ام عبد الرحمن الاثرية
04-23-2010, 10:58 AM
واجب المرأة المسلمة عند الفتن - جـ 1
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : ــ
قال الله – تعالى - : ( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنــّا وهم لا يفتنون * ولقد فتنـّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون * من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم * ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) [ العنكبوت 1 ــ 6 ] .
الفتن : هي الإبتلاء بالشدة ، أو بالإعجاب ، إختبارا وتمحيصا ، فقد يرى الأمر في ظاهره خيرا ، ولكنه يبطن الشر والسوء ، وكذلك العكس ، مما يسبب اضطرابا وبلبلة بالأفكار .
الفتن : يبتلى بها أهل الكفر وأهل الإيمان على حد سواء ، ولا ينجو منها إلا من ثبـّـته الله تبارك وتعالى .
قال الله – تعالى - : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) [ الأنفال 25 ] .
وعن عائشة - رضي الله عنهما - قالت : قلت : يا رسول الله ! أن الله إذا أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم ؟ فقال : ( يا عائشة ! إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون ، فيصابون معهم ، ثم يبعثون على نيّاتهم [ وأعمالهم ] ) [ الصحيحة 2693 ] .
وقال الله – تعالى - : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد 31 ] .
ولا يكون الإبتلاء والإختبار إلا بوجود أمرين متضادين ، فتوحيد وشرك ، وشكر وكفر ، واتباع وابتداع ، ونهي وأمر ، وخير وشر ، وغنى وفقر . قال الله تعالى : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن متّ فهم الخالدون * كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) [ الأنبياء 34 ــ 35 ] .
من فضل الله - تعالى علينا أنه سبحانه أطلع رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على كثير من البلايا والفتن التي ستبتلى بها أمته ، فأخبرنا عنها ، وحذّرنا من أسبابها ، وبيّن لنا المخرج منها .
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ، ويصبح كافرا ، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل ) [ مختصر مسلم 2038 ] .
وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( سبحان الله ! ماذا أنزل الليلة من الفتن !! وماذا فتح من الخزائن ! أيقظوا صواحب الحجر ، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ) رواه أحمد والبخاري رحمهما الله تعالى .
إن النساء شقائق ، وإن للمراة دور هام في مجتمعها فهي راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها ، وبصلاح هذه الرعية يصلح المجتمع ، وبفساده يفسد ، فالمسؤولية الملقاة على عاتقها عظيمة ، تزداد أمام هذا الخطر الداهم الذي يحمل في طيـّـاته موجات من الغزو الفكري ووسائل التغريب والفساد والتضليل والخداع .
فينبغي مضاعفة الجهود للقيام بما عليها من واجبات ، للخلاص من الفتن وأهمها : ــ
1 : ــ معرفة أسباب الفتن لتلافي الوقوع بها ، وأهمها : ــ
أ : ــ البعد عن تحكيم الشرع الرباني ، وتحكم الأهواء ، وهذا ما ابتليت به الأمة المسلمة ، وكذلك افرادها على مدى العصور ــ بعد خير القرون الثلاثة المفضلة الأولى ــ ، وما نتج عنه من ظلم ، وحقد ، وحسد ، وغيرة ، وغرور ، وفرقة وخصام ، وضعف ، وهوان ، إلى حد بلغ أن رفع المسلم السلاح على أخيه المسلم ، فسالت دماء ، وأزهقت أرواح ، وانتهكت حرمات ، وسلبت اموال . وضاعت أوطان .
عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بين يدي الساعة الهرج : القتل ، ما هو قتل الكفار ، ولكن قتل الأمة بعضها بعضا ، حتى إن الرجل يلقاه أخوه فيقتله ، ينتزع عقول أهل ذلك الزمان ، ويخلف لها هباء من الناس ، يحسب أكثرهم أنهم على شيئ ، وليسوا على شيئ ) [ الصحيحة 1682 وصحيح الجامع 2047 ] .
