عبد الرحمان أحمد
04-13-2009, 06:32 PM
الحمد لله ربِّ العالمين، الرحمان الرحيم، مالك يوم الدين، وصلِّ اللَّهم وسلِّم وبارِك على نبيِّك الأمين، وآله وصحبه أجمعين، أما بعدُ:
فهذه مشاركة متواضعة أُقدِّمها لإخواني في هذا المنتدى المبارك - إن شاء الله تعالى - حول موضوع "لفظة منكرة في حديث صحيح"، كان السببُ في كتابتها ما ذكره شيخنا الفاضل أبو عبد الباري عبد الحميد العربي - حفظه الله تعالى - بشأن هذا الموضوع، فنشطت همتي للبحث فيه، واستأذنت شيخنا - أحسن الله إليه – في طرحه على المنتدى فأذن لي بذلك، وكان غرضي من هذا البحث عرضَه على شيخنا - نفع الله به - للاستفادة من توجيهاته وإرشاداته في هذا العلم الدقيق؛ والذي قلَّ اعتناء طلبة العلم به.
كما أرجو من إخواني القراء ممن له ملاحظات أنْ يوافيَني بها، بارك الله في الجميع.
الزِّياداتُ المُنكَرةُ في متونِ الأحاديث الصَّحيحة:
فصلٌ في معرفةِ هذا النَّوع من علوم الحديث ومَنْ عُرِف بالاعتناء به مِن النُّقاد.
قال الحاكم النيسابوري:( ذكر النوع الحادي والثلاثون من علوم الحديث: هذا النوع من هذه العلوم معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد.
وهذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه وقد كان أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر بذلك، وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان، وبعدهما شيخنا أبو الوليد رضي الله عنهم أجمعين ). معرفة علوم الحديث ص398
وقال الإمام النقاد أبو عيسى الترمذي: ورُبَّ حديث إنما يُستغرَب لزيادة تكون في الحديث وإنما تصِحُّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمَد على حفظه. العلل الصغير- مع التحفة- 5/401 ط: الهندية.
قال الحافظ ابن رجب - شارحا كلام الترمذي -: هذا أيضاً نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهوراً لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب. وقد ذكر الترمذي: أن الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد على حفظه فإنها تقبل، يعني وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه لا تقبل زيادته. شرح العلل: 2/631 ط: همام.
ولا يخفى ما لهذه الزيادات والألفاظ من أثر في الأحكام الشرعية، واختلافِ الفقهاء في كثير من المسائل الفقهية.
قال الحافظ بن عبد البر بعد تخريجه لحديث عائشة - رضي الله عنها - في المستحاضة: وبعضهم يذكر فيه ألفاظا لا يذكرها غيره منهم، وربما أوجبت تلك الألفاظ أحكاما.اهـ التمهيد: 2/403.
وقد اشتهر بالعناية بهذا الأمر جماعة من نقاد الحديث، منهم: أبو داود السجستاني، وابن خزيمة، وأبو بكر النيسابوري، والبيهقي.
قال ابن رجب: وأما الزيادة في المتون وألفاظ الحديث فأبو داود رحمه الله في كتاب السنن أكثر الناس اعتناء بذلك، وهو مما يعتني به محدثوا الفقهاء. شرح العلل 2/639
وقال الإمام أبو حاتم ابن حبان البستي: وما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة تزاد في الخبر ثقة، حتى كأن السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحق بن خزيمة - رحمة الله عليه - فقط.
