أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
03-26-2009, 10:03 PM
نسخة مزيدة//
تعقيب/هل يصح حديث في النّهي عن البروك في الصلاة كما يبرك البعير حين الهوي إلى السجود؟.
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين
أما بعد:
لقد وقفت على مقال في مجلة إسلامية جزائرية عَنْوَنَ له كاتبُه -وفقه الله إلى كل خير- (بالهويّ إلى السجود)، تحدّث فيه عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)، وتَطَرَّق للحديث من جانبين:
1= من حيثُ ثبوتُه، وذهب إلى تصحيحه، مطيلا للكلام في الدفاع عن الدراوردي بما لا يخدم الحديث في مثل هذا الموقف، ثم رد بعد ذلك وفقه الله إلى طاعته على الذين ضعفوه انطلاقا من متنه الذي هو فرع عن صحة سنده، ولو ركزّ على نفي التفرد عن محمد بن حسن وأطال النّفس فيه لكان أجدى له، ولاستقام له دفاعه. ثم المتتبع لصنيعه يجد أنه كرر ما حرره العلاّّمة محمد ناصر الدين الألباني في الإرواء (2/79)، وتمام المنّة (ص 194-195 ط/ دار الراية)، ولهذا فاتته عبارة البخاري كاملة في محمد بن حسن كما سيأتي توضيحه في بابه.
2= ومن حيث جانبُه الفقهي وقال: (فالحديث إذن يدلّ على أنّ المصلي يقدم يديه قبل ركبتيه عند الهويّ إلى السُّجود، وظاهره الوجوب لقوله (لا يَبْرُكَنَّ)، وهو نهي، وللأمر بقوله: (ولْيَضَعْ)؛ لكن قال الصّنعاني: (قيل: ولم يقل أحد بوجوبه، فتعيّن أنّه مندوب). إطلاق القول بأنّه لم يقل بوجوبه أحد غير صحيح، لأن ابن حزم قد قال بذلك ونصّ كلامه: (وفرض على كلّ مصلٍ أن يضع إذا سجد يديه على الأرض قبل ركبتيه ولا بدّ)اهـ.
قلت: وهو الحكم نفسه الذي أظهره الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في تمام المنّة، وردّ به الاتفاق الذي نقله شيخ الإسلام رحمه الله.
قلت وبالله التوفيق: قبل الحديث عن تخريج الحديث وبسط كلام الحفاظ فيه، أعرج على باب له صلة بالموضوع بصيغة موجزة جدا؛ وهو علاقة التفرد بالنكارة التي يهملها بعض المشتغلين بالحديث عند التحقيق مكتفين بظاهر السند، ومعتمدين على أقوال الفقهاء والأصوليين في التصحيح والتضعيف.
لقد عرّف جمع من أهل العلم المنكر بتعاريف متقاربة ومنهم: البرديجي والإمام مسلم في مقدمة صحيحه، وابن الصلاح، والحافظ ابن حجر، والزركشي، والذهبي رحمهم الله جميعا، وإن اعترض بعضهم على بعض في بعض النقاط، واخترت في هذه العجالة أن يكون تعريف المنكر: (خلل في الرواية يستفحشه الناقد، يدركه بقرائن أهمها التفرد أو النكارة) انظر الحديث المنكر لعبد الرحمن السّلمي.
والقرائن التي تُعرف بها النّكارة كثيرة جدا، أصولها أربعة:
1= درجة ضبط الراوي عموما.
2= درجة ضبط الراوي في شيخه الذي روى عنه خصوصا.
3= الطبقة الزمنية للراوي فكلما نزلت طبقته كلما زادت قوة هذه القرينة.
4= كون المتن أو الإسناد مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله.
والحديث المنكر مردود مطروح عند أئمة الصنعة؛ سواء كانت النكارة في المتن أو السند.
قال الحافظ ابن حجر في النكت (2/674 تحقيق العلاّمة المحدث ربيع بن هادي المدخلي) شارحا لكلام ابن الصلاح: (وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث).
قلت -أي الحافظ-: (وهذا مما ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد؛ لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده).