ب : ــ الإقبال على العلوم الدنيوية ، وقلة الإقبال على دراسة العلوم الشرعية ، فقد جعلها كثير من الناس من الأمور الثانوية ، يلجأون إليها في نهاية المطاف ، ــ إلا من رحم ــ .
فاختلطت عليهم الأمور ، وتخبط الشيطان ، وكثر الدعاة على أبواب جهنم ، وذلك بسبب البعد عن الهدي الرباني الذي جاء به رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
قال الله - تعالى - : ( ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) [ الروم 47 [ .
لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يجتهدون في التعرف على الفتن ليتبينوا سبل النجاة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان الصحابي الجليل حذيفة رضي الله عنه يكثر من سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشر حتى لا يقع فيه .
فعنه - رضي الله عنه - قال : كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني . فقلت : " يا رسول الله : إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ . قال : نعم ، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن . قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر ، قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ . قال نعم ، دعاة على ابواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها . قلت : يا رسول الله صفهم لنا ، قال : هم من جلدتنا ، ويتكلمون بالسنتنا . قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) متفق عليه .
ت : ــ حب الشهوات وسيطرتها ، ومنها شهوة البطن ، وشهوة الفرج ، وشهوة الولد ، وشهوة المال ، وشهوة المنصب ، وما تتطلبه هذه الشهوات من تملق ، ورياء ، ورشوة ، وحب للظهور ، وسكوت عن الحق . وكل هذه الشهوات تعدّ فتنا إن لم يراعي فيها تقوى الله - تبارك وتعالى - .
إذ أن المؤمن الحق يربأ بنفسه أن تمتد له يد ، أو رجل ، أو لسان ، أو عين بغير حق ، ليقينه بأن السمع ، والبصر ، والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا .
قال الله – تعالى - : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) [ الحج 11 ] .
فإياك ... إياك أختاه أن ترضي لنفسك أو لرعيتك أن تعيشوا على الهامش جريا وراء الشهوات ، أو أن ترضوا بالقليل من متاع دنيوي زائل ، وتعرضوا عما أعد الله تبارك وتعالى لعباده الصالحين في الدنيا والآخرة ، فإن الله يحب معالي الأمور ، ويكره سفاسفها .
قال الله – تعالى - : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم * إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم * فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ التغابن 14 ــ 16 ] .
ث : ــ ارتكاب الذنوب والمعاصي ، وانتهاك الحرمات ، ففد كثر القتل ، وفساد العهود والذمم ، وضياع الأمانة ، ومنع الحقوق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وأكل أموال الناس بالباطل ، ومنع الزكاة ، وشرب الخمور ، والتبرج ، والسفور ، والزنا ، وفعل قوم لوط ، وغير ذلك من الفسق والفجور . قال الله - تعالى - : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [ النور 63 ] .
وقال الله - تعالى - : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين ) [ الروم 41 ــ 42 ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ويل للعرب من شر قد اقترب . أفلح من كف يده ) [ صحيح الجامع 7135 ] .
والله إن الله – تعالى - بنا رحيم ، نسأله سبحانه أن لا يعذبنا بما فعل السفهاء منا !! .
جـ : ــ حب الدنيا والركون إليها : قال الله – تعالى - : ( ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى . وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) [ طه131 ] .
وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، قيل : يا رسول الله ! فمن قلة يومئذ ؟ قال : لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، يجعل الوهن في قلوبكم ، وينزع الرعب من قلوب عدوكم ، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت ) الصحيحة 958 .
2 ــ الثبات على الحق ، وإلتزام طريق النجاة ، والإعراض عن الدعوات الباطلة : ــ
فلا ينبغي أن نغتر بكثرة الفرق والأحزاب والجماعات ، والأئمة المضلين . أو أن نلقي لها بالا ، فإن هذه الأمة لن تصلح إلا بما صلح به أولها ، لن تصلح إلا بالرجوع إلى كتاب الله تبارك وتعالى ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على فهم سلفنا لصالح ، ورحم الله الإمام مالك حيث قال : ( لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، فما لم يكن يومئذ دينا ، لا يكون اليوم دينا )
لأن ذلك هو : الدين باتفاق الأئمة رحمهم الله ، وهو العصمة من الإنحراف والوقوع في الفتن والضلال .
