ذهب ، فقال لها : أتعطين زكاة هذا ؟ قالت : لا ، قال : أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار ؟ قال : فخلعتهما ، فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت : هما لله عز ولرسوله .

أخرجه أبو داود ( 1/244 ) ، والنسائي ( 1/343 ) ، وأبو عبيد في [ الأموال ) ( رقم 1260 ) ، وإسناده حسن ، وصححه ابن الملقن ( 65/1 ) ، وتضعيف ابن الجوزي له في [ التحقيق ) ( 6/197/1 ) ، مردود عليه .

ورواه النسائي في [ السنن الكبرى ) ( ق 5/1 ) عن عمرو بن شعيب به موصولا ، ثم رواه عنه مرسلا ، وقال :

( الموصول أولى بالصواب ) .

والجواب : إن هذا استدلال ضعيف جدا ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر في هذه القصة لبس السوارين ، وإنما أنكر عدم إخراج زكاتهما ، بخلاف الأحاديث المتقدمة ، فإنه أنكر اللبس ، ولم يتعرض لإيجاب الزكاة عليها ، والظاهر أن هذه القصة كانت في وقت الإباحة ، فكأنه صلى الله عليه وسلم تدرج لتحريمها ، فأوجب الزكاة عليها أولا ، ثم حرمها ، كما هو صريح الأحاديث السابقة ، ولا سيما الحديث الأول من رواية أبي هريرة مرفوعا :

( من أحب أن يحلق حبيبه بحلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب . . . ) إلخ ، فإنه لا يدل دلالة قاطعة أن التحريم لنفس التحليق وما قرن معه ، لا لعدم إخراج زكاتها .

والحق أن هذه القصة أفادت وجوب الزكاة على الحلي ، ومثلها قصة عائشة الآتية في زكاة خواتيم الفضة ، فهذه وتلك لا تدل على تحريم الاستعمال ، بل على وجوب زكاة المستعمل فالتحريم وعكسه يؤخذ من أدلة أخرى ، فأخذنا تحريم الذهب المحلق عليهن الأحاديث المتقدمة ، وأخذنا إباحة الفضة من حديث أبي هريرة المتقدم ، ومن حديث عائشة المشار إليها وغيرها .

وجملة القول أن هذا الحديث لا حجة فيه على ما ذكره المنذري ، لأنه لم ينص فيه على تحريم السوار ، إنما كان لأنه لم يؤد زكاته حتى يمكن أن يقال : إنه مفصل ، وتلك الأحاديث مجملة ، فيحمل المجمل على المفصل ، وإنما هي واقعة عين أفادت وجوب زكاة الحلي ، فلا يعارض ما أفادته الأحاديث السابقة من التحريم .

تقييد آخر للأحاديث ، والجواب عنه
5 - وأجاب هذا البعض أيضا بجواب آخر ( 1 ) فقال : إن الوعيد المذكور إنما هو في حق من تزينت به وأظهرته ، واستدل بما رواه النسائي وأبو داود عن ربعي بن حراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

( 1 ) وقلده أيضا من أشرنا إليه في التعليق السابق ، دون أن يتعرض للجواب عن ردنا هذا عليه ، بل إنه أوهم طلابه أن هذا التقييد الوارد في حديث النسائي ، ثابت يحتج به ، مع أنه قد ضعفه قبل أسطر بالجهالة الآتي ذكرها ، ولكنه لم يسق لفظ الحديث ليعلم الطالب أنه هو الذي ورد فيه هذا التقييد ، فيعلم عدم ثبوته ولعل الدكتور وقع منه ذلك اتفاقا ، ولم يتعمده .
( يا معشر النساء أما لكن في الفضة ما تحلين به ؟ أما إنه ليس منكن امرأة تتحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به ) .

والجواب من وجهين :

الأول : رد الحديث من أصله لعدم ثبوته ، فإن في سنده امرأة ربعي وهي مجهولة كما قال ابن حزم ( 10/83 ) ولذلك ضعفته في [ المشكاة ) ( 4403 ) .

ثانيا : لو كانت العلة هي الإظهار لكان لا فرق في ذلك بين الذهب والفضة لاشتراكهما في العلة ، مع أن الحديث صريح في التفريق بينهما ، ولا قائل بحرمة خاتم الفضة على المرأة مع ظهوره ، فثبت بطلان التمسك بعلة الإظهار . ولهذا قال أبو الحسن السندي :

( تظهره ) يحتمل أن تكون الكراهة إذا ظهرت وافتخرت به ، لكن الفضة مثل الذهب في ذلك ، فالظاهر أن هذا لزيادة التقبيح والتوبيخ ، والكلام لإفادة حرمة الذهب ( يعني : المحلق ) على ا لنساء ، مع قطع النظر عن الإظهار والافتخار ) .