وعلاقة المنكر بالتفرد مبنية على أن التفرد ممن ليس من أهل الحمالات وإن كان ثقة أو صدوقا علامة من علامات النكارة والخطأ، ومعلوم أن السنة النبوية مصونة محفوظة من المولى تبارك و تعالى، فإن تفرد راوي بحديث فيه خطأ تفطن له الحفاظ وحماة السنة، وصرحوا بخطئه، فالتفرد مظنة للوهم والخطأ، والأصل في السنة الاحتياط، والحفاظ رحمهم الله وحفظ الأحياء منهم لا يقبلون الفرد إلا إذا كان راويه يحتمل حاله قبول تفرده، وهذا الأمر مقيد بجملة من القرائن تتعلق بالراوي والمروي معا.
أولا: حال المتفرد أو الراوي:
1= إن قوة ضبط الراوي واتقانه، وملازمته لشيخه الذي انفرد عنه خصوصا لها أكبر الأثر في قبول تفرده، فإذا كان المتفرد إماما بحرا واسع الحفظ، بيِّن الضبط والإتقان، تدور عليه كثير من السنن، فإن ما تفرد به لا يضره في الغالب، بل إن هذا التميز هو الذي رفعه إلى مصاف الأئمة.
أما إذا كان المتفرد من زمرة الثقات، لكن ليس من أهل التفرد، وممن يتحمل الحمالات، فإن ما يتفرد به يكون مظنة للوهم والخطأ، فينظر حينها إلى القرائن التي حفّت بهذا التفرد، كأن ينظر إلى شيخه الذي تفرد عنه، ومدى أهليته للتفرد، وينظر إلى ما روى هل له قرائن من الشريعة تعضده.
ومما له أثر في قبول رواية المتفرد حال شيخه المتفرد عنه، فإن الشيخ إذا كان ثقة مكثرا بحرا إماما ندر التفرد عنه، لأن إكثاره من الحديث والتحديث يستلم تكاثر التلاميذ عليه، وملازمتهم له، فيندر حينها أن ينفرد بعضهم برواية دون بعض.
قال الخليلي في الإرشاد (1/202 تحقيق محمد سعيد إدريس): (وإذا أسند لك الحديثُ عن الزهري، أو عن غيره من الأئمة فلا تحكم بصحته بمجرّد الإسناد، فقد يخطئ الثقة).
وقال الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه (إكمال المعلم 1/104) : (فأمّا من تراه يعمِد لمثل الزّهري في جلالته وكثرة أصحابه الحُفّّاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوط مشترك؛ قد نقل أصحابُهما عنهما حديثَهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قَبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم).
ثانيا: أما الأمر الآخر فهو المتفرد به: وهو الحديث، وينقسم إلى متن وإسناد، ولكل منهما أحوال تؤثر في قبول التفرد ورده.
أ= من أحوال المتن:
=أن يكون المتن مخالفا لما ثبت وتقرر في الشريعة.
=أن يكون المتن مما تتوافر الهمم وتقوى الدواعي على نقله، إما لاشتماله على حكم شرعي تعمّ البلوى به وتتكرر كثيرا، فهذا شيء تتوافر همم المسلمين على نقله وحفظه، وإما أن يكون متن الحديث أصلا تبنى عليه أحكام لا تبنى على غيره، فأهل العلم والحفاظ يحرصون ويجتهدون على سماع هذا النوع من السنن، وحديث الباب الذي نحن في صدد الحديث عنه من هذا القبيل، فكيف يتفرد به صدوق عن بحر!.
ب= أما بخصوص الإسناد:
= أن يكون الراوي تفرد بإسناد موصوف بأنّه من أصح الأسانيد، والعلة في ذلك: أن هذا النوع من الأسانيد هو محطة أنظار النقلة، وإليه تتجه همّة المحدثين.
= أن يكون الراوي تفرد برواية الحديث على الجادة، والجوادّ تنقلب إليها الأسانيد كثيرا.
= أن يكون الحديث مشهورا من طريق معينة، ثمّ يتفرد راو بروايته من طريق أشهر من الطريق التي عرف المتن بها.
= أن يكون الراوي القليل الرحلة تفرد عن غير أهل بلده، كأن يروي أحد البصريين حديثا يتفرد به عن نافع عن ابن عمر، فمن حق الحفاظ أن يسألوا: أين أهل المدينة من هذا السند؟.
ولكل ما ذكرت أمثلة في كتب العلل، انظر بحث الحديث المنكر عند نقاد الحديث لصاحبه عبد الرحمن السّلمي.