المجروحين 1/93
وسُئل الدارقطني عن الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوري، فقال:لم نر مثله في مشايخنا، لم نر أحفظ منه للأسانيد والمتون، وكان أفقه المشايخ، جالس المزني والربيع ، وكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون، ولما قعد للتحديث قالوا: حدِّث ، قال: بل سلوا، فسئل عن أحاديث فأجاب فيها، وأملاها، ثم بعد ذلك ابتدأ يحدث. سؤالات السلمي ت 365. تاريخ بغداد 11/340
وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد: سمعت الدارقطني يقول: كنا ببغداد يوما جلوسا في مجلس اجتمع فيه جماعة من الحفاظ يتذاكرون، وذكر الدارقطني أبا طالب الحافظ وأبا بكر بن الجعابي وغيرهما، فجاء رجل من الفقهاء فسأل الجماعة من روى عن النبي صلى الله عليه و سلم:( جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا ) فقالت الجماعة روى هذا الحديث فلان وفلان وسموهم، فقال السائل: أريد هذه اللفظة ( وجعلت تربتها لنا طهورا )، فلم يكن عند واحد منهم جواب، ثم قالوا: ليس لنا غير أبي بكر النيسابوري؛ فقاموا بأجمعهم إلى أبي بكر فسألوه عن هذه اللفظة؛ فقال: نعم حدثنا فلان وساق في الوقت من حفظه الحديث واللفظة فيه. تاريخ بغداد 11/340-341
فصلٌ في بيان الألفاظ المنكرة الواقعة في متون الأحاديث الصحيحة.كتـاب الطـهارة
بـاب ما جـاء في مسح الرأس ثلاثًا من مسند عثمان بن عفان رضي الله عنه.
روى جماعة كثيرة عن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضي الله عنه - دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-:« مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ».
هكذا رواه الأثبات عن حمران من غير تثليث في مسح الرأس ورواياتهم في الصحيحين وغيرهما. وكذلك رواه زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وابن أبي مليكة، وأبو علقمة الهاشمي الفارسي، وأبو أنس - جد الإمام مالك -، وبسر بن سعيد، كلهم عن عثمان رضي الله عنه.
وخالفهم أبو سلمة بن عبد الرحمن فروى عن حمران أنه مسح رأسه ثلاثا. كما في سنن أبي داود (107).
روى عنه ذلك عبد الرحمان بن وردان، وقد قال فيه يحيى بن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. وقال الدارقطنى: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات.
فمثله لا يقبل تفرد لا سيما عن إمام مكثر من مثل أبي سلمة؛ فكيف إذا خالف الثقات. وقد قال ابن دقيق العيد: فلولا مخالفة عبد الرحمن الثقات في انفراده بالتثليث لكان صحيحا أو حسنا. البدر المنير 2/173. وفيه بعض نظر.
تنبيه: ذكر ابن الملقن في البدر المنير عروة بن الزبير ممن روي التثليث عن حمران وعزا رويته للبزار في مسنده والظاهر أنه وهم فرواية عروة عند البزار (423) توافق رواية الجماعة، وهي أيضا في الصحاح والسنن.
وقد روى التثليث أيضا عن عثمانَ جماعةٌ منهم: أبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابن دارة، وابن البيلماني، وعطاء بن أبي رباح.
أولا: رواية شقيق بن سلمة
قال شقيق: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه ثلاثا ثم قال رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعل هذا.
أخرجه أبو داود (110) قال: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن عامر بن شقيق بن جمرة عن شقيق. وفي إسناده عامر قال فيه أبو حاتم: ليس بقوي، وليس من أبى وائل بسبيل.
والرواية على هذا الوجه خطأ، قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: توضَّأَ ثلاثًا فقط.اهـ يعني: أنه لم يُفصِّل كما فَصَّل يحيى بن آدم، ورواية وكيع مقدَّمة على رواية يحيى عند الاختلاف.
قال عثمان بن أبى شيبة في يحيى: ثقةٌ صدوقٌ ثبتٌ حجةٌ ما لم يخالفْ من هو فوقه، مثل وكيع. اهـ.
وقد تابعَ وكيعًا في عدم ذِكْر التثليث في مسح الرأس جماعةٌ منهم: عبد الله بن نمير وعبد الرحمان بن مهدي وأبو غسان ومصعب بن المِقْدَام، وغيرهم. انظر: سنن الدارقطني ( 286، 287).
ثانيا: رواية عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
أخرجها الدارقطني (301) والبيهقي في الكبرى (296) من طريق محمَّد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال حدثني أبو بكر بن أبى أويس قال: حدثني سليمان بن بلال عن إسحاق بن يحيى عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب عن أبيه.