وهذا كله يقال على افتراض صحة الحديث ، وإلا فقد عرفت ضعفه ، فسقط الاستدلال به أصلا .
رد الأحاديث بفعل عائشة ، والجواب عنه

6 - ومن أعجب ما ردت به هذه الأحاديث الصحيحة قول بعض متعصبة الحنفية :
( إن عائشة رضي الله عنها كانت تلبس الخواتيم من الذهب ، كما رآها ابن أختها القاسم بن محمد وحدث بذلك ، وهذا الخبر عن عائشة رواه البخاري في صحيحه ) .

وأقول : إطلاق عزو هذا الأثر للبخاري فيه نظر ، لأن المعروف عند العلماء أن العزو إلى البخاري مطلقا معناه أنه في [ صحيحه ) مسند ، وليس كذلك أمر هذا الأثر ، فإنه إنما ذكره معلقا بدون إسناد وذكر الحافظ في [ الفتح ) ( 10/271 ) أنه وصله ابن سعد في [ الطبقات ) .

وسكت عن سنده ، وهو عندي حسن ، فقال ابن سعد ( 8/48 ) : أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب : حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو قال : سألت القاسم بن محمد قلت : إن ناسا يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأحمرين : المعصفر والذهب ، فقال : كذبوا والله ، لقد رأيت عائشة تلبس المعصفرات ، وتلبس خواتم الذهب .

لكن رواه غير عبد العزيز بلفظ : كانت تلبس الأحمرين : المذهب ( 1 ) والمعصفر ) . أخرجه ابن سعد أيضا : وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن ابي أويس عن سلميان بن بلال عن عمرو به ، وهذا الإسناد أصح ، لأن سليمان هذا أحفظ من عبد العزيز . فإن ثبت ذكر الخاتم في هذا الأثر عن عائشة فالجواب ما سيأتي ، وإلا فلا حجة فيه مطلقا ، لأن الرواية الأخرى - وهي الأصح - لا ذكر للخاتم فيها ، فهو على هذا مثل حديثها الآخر من طريق القاسم أيضا أن عائشة كانت تحلي بنات أختها الذهب ثم لا تزكيه .

رواه أحمد في مسائل عبد الله ( ص 145 ) ، وسنده صحيح ، فهذا محمول على الذهب
( 1 ) أي : المموه بالذهب ، بمعنى المطلي به ، و" المعصفر " هو الثوب المصبوغ بالعصفر .
المقطع ، وهو جائز لهن اتفاقا .

ثم قال ذاك المذكور :

( لا يتصور أن تلبس عائشة رضي الله عنها الذهب الملحق ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم معها وفي بيتها ، ثم لا ينهاها عنه ) .

قلت : هذه مغالطة ظاهرة -ولعلها غير مقصودة - إذ ليس في الأثر المتقدم أن عائشة لبسته على علم منه صلى الله عليه وسلم ، بل فيه أن القاسم بن محمد رآها تلبسه ، فمعنى ذلك أن لبسها إياه إنما كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، لأن القاسم لم يدركه صلى الله عليه وسلم .

ثم قال عطفا على ما سبق :

( أو ينهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبلغها ؟ فهذا مستحيل قطعا ) .

قلت : لا استحالة في ذلك إلا نظرا ، وهذا ليس يهمنا ، لأن الواقع خلافه ، فكم من سنن فعلية ، وأقوال نبوية خفيت على كبار الصحابة رضي الله عنهم ، ولولا صحة السند بذلك عنهم ، لقلنا كما قال المومأ إليه هاهنا ، ولا يتحمل هذا التعليق الإكثار من أمثلة ذلك ، فلنقتصر على مثالين منها :

1 - أن عائشة ترى أن الأقراء إنما هي الأطهار ، كما قال أحمد في [ المسائل ) ( 185 ) ، وروى مالك في [ الموطأ ) ( 2/96 ) بسند صحيح جدا عنها أنها قالت :

( تدرون ما الأقراء ؟ إنما الأقراء الأطهار ) .

ونحوه في مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله ( ص 231 ) .
أقول : وقد ثبت في السنة أن القرء إنما هو الحيض ، وبه قال الحنفية ، والرجل منهم ، فهل يرد حضرته مذهبه ، ولا سيما أنه موافق للسنة من أجل قول عائشة هذا ؟ أم يجعل قولها دليلا على نسخ ذلك كما فعل في مسألتنا هذه ؟ .

2 - قالت عائشة رضي الله عنها : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق ، فقال : ما هذا يا عائشة ؟ فقلت : صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال : أتؤدين زكاتهن ؟ قلت : لا ، أو ما شاء الله ، قال : هو حسبك من النار .

أخرجه أبو داود ( 1/244 ) وغيره ، وإسناده على شرط الصحيح كما قال الحافظ في [ التخليص ) ( 6/19 ) ، ومحمد بن عطاء الذي في إسناده هو محمد بن عمرو بن عطاء ثقة محتج به في [ الصحيحين ) كما في [ الترغيب ) ، وظنه ابن الجوزي في [ التحقيق ) ( 1/198/1 ) رجلا آخر فجهله ، وضعف الحديث من أجل ذلك ، فلا يلتفت إليه .