قال الله - تعالى - : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) [ آل عمران 105 ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ( [ الصحيحة 1761 ] .
وإن خير الناس القرون الثلاثة سلفنا الصالح ، ومن تبعهم بإحسان ، صدقوا الله تبارك وتعالى ، واستقاموا على أمره ، وجعلوا من كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دستور أمة ، ومنهج حياة ، ومصدر تلقَ للإتباع والتطبيق قولا وعملا ، لا منهج قبلية ولا عصبية ، ولا اتباع لأهواء ، ولا استمتاع ومباهاة بمراكز ومناصب .
تمسكوا بما جاءهم من عند الله تبارك وتعالى ، وعضوا عليه بالنواجذ ، لم يلتفتوا إلى فلسفات الهند واليونان وغيرهما ، ولم يبهروا بالحضارات السابقة ، فكانوا غرباء لقلتهم وسط فرق ضالة منحرفة كثيرة .
صلحوا وثبتوا ، فتميزوا تميزا واضحا في كل شيء ظاهرا وباطنا ، وذلت لهم رغم قلتهم رقاب الأكاسرة ، وانهارت أمامهم عروش الجبابرة .
إنّ سرّ تميزهم وقوتهم كان في استقامتهم على أمر الله تبارك وتعالى ، خافوا الله - تعالى - ، واتبعوا رضوانه ، والتفـّوا حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر جامع ، وعلى كلمة سواء ، فرضي الله عنهم ورضوا عنه ، وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا ، ومكَـّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، فكانت بداية الإنطلاقة والتكوين لدولة الإسلام والمسلمين .
قال الله – تعالى - : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) [ النور 55 ] .
ما أحرانا أن نتبع خطاهم ، وأن نقتفي آثارهم ، في زمن الغربة والإختلاف .
3 ـ أختاه : أنت راعية في بيتك ، ومسؤولة أنت وزوجك عن رعيتك ، بين يدي الله يوم القيامة . أنتما الأمل بإذن الله تعالى وتوفيقه ، بإمداد هذه الأمة بالعناصر المؤمنة الصالحة ، وذلك : ــ
أ : ــ بتربية الأبناء التربية الإيمانية ، وتنشئتهم على الرضا بالله – تعالى - ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا . استسلاما لأمره ، ورضا بحكمه ، وتقيَدا بشرعه ، وتأدبا بآدابه على تقوى من الله - تبارك وتعالى - ، وحثهم على ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة .
أختاه !! بالقدوة الصالحة ... بالمحبة والحنان تلمَين شمل الأسرة ، وتقوَمين معوجَها ، بحيث يفهم كل فرد منهم دوره ، وما أراد الله – تعالى - منه في هذه الحياة الدنيا ، لتبقى الأسرة المسلمة حصنا حصينا ضد كيد الأعداء من شياطين الأنس والجن ، وذلك بحسن الرعاية والتوجيه .
قال الله - تعالى : - ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت قتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) [ آل عمران 159 ] .
ب : ــ تأصيل قاعدة الولاء والبراء وتعميقها في النفوس ، وخاصة الأبناء ، لإكتساب المناعة ، وبعد النظر ، وأخذ الحيطة والحذر ، والتاسي بما في كتاب الله تعالى ، وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - من قصص وعظات وعبر ، وذلك لمواجهة الهجمة الهمجية على الإسلام والمسلمين ، وما تبثه من فتن ، وإتاحة الفرصة للأبناء لمعايشة الأحداث ، وفهم ما يدور حولهم ، حتى لا يؤخذوا على حين غرة ، وليصير همّ الجميع همّا واحدا ، ألا وهو بذل الارواح رخيصة ، للدفاع عن العقيدة والدين ، فلا تكن ردود الفعل عند الفتن والإبتلاءات ، مجرد مظاهرات ، وخطب ، وجمل حماسية .... تهديد ووعيد .... وذكرللأحساب والأنساب .... وتغنّ بماض الأجداد العريق ، دون تأثر بماض أو حاضر ، ولا بأخذ العبرة منه !! . ثمّ ــ تنتهي كفقاعات هواء ــ بتبادل الإتهامات ، واستجداء شفقة ورحمة وقرارات من شرق وغرب ، على ما يلمّ بنا !!! وقد نسوا رب الأرض والسموات !!! .
عندما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال أبو بكر الصدّيق - رضي الله عنه - : " من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله تعالى حي لا يموت " . فلا عصبية ، ولا قبلية ، ولا ولاء لأفراد ، ولا لجماعات ، أو تنظيمات ، إنما الولاء لله وحده ، وما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من عنده .
ت : ـ غرس مبادئ الرحمة ، والمحبة ، والمروءة ، والإيثار ، والنخوة ، والتعاطف بين أفراد الأسرة ، والأرحام ، ثم المجتمع من حولهم ، وتنمية الإحساس بالمسؤولية والتكافل الإجتماعي ، والمبادرة إلى العمل الجماعي ، وذلك لمساعدة المحتاجين ، وجمع الغذاء والكساء والمعونة ، والمساهمة في إسعاف الجرحى والمرضى عند الإبتلاءات والكوارث .
فعن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن من الناس ناسا مفاتيح للخير ، مغاليق للشر ، وإن من الناس ناسا مفاتيح للشر مغاليق للخير ، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخيرعلى يديه ، وويل لمن جعل مفاتيح الشرعلى يديه ) صحيح الجامع 2223 .
أختاه !! ما كانت الفتن ، والعقوق ، وقطع الأرحام ، وتفكيك اواصر المجتمع ووهنه ، وفساده وما يقترف فيه معاصي ، وما حل فيه من حروب ، وويلات إلا على أيدي من هم مفاتيح للشر ، مغاليق للخير ، وما ذلك إلا لأمراض خطيرة بقلوبهم يعانون منها ، وانتشرت عدواها .
نسأل الله - تعالى - العفو والعافية ، فينبغي علينا معرفتها وأخذ الحيطة والحذر للوقاية منها ، وأولها : ــ
* ــ ضعف الإيمان بالله – تعالى - واليوم الآخر .
* ــ الإستهانة بأمر الله – تعالى - ، وتحكيم شرعه .
* ــ نسيان الملائكة الكتبة . قال الله تعالى : ( وكل شيئ فعلوه في الزبر . وكل صغير وكبير مستطر) [ القمر 52 ــ 53 ] .
* ــ نسيان الموت وسكراته ، والقبر ونعيمه ، أو عذابه .
* ــ الجري وراء متاع دنيوي زائل ، والإستهانة بالجنة ونعيمها ، وبالنار وعذابها . قال الله – تعالى - : ( فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجنة هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي الماوى ) [ النازعات 37 ـ 41 ] .
* ــ قلة الصبر ، وضعف الإرادة لضعف الشخصية ، وذلك لما تعانيه من أمراض الكبر، والحقد ، والحسد ، والغيرة ، والأنانية ، فمن كانت هذه صفاتهم لا يريحون ولا يستريحون ، وهم باب لكل فتن وشر والعياذ بالله .
قال الله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين* ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذيبينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) [ فصلت 23 ــ 26 ] .
أختاه !! إنها طوبى ... أسأل الله - تعالى - أن يجعلك وأهل بيتك من أهلها مفاتيح للخير ، مغاليق للشر.
الجزء الثاني يتبع إن شاء الله - تعالى - .
وكتبته : أم عبدالله نجلاء الصالح
من محاضرات اللجنة النسائية بمركز الإمام الألباني رحمه الله - تعالى-
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : ــ
قال الله – تعالى - : ( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنــّا وهم لا يفتنون * ولقد فتنـّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون * من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم * ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين ) [ العنكبوت 1 ــ 6 ] .
الفتن : هي الإبتلاء بالشدة ، أو بالإعجاب ، إختبارا وتمحيصا ، فقد يرى الأمر في ظاهره خيرا ، ولكنه يبطن الشر والسوء ، وكذلك العكس ، مما يسبب اضطرابا وبلبلة بالأفكار .
الفتن : يبتلى بها أهل الكفر وأهل الإيمان على حد سواء ، ولا ينجو منها إلا من ثبـّـته الله تبارك وتعالى .
قال الله – تعالى - : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) [ الأنفال 25 ] .
وعن عائشة - رضي الله عنهما - قالت : قلت : يا رسول الله ! أن الله إذا أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم ؟ فقال : ( يا عائشة ! إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون ، فيصابون معهم ، ثم يبعثون على نيّاتهم [ وأعمالهم ] ) [ الصحيحة 2693 ] .
وقال الله – تعالى - : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد 31 ] .
ولا يكون الإبتلاء والإختبار إلا بوجود أمرين متضادين ، فتوحيد وشرك ، وشكر وكفر ، واتباع وابتداع ، ونهي وأمر ، وخير وشر ، وغنى وفقر . قال الله تعالى : ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن متّ فهم الخالدون * كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) [ الأنبياء 34 ــ 35 ] .
من فضل الله - تعالى علينا أنه سبحانه أطلع رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على كثير من البلايا والفتن التي ستبتلى بها أمته ، فأخبرنا عنها ، وحذّرنا من أسبابها ، وبيّن لنا المخرج منها .
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ، ويصبح كافرا ، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل ) [ مختصر مسلم 2038 ] .
وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( سبحان الله ! ماذا أنزل الليلة من الفتن !! وماذا فتح من الخزائن ! أيقظوا صواحب الحجر ، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ) رواه أحمد والبخاري رحمهما الله تعالى .
إن النساء شقائق ، وإن للمراة دور هام في مجتمعها فهي راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها ، وبصلاح هذه الرعية يصلح المجتمع ، وبفساده يفسد ، فالمسؤولية الملقاة على عاتقها عظيمة ، تزداد أمام هذا الخطر الداهم الذي يحمل في طيـّـاته موجات من الغزو الفكري ووسائل التغريب والفساد والتضليل والخداع .
فينبغي مضاعفة الجهود للقيام بما عليها من واجبات ، للخلاص من الفتن وأهمها : ــ
1 : ــ معرفة أسباب الفتن لتلافي الوقوع بها ، وأهمها : ــ
أ : ــ البعد عن تحكيم الشرع الرباني ، وتحكم الأهواء ، وهذا ما ابتليت به الأمة المسلمة ، وكذلك افرادها على مدى العصور ــ بعد خير القرون الثلاثة المفضلة الأولى ــ ، وما نتج عنه من ظلم ، وحقد ، وحسد ، وغيرة ، وغرور ، وفرقة وخصام ، وضعف ، وهوان ، إلى حد بلغ أن رفع المسلم السلاح على أخيه المسلم ، فسالت دماء ، وأزهقت أرواح ، وانتهكت حرمات ، وسلبت اموال . وضاعت أوطان .
عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن بين يدي الساعة الهرج : القتل ، ما هو قتل الكفار ، ولكن قتل الأمة بعضها بعضا ، حتى إن الرجل يلقاه أخوه فيقتله ، ينتزع عقول أهل ذلك الزمان ، ويخلف لها هباء من الناس ، يحسب أكثرهم أنهم على شيئ ، وليسوا على شيئ ) [ الصحيحة 1682 وصحيح الجامع 2047 ] .
ب : ــ الإقبال على العلوم الدنيوية ، وقلة الإقبال على دراسة العلوم الشرعية ، فقد جعلها كثير من الناس من الأمور الثانوية ، يلجأون إليها في نهاية المطاف ، ــ إلا من رحم ــ .
فاختلطت عليهم الأمور ، وتخبط الشيطان ، وكثر الدعاة على أبواب جهنم ، وذلك بسبب البعد عن الهدي الرباني الذي جاء به رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
قال الله - تعالى - : ( ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) [ الروم 47 [ .
لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يجتهدون في التعرف على الفتن ليتبينوا سبل النجاة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان الصحابي الجليل حذيفة رضي الله عنه يكثر من سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشر حتى لا يقع فيه .
فعنه - رضي الله عنه - قال : كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني . فقلت : " يا رسول الله : إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ . قال : نعم ، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم ، وفيه دخن . قلت : وما دخنه ؟ قال : قوم يهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر ، قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ . قال نعم ، دعاة على ابواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها . قلت : يا رسول الله صفهم لنا ، قال : هم من جلدتنا ، ويتكلمون بالسنتنا . قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) متفق عليه .
ت : ــ حب الشهوات وسيطرتها ، ومنها شهوة البطن ، وشهوة الفرج ، وشهوة الولد ، وشهوة المال ، وشهوة المنصب ، وما تتطلبه هذه الشهوات من تملق ، ورياء ، ورشوة ، وحب للظهور ، وسكوت عن الحق . وكل هذه الشهوات تعدّ فتنا إن لم يراعي فيها تقوى الله - تبارك وتعالى - .
إذ أن المؤمن الحق يربأ بنفسه أن تمتد له يد ، أو رجل ، أو لسان ، أو عين بغير حق ، ليقينه بأن السمع ، والبصر ، والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا .
قال الله – تعالى - : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) [ الحج 11 ] .
فإياك ... إياك أختاه أن ترضي لنفسك أو لرعيتك أن تعيشوا على الهامش جريا وراء الشهوات ، أو أن ترضوا بالقليل من متاع دنيوي زائل ، وتعرضوا عما أعد الله تبارك وتعالى لعباده الصالحين في الدنيا والآخرة ، فإن الله يحب معالي الأمور ، ويكره سفاسفها .
قال الله – تعالى - : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفو وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم * إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم * فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [ التغابن 14 ــ 16 ] .
ث : ــ ارتكاب الذنوب والمعاصي ، وانتهاك الحرمات ، ففد كثر القتل ، وفساد العهود والذمم ، وضياع الأمانة ، ومنع الحقوق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وأكل أموال الناس بالباطل ، ومنع الزكاة ، وشرب الخمور ، والتبرج ، والسفور ، والزنا ، وفعل قوم لوط ، وغير ذلك من الفسق والفجور . قال الله - تعالى - : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [ النور 63 ] .
وقال الله - تعالى - : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين ) [ الروم 41 ــ 42 ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ويل للعرب من شر قد اقترب . أفلح من كف يده ) [ صحيح الجامع 7135 ] .
والله إن الله – تعالى - بنا رحيم ، نسأله سبحانه أن لا يعذبنا بما فعل السفهاء منا !! .
جـ : ــ حب الدنيا والركون إليها : قال الله – تعالى - : ( ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى . وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) [ طه131 ] .
وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق ، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، قيل : يا رسول الله ! فمن قلة يومئذ ؟ قال : لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، يجعل الوهن في قلوبكم ، وينزع الرعب من قلوب عدوكم ، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت ) الصحيحة 958 .
2 ــ الثبات على الحق ، وإلتزام طريق النجاة ، والإعراض عن الدعوات الباطلة : ــ
فلا ينبغي أن نغتر بكثرة الفرق والأحزاب والجماعات ، والأئمة المضلين . أو أن نلقي لها بالا ، فإن هذه الأمة لن تصلح إلا بما صلح به أولها ، لن تصلح إلا بالرجوع إلى كتاب الله تبارك وتعالى ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على فهم سلفنا لصالح ، ورحم الله الإمام مالك حيث قال : ( لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، فما لم يكن يومئذ دينا ، لا يكون اليوم دينا )
لأن ذلك هو : الدين باتفاق الأئمة رحمهم الله ، وهو العصمة من الإنحراف والوقوع في الفتن والضلال .
قال الله - تعالى - : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) [ آل عمران 105 ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ( [ الصحيحة 1761 ] .
وإن خير الناس القرون الثلاثة سلفنا الصالح ، ومن تبعهم بإحسان ، صدقوا الله تبارك وتعالى ، واستقاموا على أمره ، وجعلوا من كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دستور أمة ، ومنهج حياة ، ومصدر تلقَ للإتباع والتطبيق قولا وعملا ، لا منهج قبلية ولا عصبية ، ولا اتباع لأهواء ، ولا استمتاع ومباهاة بمراكز ومناصب .
تمسكوا بما جاءهم من عند الله تبارك وتعالى ، وعضوا عليه بالنواجذ ، لم يلتفتوا إلى فلسفات الهند واليونان وغيرهما ، ولم يبهروا بالحضارات السابقة ، فكانوا غرباء لقلتهم وسط فرق ضالة منحرفة كثيرة .
صلحوا وثبتوا ، فتميزوا تميزا واضحا في كل شيء ظاهرا وباطنا ، وذلت لهم رغم قلتهم رقاب الأكاسرة ، وانهارت أمامهم عروش الجبابرة .
إنّ سرّ تميزهم وقوتهم كان في استقامتهم على أمر الله تبارك وتعالى ، خافوا الله - تعالى - ، واتبعوا رضوانه ، والتفـّوا حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر جامع ، وعلى كلمة سواء ، فرضي الله عنهم ورضوا عنه ، وبدّلهم من بعد خوفهم أمنا ، ومكَـّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، فكانت بداية الإنطلاقة والتكوين لدولة الإسلام والمسلمين .
قال الله – تعالى - : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) [ النور 55 ] .
ما أحرانا أن نتبع خطاهم ، وأن نقتفي آثارهم ، في زمن الغربة والإختلاف .
3 ـ أختاه : أنت راعية في بيتك ، ومسؤولة أنت وزوجك عن رعيتك ، بين يدي الله يوم القيامة . أنتما الأمل بإذن الله تعالى وتوفيقه ، بإمداد هذه الأمة بالعناصر المؤمنة الصالحة ، وذلك : ــ
أ : ــ بتربية الأبناء التربية الإيمانية ، وتنشئتهم على الرضا بالله – تعالى - ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا . استسلاما لأمره ، ورضا بحكمه ، وتقيَدا بشرعه ، وتأدبا بآدابه على تقوى من الله - تبارك وتعالى - ، وحثهم على ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة .
أختاه !! بالقدوة الصالحة ... بالمحبة والحنان تلمَين شمل الأسرة ، وتقوَمين معوجَها ، بحيث يفهم كل فرد منهم دوره ، وما أراد الله – تعالى - منه في هذه الحياة الدنيا ، لتبقى الأسرة المسلمة حصنا حصينا ضد كيد الأعداء من شياطين الأنس والجن ، وذلك بحسن الرعاية والتوجيه .
قال الله - تعالى : - ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت قتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) [ آل عمران 159 ] .
ب : ــ تأصيل قاعدة الولاء والبراء وتعميقها في النفوس ، وخاصة الأبناء ، لإكتساب المناعة ، وبعد النظر ، وأخذ الحيطة والحذر ، والتاسي بما في كتاب الله تعالى ، وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - من قصص وعظات وعبر ، وذلك لمواجهة الهجمة الهمجية على الإسلام والمسلمين ، وما تبثه من فتن ، وإتاحة الفرصة للأبناء لمعايشة الأحداث ، وفهم ما يدور حولهم ، حتى لا يؤخذوا على حين غرة ، وليصير همّ الجميع همّا واحدا ، ألا وهو بذل الارواح رخيصة ، للدفاع عن العقيدة والدين ، فلا تكن ردود الفعل عند الفتن والإبتلاءات ، مجرد مظاهرات ، وخطب ، وجمل حماسية .... تهديد ووعيد .... وذكرللأحساب والأنساب .... وتغنّ بماض الأجداد العريق ، دون تأثر بماض أو حاضر ، ولا بأخذ العبرة منه !! . ثمّ ــ تنتهي كفقاعات هواء ــ بتبادل الإتهامات ، واستجداء شفقة ورحمة وقرارات من شرق وغرب ، على ما يلمّ بنا !!! وقد نسوا رب الأرض والسموات !!! .
عندما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال أبو بكر الصدّيق - رضي الله عنه - : " من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله تعالى حي لا يموت " . فلا عصبية ، ولا قبلية ، ولا ولاء لأفراد ، ولا لجماعات ، أو تنظيمات ، إنما الولاء لله وحده ، وما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من عنده .
ت : ـ غرس مبادئ الرحمة ، والمحبة ، والمروءة ، والإيثار ، والنخوة ، والتعاطف بين أفراد الأسرة ، والأرحام ، ثم المجتمع من حولهم ، وتنمية الإحساس بالمسؤولية والتكافل الإجتماعي ، والمبادرة إلى العمل الجماعي ، وذلك لمساعدة المحتاجين ، وجمع الغذاء والكساء والمعونة ، والمساهمة في إسعاف الجرحى والمرضى عند الإبتلاءات والكوارث .
فعن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن من الناس ناسا مفاتيح للخير ، مغاليق للشر ، وإن من الناس ناسا مفاتيح للشر مغاليق للخير ، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخيرعلى يديه ، وويل لمن جعل مفاتيح الشرعلى يديه ) صحيح الجامع 2223 .
أختاه !! ما كانت الفتن ، والعقوق ، وقطع الأرحام ، وتفكيك اواصر المجتمع ووهنه ، وفساده وما يقترف فيه معاصي ، وما حل فيه من حروب ، وويلات إلا على أيدي من هم مفاتيح للشر ، مغاليق للخير ، وما ذلك إلا لأمراض خطيرة بقلوبهم يعانون منها ، وانتشرت عدواها .
نسأل الله - تعالى - العفو والعافية ، فينبغي علينا معرفتها وأخذ الحيطة والحذر للوقاية منها ، وأولها : ــ
* ــ ضعف الإيمان بالله – تعالى - واليوم الآخر .
* ــ الإستهانة بأمر الله – تعالى - ، وتحكيم شرعه .
* ــ نسيان الملائكة الكتبة . قال الله تعالى : ( وكل شيئ فعلوه في الزبر . وكل صغير وكبير مستطر) [ القمر 52 ــ 53 ] .
* ــ نسيان الموت وسكراته ، والقبر ونعيمه ، أو عذابه .
* ــ الجري وراء متاع دنيوي زائل ، والإستهانة بالجنة ونعيمها ، وبالنار وعذابها . قال الله – تعالى - : ( فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجنة هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي الماوى ) [ النازعات 37 ـ 41 ] .
* ــ قلة الصبر ، وضعف الإرادة لضعف الشخصية ، وذلك لما تعانيه من أمراض الكبر، والحقد ، والحسد ، والغيرة ، والأنانية ، فمن كانت هذه صفاتهم لا يريحون ولا يستريحون ، وهم باب لكل فتن وشر والعياذ بالله .
قال الله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين* ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذيبينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) [ فصلت 23 ــ 26 ] .
أختاه !! إنها طوبى ... أسأل الله - تعالى - أن يجعلك وأهل بيتك من أهلها مفاتيح للخير ، مغاليق للشر.
الجزء الثاني يتبع إن شاء الله - تعالى - .
وكتبته : أم عبدالله نجلاء الصالح
من محاضرات اللجنة النسائية بمركز الإمام الألباني رحمه الله - تعالى-