وفيه إسحاق بن يحيى ضعيف جدًّا قال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: ذاك شبهٌ لا شيء. وقال أحمد: منكر الحديث ليس بشيء. وقال أيضا: متروك الحديث. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال يحيى بن معين: ضعيف ليس بشيء، لا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بقوي ولا بمكان أن يعتبر بحديثه.
ثالثا: رواية ابن دارة مولى عثمان.
أخرجها أحمد (436)، والبزار في مسنده (409)، والدارقطني (304)، والبيهقي في الكبرى (294) كلهم من طريق صفوان بن عيسى عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم قال: دخلت على بن دارة مولى عثمان قال فسمعني أُمَضْمِضُ قال فقال يا محمد قال قلت لبيك قال ألا أخبرك عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رأيت عثمان رضي الله عنه وهو بالمقاعد...الحديث.
صفوان: ثقة صالح، أخرج له الخمسة والبخاري تعليقا.
وابن أبي مريم قال فيه يحيى القطان: لم يكن به بأس، وقال أبو حاتم شيخ مدني صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وشيخه ابن داره سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم وقال ابن حجر: مجهول الحال. انظر: تعجيل المنفعة 2/189، التلخيص الحبير 1/146.
وهذا أقوى ما في الباب إلا أنَّه اختُلف فيه على صفوان:
فروى أحمد ومسد بن مسرهد - عند البيهقي - ومحمد بن عبد الله المخرمي - عند الدراقطني - عن صفوان تثليث مسح الرأس.
وروى محمد بن المثنى - كما في مسند البزار - عن صفوان من غير ذكر التثليث.
واختُلف فيه على ابن دارة فروى محمد بن عبد الله بن أبي مريم عنه عن عثمان، وروى محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن دارة عن حمران عن عثمان. - عند أبي نعيم في معرفة الصحابة (3642).
رابعا: رواية عبد الرحمان بن البيلماني.
أخرجها الدارقطني في سننه (305) قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل نا شعيب بن محمد الحضرمي بمكة ثنا الربيع بن سليمان الحضرمي نا صالح بن عبد الجبار ثنا بن البيلماني عن أبيه عن عثمان بن عفان.
ومحمد بن عبد الرحمان بن البيلماني هذا قال فيه أبو حاتم، والبخاري، والنسائي والساجي: منكر الحديث. وقال ابن عدى: وكل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه. وقال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة شبيهًا بمائتي حديث كلها موضوعة; لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره إلا على وجه التعجب.
وأما أبوه فقال فيه الدارقطني : ضعيف، لا تقوم به حجة. وقال الأزدي: منكر الحديث، يروى عن ابن عمر بواطيل. وقال صالح جزرة: حديثه منكر، ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سرق.
قال الحافظ بن حجر: فعلى مطلق هذا يكون حديثه عن الصحابة المسمين أولا مرسلا عند صالح.
خامسا: رواية عطاء بن أبي رباح.
ذكرها البيهقي في الكبرى (1/104)، وأسندها في الخلافيات (131) عن الليث بن سعد عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن عطاء به.
وهو منقطع بين عطاء وعثمان كما قال البيهقي وابن دقيق العيد.
فهذه خمس روايات وقفت عليها في تثليث مسح الرأس عن عثمان؛ كلها معلولة، ولا يصِحُّ القولُ أنها بمجموعها تثبت؛ فإن رواية شقيق غلط فتسقط، ورواية ابن الببلماني وعبد الله بن جعفر شديدتا الضعف، وراية عطاء منقطعة، فبقيت رواية ابن دارة؛ وقد علم ما فيها من الاختلاف مع جهالة راويها.
لذا أنكر الحُفَّاظ لفظة "ثلاثا" في مسح الرأس في حديث عثمان.
قال الإمام أبو دود السجستاني: أحاديث عثمان - رضي الله عنه - الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا وقالوا فيها ومسح رأسه. ولم يذكروا عددا كما ذكروا في غيره.اهـ ( السنن - مع عون المعبود- ) 1/149
وقال الحافظ البيهقي: والرواياتُ الثابتةُ المفسِّرةُ عن حمران تدل على أن التكرار وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء وأنه مسح برأسه مرة واحدة....ثم نقل كلام أبي داود ثم قال: وقد روى من أوجه غريبة عن عثمان رضي الله عنه ذكر التكرار في مسح الرأس إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها. السنن الكبرى 1/103.
فهذه مشاركة متواضعة أُقدِّمها لإخواني في هذا المنتدى المبارك - إن شاء الله تعالى - حول موضوع "لفظة منكرة في حديث صحيح"، كان السببُ في كتابتها ما ذكره شيخنا الفاضل أبو عبد الباري عبد الحميد العربي - حفظه الله تعالى - بشأن هذا الموضوع، فنشطت همتي للبحث فيه، واستأذنت شيخنا - أحسن الله إليه – في طرحه على المنتدى فأذن لي بذلك، وكان غرضي من هذا البحث عرضَه على شيخنا - نفع الله به - للاستفادة من توجيهاته وإرشاداته في هذا العلم الدقيق؛ والذي قلَّ اعتناء طلبة العلم به.
كما أرجو من إخواني القراء ممن له ملاحظات أنْ يوافيَني بها، بارك الله في الجميع.
الزِّياداتُ المُنكَرةُ في متونِ الأحاديث الصَّحيحة:
فصلٌ في معرفةِ هذا النَّوع من علوم الحديث ومَنْ عُرِف بالاعتناء به مِن النُّقاد.
قال الحاكم النيسابوري:( ذكر النوع الحادي والثلاثون من علوم الحديث: هذا النوع من هذه العلوم معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد.
وهذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه وقد كان أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر بذلك، وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان، وبعدهما شيخنا أبو الوليد رضي الله عنهم أجمعين ). معرفة علوم الحديث ص398
وقال الإمام النقاد أبو عيسى الترمذي: ورُبَّ حديث إنما يُستغرَب لزيادة تكون في الحديث وإنما تصِحُّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمَد على حفظه. العلل الصغير- مع التحفة- 5/401 ط: الهندية.
قال الحافظ ابن رجب - شارحا كلام الترمذي -: هذا أيضاً نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهوراً لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب. وقد ذكر الترمذي: أن الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد على حفظه فإنها تقبل، يعني وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه لا تقبل زيادته. شرح العلل: 2/631 ط: همام.
ولا يخفى ما لهذه الزيادات والألفاظ من أثر في الأحكام الشرعية، واختلافِ الفقهاء في كثير من المسائل الفقهية.
قال الحافظ بن عبد البر بعد تخريجه لحديث عائشة - رضي الله عنها - في المستحاضة: وبعضهم يذكر فيه ألفاظا لا يذكرها غيره منهم، وربما أوجبت تلك الألفاظ أحكاما.اهـ التمهيد: 2/403.
وقد اشتهر بالعناية بهذا الأمر جماعة من نقاد الحديث، منهم: أبو داود السجستاني، وابن خزيمة، وأبو بكر النيسابوري، والبيهقي.
قال ابن رجب: وأما الزيادة في المتون وألفاظ الحديث فأبو داود رحمه الله في كتاب السنن أكثر الناس اعتناء بذلك، وهو مما يعتني به محدثوا الفقهاء. شرح العلل 2/639
وقال الإمام أبو حاتم ابن حبان البستي: وما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة تزاد في الخبر ثقة، حتى كأن السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحق بن خزيمة - رحمة الله عليه - فقط.
المجروحين 1/93
وسُئل الدارقطني عن الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوري، فقال:لم نر مثله في مشايخنا، لم نر أحفظ منه للأسانيد والمتون، وكان أفقه المشايخ، جالس المزني والربيع ، وكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون، ولما قعد للتحديث قالوا: حدِّث ، قال: بل سلوا، فسئل عن أحاديث فأجاب فيها، وأملاها، ثم بعد ذلك ابتدأ يحدث. سؤالات السلمي ت 365. تاريخ بغداد 11/340
وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد: سمعت الدارقطني يقول: كنا ببغداد يوما جلوسا في مجلس اجتمع فيه جماعة من الحفاظ يتذاكرون، وذكر الدارقطني أبا طالب الحافظ وأبا بكر بن الجعابي وغيرهما، فجاء رجل من الفقهاء فسأل الجماعة من روى عن النبي صلى الله عليه و سلم:( جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا ) فقالت الجماعة روى هذا الحديث فلان وفلان وسموهم، فقال السائل: أريد هذه اللفظة ( وجعلت تربتها لنا طهورا )، فلم يكن عند واحد منهم جواب، ثم قالوا: ليس لنا غير أبي بكر النيسابوري؛ فقاموا بأجمعهم إلى أبي بكر فسألوه عن هذه اللفظة؛ فقال: نعم حدثنا فلان وساق في الوقت من حفظه الحديث واللفظة فيه. تاريخ بغداد 11/340-341
فصلٌ في بيان الألفاظ المنكرة الواقعة في متون الأحاديث الصحيحة.كتـاب الطـهارة
بـاب ما جـاء في مسح الرأس ثلاثًا من مسند عثمان بن عفان رضي الله عنه.
روى جماعة كثيرة عن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضي الله عنه - دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-:« مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ».
هكذا رواه الأثبات عن حمران من غير تثليث في مسح الرأس ورواياتهم في الصحيحين وغيرهما. وكذلك رواه زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وابن أبي مليكة، وأبو علقمة الهاشمي الفارسي، وأبو أنس - جد الإمام مالك -، وبسر بن سعيد، كلهم عن عثمان رضي الله عنه.
وخالفهم أبو سلمة بن عبد الرحمن فروى عن حمران أنه مسح رأسه ثلاثا. كما في سنن أبي داود (107).
روى عنه ذلك عبد الرحمان بن وردان، وقد قال فيه يحيى بن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. وقال الدارقطنى: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات.
فمثله لا يقبل تفرد لا سيما عن إمام مكثر من مثل أبي سلمة؛ فكيف إذا خالف الثقات. وقد قال ابن دقيق العيد: فلولا مخالفة عبد الرحمن الثقات في انفراده بالتثليث لكان صحيحا أو حسنا. البدر المنير 2/173. وفيه بعض نظر.
تنبيه: ذكر ابن الملقن في البدر المنير عروة بن الزبير ممن روي التثليث عن حمران وعزا رويته للبزار في مسنده والظاهر أنه وهم فرواية عروة عند البزار (423) توافق رواية الجماعة، وهي أيضا في الصحاح والسنن.
وقد روى التثليث أيضا عن عثمانَ جماعةٌ منهم: أبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابن دارة، وابن البيلماني، وعطاء بن أبي رباح.
أولا: رواية شقيق بن سلمة
قال شقيق: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه ثلاثا ثم قال رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعل هذا.
أخرجه أبو داود (110) قال: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن عامر بن شقيق بن جمرة عن شقيق. وفي إسناده عامر قال فيه أبو حاتم: ليس بقوي، وليس من أبى وائل بسبيل.
والرواية على هذا الوجه خطأ، قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: توضَّأَ ثلاثًا فقط.اهـ يعني: أنه لم يُفصِّل كما فَصَّل يحيى بن آدم، ورواية وكيع مقدَّمة على رواية يحيى عند الاختلاف.
قال عثمان بن أبى شيبة في يحيى: ثقةٌ صدوقٌ ثبتٌ حجةٌ ما لم يخالفْ من هو فوقه، مثل وكيع. اهـ.
وقد تابعَ وكيعًا في عدم ذِكْر التثليث في مسح الرأس جماعةٌ منهم: عبد الله بن نمير وعبد الرحمان بن مهدي وأبو غسان ومصعب بن المِقْدَام، وغيرهم. انظر: سنن الدارقطني ( 286، 287).
ثانيا: رواية عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
أخرجها الدارقطني (301) والبيهقي في الكبرى (296) من طريق محمَّد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال حدثني أبو بكر بن أبى أويس قال: حدثني سليمان بن بلال عن إسحاق بن يحيى عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب عن أبيه.
وفيه إسحاق بن يحيى ضعيف جدًّا قال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: ذاك شبهٌ لا شيء. وقال أحمد: منكر الحديث ليس بشيء. وقال أيضا: متروك الحديث. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال يحيى بن معين: ضعيف ليس بشيء، لا يكتب حديثه. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بقوي ولا بمكان أن يعتبر بحديثه.
ثالثا: رواية ابن دارة مولى عثمان.
أخرجها أحمد (436)، والبزار في مسنده (409)، والدارقطني (304)، والبيهقي في الكبرى (294) كلهم من طريق صفوان بن عيسى عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم قال: دخلت على بن دارة مولى عثمان قال فسمعني أُمَضْمِضُ قال فقال يا محمد قال قلت لبيك قال ألا أخبرك عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رأيت عثمان رضي الله عنه وهو بالمقاعد...الحديث.
صفوان: ثقة صالح، أخرج له الخمسة والبخاري تعليقا.
وابن أبي مريم قال فيه يحيى القطان: لم يكن به بأس، وقال أبو حاتم شيخ مدني صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وشيخه ابن داره سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم وقال ابن حجر: مجهول الحال. انظر: تعجيل المنفعة 2/189، التلخيص الحبير 1/146.
وهذا أقوى ما في الباب إلا أنَّه اختُلف فيه على صفوان:
فروى أحمد ومسد بن مسرهد - عند البيهقي - ومحمد بن عبد الله المخرمي - عند الدراقطني - عن صفوان تثليث مسح الرأس.
وروى محمد بن المثنى - كما في مسند البزار - عن صفوان من غير ذكر التثليث.
واختُلف فيه على ابن دارة فروى محمد بن عبد الله بن أبي مريم عنه عن عثمان، وروى محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن دارة عن حمران عن عثمان. - عند أبي نعيم في معرفة الصحابة (3642).
رابعا: رواية عبد الرحمان بن البيلماني.
أخرجها الدارقطني في سننه (305) قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل نا شعيب بن محمد الحضرمي بمكة ثنا الربيع بن سليمان الحضرمي نا صالح بن عبد الجبار ثنا بن البيلماني عن أبيه عن عثمان بن عفان.
ومحمد بن عبد الرحمان بن البيلماني هذا قال فيه أبو حاتم، والبخاري، والنسائي والساجي: منكر الحديث. وقال ابن عدى: وكل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاء فيه منه. وقال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة شبيهًا بمائتي حديث كلها موضوعة; لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره إلا على وجه التعجب.
وأما أبوه فقال فيه الدارقطني : ضعيف، لا تقوم به حجة. وقال الأزدي: منكر الحديث، يروى عن ابن عمر بواطيل. وقال صالح جزرة: حديثه منكر، ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سرق.
قال الحافظ بن حجر: فعلى مطلق هذا يكون حديثه عن الصحابة المسمين أولا مرسلا عند صالح.
خامسا: رواية عطاء بن أبي رباح.
ذكرها البيهقي في الكبرى (1/104)، وأسندها في الخلافيات (131) عن الليث بن سعد عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن عطاء به.
وهو منقطع بين عطاء وعثمان كما قال البيهقي وابن دقيق العيد.
فهذه خمس روايات وقفت عليها في تثليث مسح الرأس عن عثمان؛ كلها معلولة، ولا يصِحُّ القولُ أنها بمجموعها تثبت؛ فإن رواية شقيق غلط فتسقط، ورواية ابن الببلماني وعبد الله بن جعفر شديدتا الضعف، وراية عطاء منقطعة، فبقيت رواية ابن دارة؛ وقد علم ما فيها من الاختلاف مع جهالة راويها.
لذا أنكر الحُفَّاظ لفظة "ثلاثا" في مسح الرأس في حديث عثمان.
قال الإمام أبو دود السجستاني: أحاديث عثمان - رضي الله عنه - الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا وقالوا فيها ومسح رأسه. ولم يذكروا عددا كما ذكروا في غيره.اهـ ( السنن - مع عون المعبود- ) 1/149
وقال الحافظ البيهقي: والرواياتُ الثابتةُ المفسِّرةُ عن حمران تدل على أن التكرار وقع فيما عدا الرأس من الأعضاء وأنه مسح برأسه مرة واحدة....ثم نقل كلام أبي داود ثم قال: وقد روى من أوجه غريبة عن عثمان رضي الله عنه ذكر التكرار في مسح الرأس إلا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها. السنن الكبرى 1/103.