فهذا الحديث صريح في إيجاب الزكاة على الحلي ، وهو حجة الذين ذهبوا إلى إيجابه ، ومنهم الحنفية .

ثم إنه قد ورد عن عائشة نفسها ما يعارض هذا الحديث ، وهو ما أخرجه مالك ( 1/245 ) عن القاسم ابن محمد ( راوي حديث الخاتم ) أن عائشة كانت تل بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي ، فلا تخرج من حليهن الزكاة . سنده صحيح جدا ، وتقدم نحوه من رواية أحمد .

فهذه مخالفة صريحة عن عائشة رضي الله عنها لحديثها ( 1 ) فإذا جاز في حقها ذلك ، فبالأحرى أن تخالف حديث غيرها ، لم تروه هي ، وهي على كل حال مأجورة ، فماذا يقول المشار إليه في هذه المخالفة ؟ أيدع الحديث والمذهب لقولها ، أم يتمسك بالحديث ويدع قولها معتذرا عنها بأي عذر مقبول كما هو الواجب ؟

وعلى كل حال فقد ظهر لكل من له قلب أن ما كان يظنه مما [ لا يتصور ) أو أنه [ مستحيل قطعا ) قد أثبتناه بالأسانيد الصحيحة ، ولازم ذلك أن لا يتلفت المسلم إلى أي قول يخالف ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ، مهما كان شأن قائله فضلا وعلما وصلاحا لانتفاء العصمة ، وهذا من الأسباب التي تشجعنا على الاستمرار في خطتنا من التمسك بالكتاب والسنة ، وعدم الاعتداد بما سواهما ،
( 1 ) وألفت النظر إلى أن من مذهبها إخراج الزكاة عن مال الأيتام ، انظر " الموطأ " ، و" الأموال " ، و" مسائل الإمام أحمد " لابنه عبد الله . وروى ابن أبي شيبة في " المصنف " عن القاسم قال : كان مالنا عند عائشة ، فكانت تزكيه ، إلا الحلي ، وسنده صحيح أيضا .

كما صنعنا في هذه المسألة التي أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل بها ، وبكل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم .

ترك الأحاديث لعدم العلم بها بمن عمل بها ، وجوابه

6 - هذا ، ولعل فيمن ينصر السنة ويعمل بها ويدعو إليها من يتوقف عن العمل بهذه الأحاديث بعذر أنه لا يعلم أحدا من السلف قال بها ، فليعلم هؤلاء الأحبة أن هذا العذر قد يكون مقبولا في بعض المسائل التي يكون طريق تقريرها إنما هو الاستنباط والاجتهاد فحسب ، لأن النفس حينئذ لا تطمئن لها خشية أن يكون الاستنباط خطأ ، ولا سيما إذا كان المستنبط من هؤلاء المتأخرين الذين يقررون أمورا لم يقل بها أحد من المسلمين بدعوى أن المصلحة تقتضي تشريعها ، دون أن ينظروا إلى موافقتها لنصوص الشرع أولا ، مثل إباحة بعضهم للربا الذي سماه ب ( الربا الاستهلاكي ) واليانصيب الخيري - زعموا - ونحوهما أما ومسألتنا ليست من هذا القبيل ، فإن فيها نصوصا صريحة محكمة لم يأت ما ينسخها - كما سبق بيانه - فلا يجوز ترك العمل بها للعذر المذكور ، ولا سيما أننا قد ذكرنا من قال بها مثل
أبي هريرة رضي الله عنه ، وولي الله الدهلوي وغيرهما كما تقدم ، ولا بد أن يكون هناك غير هؤلاء ممن عمل بهذه الأحاديث لم نعرفهم لأن الله تعالى لم يتعهد لنا بحفظ أسماء كل من عمل بنص ما من كتاب أو سنة ، وإنما تعهد بحفظهما فقط كما قال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، فوجب العمل بالنص سوءا علمنا من قال به أو لم نعلم ، ما دام لم يثبت نسخه كما هو الشأن في مسألتنا هذه .

وأختم هذا البحث بكلمة طيبة للعلامة المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى لها مساس كبير بما نحن فيه ، قال : في [ إعلام الموقعين ) ( 3/464 - 465 ) :

( وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ، ويهجرون فاعل ذلك ، وينكرون على من يضرب له الأمثال ، ولا يسوغون غير الانقياد له صلى الله عليه وسلم ، والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس ، أو يوافق قول فلان وفلان ، بل كانوا عاملين بقوله تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، وبقوله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ، وبقوله تعالى : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ، وأمثالها ، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا ، يقول : من قال هذا ؟ دفعا في صدر الحديث ، ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به ، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل ، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الجهل ، وأقبح من ذلك عذره في جهله ، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة ، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع ، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث ، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة . والله المستعان ) .

منقول

ام انس
07-28-2010, 03:22 PM
جزاك الله خيرا

لي رجاء كبرى حجم الخط كي تسهل القراءة