وأعود بعد هذه الجولة القصيرة إلى النظر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ودونك البيان بإيجاز.
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) منكر كما سيأتي بيانه.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (1/139برقم: 418)، وأبو داود (برقم 836 ط: عوامة)، والترمذي في الجامع (1/307 برقم269)، وابن حزم في المحلى (4/128-129)، والنسائي في المجتبى (1/554 برقم: 1090، باب أول ما يصل الأرض من الإنسان في سجوده)، وفي الكبرى (1/345 برقم 682)، والدارمي (1/303 برقم1321)، والطحاوي في مشكل الآثار (1/65-66)، وفي "شرح معاني الآثار" (1/254)، والبيهقي في الكبرى(2/143 بلفظين الأول يوافق رواية الجماعة والثاني: وليضع يديه على ركبتيه، قال البيهقي: كذا قال على ركبتيه، فإن كان محفوظا كان دليلا على أنه يضع يديه على ركبتيه عند الأهواء إلى السجود)، وأحمد (2/381)، والحازمي في الاعتبار (ص:77)، والبغوي (برقم643) من طرق عن: محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً.
قال الإمام البخاري في محمد بن عبد الله بن الحسن الهاشمي الملقب بالنفس الزكية كما في التاريخ الكبير: (ولا يتابع عليه، لا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟)، وصاحب المقال حذف عبارة (لا يتابع عليه) ولا أدري أسقطت من البحث أم أنّه نقل بالوساطة دون أن يعود إلى الأصل كما أشرت سابقا!.
قال العلاّمة ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (5/90 تحقيق طارق عوض الله) بعد ما تكلم عن حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه: (وروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة ولا يثبت أيضا، وأجود طرقه: من رواية محمد بن عبد الله بن حسن أبي الزناد، عن الأعرج...).
وقال ابن رجب كذلك: (وقال حمزة الكناني: هو منكر. ومحمد راويه ذكره البخاري في الضعفاء، وقال: يقال ابن حسن، ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا).
قال الترمذي في الجامع: (حديث أبي هريرة غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه).
قلت: محمد بن عبد الله بن حسن لا يقبل منه تفرده عن أبي الزِّناد عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني .
فإن أبا الزناد كان سفيان يسميه أمير المؤمنين في الحديث. وقد روى عنه جمهور غفير.
فأين مالك بن أنس من هذا الحديث الذي تقوى الهمم على نقله، وأين عبيد الله بن عمر، ويونس بن يزيد الأيلي، وهشام بن عروة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وزائدة بن قدامة، وسليمان الأعمش، ومحمد بن إسحاق، وسليمان بن أبي سليمان الشيباني، وشعيب بن أبي حمزة الأموي، وصالح بن كيسان، وأين ابناه عبد الرحمن، وأبو القاسم، وأين موسى بن عقبة بن أبي عياش، وغيرهم كثير. ولهذا كان من منهج الإمام أحمد رحمه الله في نقده للأحاديث أن الصدوق أو الثقة إذا تفرد عن مكثر كصاحبنا أبي الزناد أو الزهري فإنه يحكم عليه بالنكارة، وللفائدة انظر العلل له، والمنتخب من العلل للخلال تحقيق طارق عوض الله.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (1/263)، وأبو يعلى (برقم6540)، والطحاوي (1/255)، والبيهقي (2/143 برقم2635) من طريق محمد بن الفضل، عن عبد الله بن سعيد المقبوري، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعا: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الجمل).
قلت: عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري أبو عبّاد الليثي المدني متروك.
قال الناقد أبو بكر البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى: (وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن فضل، إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف، والذي يعارضه يتفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الداروردي، وقد رواه عبد الله بن نافع مختصرا [ثم ذكر روية عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)]، وقد روي أن ذلك كان ثم نسخ وصار الأمر إلى ما روينا عن وائل بن حجر، إلا أن إسناده ضعيف [ثم أورد رحمه الله حديث سلمة بن كهيل، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين] كذا قال: والمشهور عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق والله أعلم)اهـ.
قلت: وقد بين صاحب المقال أنّ النسخ عائد على التطبيق، وردّ ما ذهب إليه ابن خزيمة، فجزاه الله خيرا. راجع للفائدة كلام الحافظ النووي في الخلاصة (1/403)، وفي المجموع، والحافظ ابن حجر في الفتح (كتاب الأذان، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد).
تعقيب/هل يصح حديث في النّهي عن البروك في الصلاة كما يبرك البعير حين الهوي إلى السجود؟.
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين
أما بعد:
لقد وقفت على مقال في مجلة إسلامية جزائرية عَنْوَنَ له كاتبُه -وفقه الله إلى كل خير- (بالهويّ إلى السجود)، تحدّث فيه عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)، وتَطَرَّق للحديث من جانبين:
1= من حيثُ ثبوتُه، وذهب إلى تصحيحه، مطيلا للكلام في الدفاع عن الدراوردي بما لا يخدم الحديث في مثل هذا الموقف، ثم رد بعد ذلك وفقه الله إلى طاعته على الذين ضعفوه انطلاقا من متنه الذي هو فرع عن صحة سنده، ولو ركزّ على نفي التفرد عن محمد بن حسن وأطال النّفس فيه لكان أجدى له، ولاستقام له دفاعه. ثم المتتبع لصنيعه يجد أنه كرر ما حرره العلاّّمة محمد ناصر الدين الألباني في الإرواء (2/79)، وتمام المنّة (ص 194-195 ط/ دار الراية)، ولهذا فاتته عبارة البخاري كاملة في محمد بن حسن كما سيأتي توضيحه في بابه.
2= ومن حيث جانبُه الفقهي وقال: (فالحديث إذن يدلّ على أنّ المصلي يقدم يديه قبل ركبتيه عند الهويّ إلى السُّجود، وظاهره الوجوب لقوله (لا يَبْرُكَنَّ)، وهو نهي، وللأمر بقوله: (ولْيَضَعْ)؛ لكن قال الصّنعاني: (قيل: ولم يقل أحد بوجوبه، فتعيّن أنّه مندوب). إطلاق القول بأنّه لم يقل بوجوبه أحد غير صحيح، لأن ابن حزم قد قال بذلك ونصّ كلامه: (وفرض على كلّ مصلٍ أن يضع إذا سجد يديه على الأرض قبل ركبتيه ولا بدّ)اهـ.
قلت: وهو الحكم نفسه الذي أظهره الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في تمام المنّة، وردّ به الاتفاق الذي نقله شيخ الإسلام رحمه الله.
قلت وبالله التوفيق: قبل الحديث عن تخريج الحديث وبسط كلام الحفاظ فيه، أعرج على باب له صلة بالموضوع بصيغة موجزة جدا؛ وهو علاقة التفرد بالنكارة التي يهملها بعض المشتغلين بالحديث عند التحقيق مكتفين بظاهر السند، ومعتمدين على أقوال الفقهاء والأصوليين في التصحيح والتضعيف.
لقد عرّف جمع من أهل العلم المنكر بتعاريف متقاربة ومنهم: البرديجي والإمام مسلم في مقدمة صحيحه، وابن الصلاح، والحافظ ابن حجر، والزركشي، والذهبي رحمهم الله جميعا، وإن اعترض بعضهم على بعض في بعض النقاط، واخترت في هذه العجالة أن يكون تعريف المنكر: (خلل في الرواية يستفحشه الناقد، يدركه بقرائن أهمها التفرد أو النكارة) انظر الحديث المنكر لعبد الرحمن السّلمي.
والقرائن التي تُعرف بها النّكارة كثيرة جدا، أصولها أربعة:
1= درجة ضبط الراوي عموما.
2= درجة ضبط الراوي في شيخه الذي روى عنه خصوصا.
3= الطبقة الزمنية للراوي فكلما نزلت طبقته كلما زادت قوة هذه القرينة.
4= كون المتن أو الإسناد مما تتوافر الدواعي والهمم على نقله.
والحديث المنكر مردود مطروح عند أئمة الصنعة؛ سواء كانت النكارة في المتن أو السند.
قال الحافظ ابن حجر في النكت (2/674 تحقيق العلاّمة المحدث ربيع بن هادي المدخلي) شارحا لكلام ابن الصلاح: (وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث).
قلت -أي الحافظ-: (وهذا مما ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد؛ لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده).
وعلاقة المنكر بالتفرد مبنية على أن التفرد ممن ليس من أهل الحمالات وإن كان ثقة أو صدوقا علامة من علامات النكارة والخطأ، ومعلوم أن السنة النبوية مصونة محفوظة من المولى تبارك و تعالى، فإن تفرد راوي بحديث فيه خطأ تفطن له الحفاظ وحماة السنة، وصرحوا بخطئه، فالتفرد مظنة للوهم والخطأ، والأصل في السنة الاحتياط، والحفاظ رحمهم الله وحفظ الأحياء منهم لا يقبلون الفرد إلا إذا كان راويه يحتمل حاله قبول تفرده، وهذا الأمر مقيد بجملة من القرائن تتعلق بالراوي والمروي معا.
أولا: حال المتفرد أو الراوي:
1= إن قوة ضبط الراوي واتقانه، وملازمته لشيخه الذي انفرد عنه خصوصا لها أكبر الأثر في قبول تفرده، فإذا كان المتفرد إماما بحرا واسع الحفظ، بيِّن الضبط والإتقان، تدور عليه كثير من السنن، فإن ما تفرد به لا يضره في الغالب، بل إن هذا التميز هو الذي رفعه إلى مصاف الأئمة.
أما إذا كان المتفرد من زمرة الثقات، لكن ليس من أهل التفرد، وممن يتحمل الحمالات، فإن ما يتفرد به يكون مظنة للوهم والخطأ، فينظر حينها إلى القرائن التي حفّت بهذا التفرد، كأن ينظر إلى شيخه الذي تفرد عنه، ومدى أهليته للتفرد، وينظر إلى ما روى هل له قرائن من الشريعة تعضده.
ومما له أثر في قبول رواية المتفرد حال شيخه المتفرد عنه، فإن الشيخ إذا كان ثقة مكثرا بحرا إماما ندر التفرد عنه، لأن إكثاره من الحديث والتحديث يستلم تكاثر التلاميذ عليه، وملازمتهم له، فيندر حينها أن ينفرد بعضهم برواية دون بعض.
قال الخليلي في الإرشاد (1/202 تحقيق محمد سعيد إدريس): (وإذا أسند لك الحديثُ عن الزهري، أو عن غيره من الأئمة فلا تحكم بصحته بمجرّد الإسناد، فقد يخطئ الثقة).
وقال الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه (إكمال المعلم 1/104) : (فأمّا من تراه يعمِد لمثل الزّهري في جلالته وكثرة أصحابه الحُفّّاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوط مشترك؛ قد نقل أصحابُهما عنهما حديثَهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قَبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم).
ثانيا: أما الأمر الآخر فهو المتفرد به: وهو الحديث، وينقسم إلى متن وإسناد، ولكل منهما أحوال تؤثر في قبول التفرد ورده.
أ= من أحوال المتن:
=أن يكون المتن مخالفا لما ثبت وتقرر في الشريعة.
=أن يكون المتن مما تتوافر الهمم وتقوى الدواعي على نقله، إما لاشتماله على حكم شرعي تعمّ البلوى به وتتكرر كثيرا، فهذا شيء تتوافر همم المسلمين على نقله وحفظه، وإما أن يكون متن الحديث أصلا تبنى عليه أحكام لا تبنى على غيره، فأهل العلم والحفاظ يحرصون ويجتهدون على سماع هذا النوع من السنن، وحديث الباب الذي نحن في صدد الحديث عنه من هذا القبيل، فكيف يتفرد به صدوق عن بحر!.
ب= أما بخصوص الإسناد:
= أن يكون الراوي تفرد بإسناد موصوف بأنّه من أصح الأسانيد، والعلة في ذلك: أن هذا النوع من الأسانيد هو محطة أنظار النقلة، وإليه تتجه همّة المحدثين.
= أن يكون الراوي تفرد برواية الحديث على الجادة، والجوادّ تنقلب إليها الأسانيد كثيرا.
= أن يكون الحديث مشهورا من طريق معينة، ثمّ يتفرد راو بروايته من طريق أشهر من الطريق التي عرف المتن بها.
= أن يكون الراوي القليل الرحلة تفرد عن غير أهل بلده، كأن يروي أحد البصريين حديثا يتفرد به عن نافع عن ابن عمر، فمن حق الحفاظ أن يسألوا: أين أهل المدينة من هذا السند؟.
ولكل ما ذكرت أمثلة في كتب العلل، انظر بحث الحديث المنكر عند نقاد الحديث لصاحبه عبد الرحمن السّلمي.
وأعود بعد هذه الجولة القصيرة إلى النظر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ودونك البيان بإيجاز.
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) منكر كما سيأتي بيانه.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (1/139برقم: 418)، وأبو داود (برقم 836 ط: عوامة)، والترمذي في الجامع (1/307 برقم269)، وابن حزم في المحلى (4/128-129)، والنسائي في المجتبى (1/554 برقم: 1090، باب أول ما يصل الأرض من الإنسان في سجوده)، وفي الكبرى (1/345 برقم 682)، والدارمي (1/303 برقم1321)، والطحاوي في مشكل الآثار (1/65-66)، وفي "شرح معاني الآثار" (1/254)، والبيهقي في الكبرى(2/143 بلفظين الأول يوافق رواية الجماعة والثاني: وليضع يديه على ركبتيه، قال البيهقي: كذا قال على ركبتيه، فإن كان محفوظا كان دليلا على أنه يضع يديه على ركبتيه عند الأهواء إلى السجود)، وأحمد (2/381)، والحازمي في الاعتبار (ص:77)، والبغوي (برقم643) من طرق عن: محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً.
قال الإمام البخاري في محمد بن عبد الله بن الحسن الهاشمي الملقب بالنفس الزكية كما في التاريخ الكبير: (ولا يتابع عليه، لا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟)، وصاحب المقال حذف عبارة (لا يتابع عليه) ولا أدري أسقطت من البحث أم أنّه نقل بالوساطة دون أن يعود إلى الأصل كما أشرت سابقا!.
قال العلاّمة ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (5/90 تحقيق طارق عوض الله) بعد ما تكلم عن حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه: (وروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة ولا يثبت أيضا، وأجود طرقه: من رواية محمد بن عبد الله بن حسن أبي الزناد، عن الأعرج...).
وقال ابن رجب كذلك: (وقال حمزة الكناني: هو منكر. ومحمد راويه ذكره البخاري في الضعفاء، وقال: يقال ابن حسن، ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا).
قال الترمذي في الجامع: (حديث أبي هريرة غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه).
قلت: محمد بن عبد الله بن حسن لا يقبل منه تفرده عن أبي الزِّناد عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني .
فإن أبا الزناد كان سفيان يسميه أمير المؤمنين في الحديث. وقد روى عنه جمهور غفير.
فأين مالك بن أنس من هذا الحديث الذي تقوى الهمم على نقله، وأين عبيد الله بن عمر، ويونس بن يزيد الأيلي، وهشام بن عروة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وزائدة بن قدامة، وسليمان الأعمش، ومحمد بن إسحاق، وسليمان بن أبي سليمان الشيباني، وشعيب بن أبي حمزة الأموي، وصالح بن كيسان، وأين ابناه عبد الرحمن، وأبو القاسم، وأين موسى بن عقبة بن أبي عياش، وغيرهم كثير. ولهذا كان من منهج الإمام أحمد رحمه الله في نقده للأحاديث أن الصدوق أو الثقة إذا تفرد عن مكثر كصاحبنا أبي الزناد أو الزهري فإنه يحكم عليه بالنكارة، وللفائدة انظر العلل له، والمنتخب من العلل للخلال تحقيق طارق عوض الله.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (1/263)، وأبو يعلى (برقم6540)، والطحاوي (1/255)، والبيهقي (2/143 برقم2635) من طريق محمد بن الفضل، عن عبد الله بن سعيد المقبوري، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعا: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الجمل).
قلت: عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري أبو عبّاد الليثي المدني متروك.
قال الناقد أبو بكر البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى: (وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن فضل، إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف، والذي يعارضه يتفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الداروردي، وقد رواه عبد الله بن نافع مختصرا [ثم ذكر روية عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)]، وقد روي أن ذلك كان ثم نسخ وصار الأمر إلى ما روينا عن وائل بن حجر، إلا أن إسناده ضعيف [ثم أورد رحمه الله حديث سلمة بن كهيل، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين] كذا قال: والمشهور عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق والله أعلم)اهـ.
قلت: وقد بين صاحب المقال أنّ النسخ عائد على التطبيق، وردّ ما ذهب إليه ابن خزيمة، فجزاه الله خيرا. راجع للفائدة كلام الحافظ النووي في الخلاصة (1/403)، وفي المجموع، والحافظ ابن حجر في الفتح (كتاب الأذان، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد).