أبوعبدالمالك الأثري
04-14-2009, 12:11 PM
في الاحتجاج بواقعة ذات أنواط على العذر بالجهل
الفتوى رقم: 998
الصنف: فتاوى العقيدة والتوحيد-مسائل الإيمان
السـؤال:
.. ثمَّ إنَّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد سألوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ، فلم يُجِبْهُمْ إلى طلبهم، بل أنكر عليهم صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أشدَّ الإنكار لِمَا وقعوا فيه من معصية الشِّرك، فكان التحذير على أصلٍ من أصول الدِّين، وقد أعذرهم بسبب الجهل لكونهم حديثي عهد بالكفر، فلذلك كان اعتبار الجهل عذرًا بحادثة ذات أنواط، وهذا نصُّها:
«عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ-، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(١- أخرجه الترمذي في «سننه» كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم: (2180)، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد في «مسنده»: (21390)، والحديث صححه الألباني في «جلباب المرأة المسلمة»: (202).).
فإن كان للشيخ أبي عبد المعز –حفظه الله- توجيه آخر سليم على غير ما ذكر، فليوضِّحه لنا ونكون له من الشاكرين.
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فالتوجيهُ المطلوبُ لهذه الواقعة يظهر بوضوح في أنَّ أصحاب النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إنما طلبوا مجرَّدَ المشابهة للمشركين لا عَيْنَ الشِّرك، حيث إنَّ سؤالَهم له باتخاذ ذات أنواط يشبه سؤالَ بني إسرائيل لموسى عليه السلام باتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بعينه؛ ذلك لأنَّ التشابه في وجهٍ أو فردٍ لا يلزم التشابه بينهما من كلِّ وجهٍ وفردٍ، كتعلُّق قلبِ المدمن بالخمر في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»(٢- أخرجه ابن ماجه في «سننه» كتاب الأشربة، باب مدمن الخمر: (3375)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم، وأخرجه أحمد في «مسنده»: (2449)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/289): «فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح، والله أعلم». )، فوجه التشابه بينهما أنَّ المدمنَ لا يكاد يمكنه أن يَدَع الخمرَ، كما لا يدع عابِدُ الوثن عبادته، ولم يقل أحدٌ إنَّ مدمنَ الخمر مشركٌ بهذه المشابهة في بعض الأفراد، ويمكن الاستئناس بأثر عليٍّ رضي الله عنه لَمَّا مَرَّ على قومٍ يلعبون بالشطرنج قال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟(٣- أخرجه البيهقي في سننه، كتاب «الشهادات» باب الاختلاف في اللعب بالشطرنج (21532)، وفي شعب الإيمان (6518)، عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه. وأخرجه البيهقي في «سننه» (21532)، والآجري في «تحريم النرد» (ق43/1)، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (47)، من طريق ميسرة بن حبيب. والحديث صحَّحه ابن حزم في «المحلى»: (9/63)، وقال عنه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (32/244): «ثابت»، وصحَّحه ابن القيم في «الفروسية»: (310)، وضعَّفه الألباني في «إرواء الغليل»: (8/288). وانظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب: (395).) فشبَّههم بالعاكفين على التماثيل، لذلك فالتشبيه من هذا الوجه لا يلزم بالضرورة المشابهة بينهما من كلِّ وجهٍ، قال الشوكاني -رحمه الله-: «هذا وعيدٌ شديد وتهديدٌ ما عليه مزيد؛ لأنَّ عابد الوثن أشدُّ على الكافرين كفرًا، فالتشبيه لفاعل هذه المعصية بفاعل العبادة للوثن من أعظم المبالغة والزجر»(٤- «نيل الأوطار» للشوكاني: (10/129).).
ومثله قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»(٥- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب «التوحيد»، باب قول الله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة: (6998)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وانظر «ظلال الجنة في تخريج السنة» للألباني: حديث رقم: (461).)، قال ابن أبي العزِّ: «وَليس تشبيه رؤية الشمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي»(٦- «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز: (1/219).).
فلذلك لم يطلب القوم الشرك الأكبر يقينًا، وإنما طلبوا أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح، ويستمدُّون من الله بها البركة والنصر، ولا يستمدُّون منها، لقيام الفرق بين طلب النصر والقُوَّة والبركة من الشجرة، وهو شركٌ أكبرُ، لصرف عبادة الدعاء والسؤال لغير الله تعالى، وبين الطلب من الله ذلك عندها أو بسببها، فهذا إنما يدخل في البدعة والشرك الأصغر، فشأنه كمن يعبد اللهَ وحده لا شريك له عند القبور، فهذا مُوَحِّدٌ لم يشرك بالله غيرَه، إلاَّ أنه مبتدعٌ؛ لأنه فضَّل مكانًا بغير مستنَدٍ شرعيٍّ، فانتقل من السُّنَّة إلى البدعة، وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية -رحمه الله-: «ولما كان للمشركين شجرةٌ يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(٧- سبق تخريجه.)، فأنكر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مجرَّدَ مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلِّقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟
فمن قصد بقعةً يرجو الخيرَ بقصدها، ولم تستحِب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشدُّ من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء، أو قناة جارية أو جبلاً أو مغارة، وسواء قصدها ليُصليَ عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسَّك عندها، بحيث يخصُّ تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يُشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا»(٨- «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية: (2/157-158).).
فالحاصل أنَّ أصحابَ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لم يطلبوا الشركَ الأكبرَ وإنما طلبوا مجرَّد المشابهة حيث قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط»، فإنه يشبه قول بني إسرائيل: «اجعل لنا إلهًا»، فاتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه، فحذَّرهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وغلَّظ عليهم مع أنهم طلبوا ولم يفعلوا، والتغليظ كما يرد في الشرك الأكبر يرد -أيضًا- في الشرك الأصغر، فمثله: قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في قول من قال له: «ما شاء الله وشئت»، فقال: «أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟»(٩- أخرجه أحمد في «مسنده»: (1842)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (5906)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث حسّنه العراقي في «تخريج الإحياء»: (3/128)، والألباني في «السلسلة الصحيحة»: (139).)، فكان في زجره صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لهم عن هذه المشابهة خشية أن يؤول أمرها إلى الشرك الأكبر، فقطع مادة المشابهة من أساسها وجذورها حملاً لهم على السُّنَّة والمعتقد السليم؛ لأنَّ البدع بريد الشرك الأكبر.
قال الشوكاني ‑رحمه الله‑: «ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور، فأخبرهم صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنّ ذلك بمنزلة الشرك الصريح، وأنه بمنزلة طلب آلهةٍ غير الله تعالى»(١٠- «الدر النضيد» للشوكاني: (9).).
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 5 شعبان 1429ﻫ
الموافق ﻟ: 06 أوت 2008م
١- أخرجه الترمذي في «سننه» كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم: (2180)، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد في «مسنده»: (21390)، والحديث صححه الألباني في «جلباب المرأة المسلمة»: (202).
٢- أخرجه ابن ماجه في «سننه» كتاب الأشربة، باب مدمن الخمر: (3375)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم، وأخرجه أحمد في «مسنده»: (2449)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/289): «فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح، والله أعلم».
٣- أخرجه البيهقي في سننه، كتاب «الشهادات» باب الاختلاف في اللعب بالشطرنج (21532)، وفي شعب الإيمان (6518)، عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه. وأخرجه البيهقي في «سننه» (21532)، والآجري في «تحريم النرد» (ق43/1)، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (47)، من طريق ميسرة بن حبيب. والحديث صحَّحه ابن حزم في «المحلى»: (9/63)، وقال عنه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (32/244): «ثابت»، وصحَّحه ابن القيم في «الفروسية»: (310)، وضعَّفه الألباني في «إرواء الغليل»: (8/288). وانظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب: (395).
٤- «نيل الأوطار» للشوكاني: (10/129).
٥- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب «التوحيد»، باب قول الله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة: (6998)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وانظر «ظلال الجنة في تخريج السنة» للألباني: حديث رقم: (461).
٦- «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز: (1/219).
٧- سبق تخريجه.
٨- «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية: (2/157-158).
٩- أخرجه أحمد في «مسنده»: (1842)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (5906)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث حسّنه العراقي في «تخريج الإحياء»: (3/128)، والألباني في «السلسلة الصحيحة»: (139).
١٠- «الدر النضيد» للشوكاني: (9).
الفتوى رقم: 998
الصنف: فتاوى العقيدة والتوحيد-مسائل الإيمان
السـؤال:
.. ثمَّ إنَّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد سألوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ، فلم يُجِبْهُمْ إلى طلبهم، بل أنكر عليهم صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أشدَّ الإنكار لِمَا وقعوا فيه من معصية الشِّرك، فكان التحذير على أصلٍ من أصول الدِّين، وقد أعذرهم بسبب الجهل لكونهم حديثي عهد بالكفر، فلذلك كان اعتبار الجهل عذرًا بحادثة ذات أنواط، وهذا نصُّها:
«عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ -وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ-، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ, اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(١- أخرجه الترمذي في «سننه» كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم: (2180)، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد في «مسنده»: (21390)، والحديث صححه الألباني في «جلباب المرأة المسلمة»: (202).).
فإن كان للشيخ أبي عبد المعز –حفظه الله- توجيه آخر سليم على غير ما ذكر، فليوضِّحه لنا ونكون له من الشاكرين.
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فالتوجيهُ المطلوبُ لهذه الواقعة يظهر بوضوح في أنَّ أصحاب النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إنما طلبوا مجرَّدَ المشابهة للمشركين لا عَيْنَ الشِّرك، حيث إنَّ سؤالَهم له باتخاذ ذات أنواط يشبه سؤالَ بني إسرائيل لموسى عليه السلام باتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بعينه؛ ذلك لأنَّ التشابه في وجهٍ أو فردٍ لا يلزم التشابه بينهما من كلِّ وجهٍ وفردٍ، كتعلُّق قلبِ المدمن بالخمر في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»(٢- أخرجه ابن ماجه في «سننه» كتاب الأشربة، باب مدمن الخمر: (3375)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم، وأخرجه أحمد في «مسنده»: (2449)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/289): «فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح، والله أعلم». )، فوجه التشابه بينهما أنَّ المدمنَ لا يكاد يمكنه أن يَدَع الخمرَ، كما لا يدع عابِدُ الوثن عبادته، ولم يقل أحدٌ إنَّ مدمنَ الخمر مشركٌ بهذه المشابهة في بعض الأفراد، ويمكن الاستئناس بأثر عليٍّ رضي الله عنه لَمَّا مَرَّ على قومٍ يلعبون بالشطرنج قال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟(٣- أخرجه البيهقي في سننه، كتاب «الشهادات» باب الاختلاف في اللعب بالشطرنج (21532)، وفي شعب الإيمان (6518)، عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه. وأخرجه البيهقي في «سننه» (21532)، والآجري في «تحريم النرد» (ق43/1)، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (47)، من طريق ميسرة بن حبيب. والحديث صحَّحه ابن حزم في «المحلى»: (9/63)، وقال عنه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (32/244): «ثابت»، وصحَّحه ابن القيم في «الفروسية»: (310)، وضعَّفه الألباني في «إرواء الغليل»: (8/288). وانظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب: (395).) فشبَّههم بالعاكفين على التماثيل، لذلك فالتشبيه من هذا الوجه لا يلزم بالضرورة المشابهة بينهما من كلِّ وجهٍ، قال الشوكاني -رحمه الله-: «هذا وعيدٌ شديد وتهديدٌ ما عليه مزيد؛ لأنَّ عابد الوثن أشدُّ على الكافرين كفرًا، فالتشبيه لفاعل هذه المعصية بفاعل العبادة للوثن من أعظم المبالغة والزجر»(٤- «نيل الأوطار» للشوكاني: (10/129).).
ومثله قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيَانًا كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»(٥- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب «التوحيد»، باب قول الله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة: (6998)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وانظر «ظلال الجنة في تخريج السنة» للألباني: حديث رقم: (461).)، قال ابن أبي العزِّ: «وَليس تشبيه رؤية الشمس والقمر تشبيهًا لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي»(٦- «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز: (1/219).).
فلذلك لم يطلب القوم الشرك الأكبر يقينًا، وإنما طلبوا أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح، ويستمدُّون من الله بها البركة والنصر، ولا يستمدُّون منها، لقيام الفرق بين طلب النصر والقُوَّة والبركة من الشجرة، وهو شركٌ أكبرُ، لصرف عبادة الدعاء والسؤال لغير الله تعالى، وبين الطلب من الله ذلك عندها أو بسببها، فهذا إنما يدخل في البدعة والشرك الأصغر، فشأنه كمن يعبد اللهَ وحده لا شريك له عند القبور، فهذا مُوَحِّدٌ لم يشرك بالله غيرَه، إلاَّ أنه مبتدعٌ؛ لأنه فضَّل مكانًا بغير مستنَدٍ شرعيٍّ، فانتقل من السُّنَّة إلى البدعة، وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية -رحمه الله-: «ولما كان للمشركين شجرةٌ يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»(٧- سبق تخريجه.)، فأنكر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مجرَّدَ مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلِّقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟
فمن قصد بقعةً يرجو الخيرَ بقصدها، ولم تستحِب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشدُّ من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء، أو قناة جارية أو جبلاً أو مغارة، وسواء قصدها ليُصليَ عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسَّك عندها، بحيث يخصُّ تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يُشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا»(٨- «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية: (2/157-158).).
فالحاصل أنَّ أصحابَ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لم يطلبوا الشركَ الأكبرَ وإنما طلبوا مجرَّد المشابهة حيث قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط»، فإنه يشبه قول بني إسرائيل: «اجعل لنا إلهًا»، فاتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه، فحذَّرهم النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وغلَّظ عليهم مع أنهم طلبوا ولم يفعلوا، والتغليظ كما يرد في الشرك الأكبر يرد -أيضًا- في الشرك الأصغر، فمثله: قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في قول من قال له: «ما شاء الله وشئت»، فقال: «أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًّا؟»(٩- أخرجه أحمد في «مسنده»: (1842)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (5906)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث حسّنه العراقي في «تخريج الإحياء»: (3/128)، والألباني في «السلسلة الصحيحة»: (139).)، فكان في زجره صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لهم عن هذه المشابهة خشية أن يؤول أمرها إلى الشرك الأكبر، فقطع مادة المشابهة من أساسها وجذورها حملاً لهم على السُّنَّة والمعتقد السليم؛ لأنَّ البدع بريد الشرك الأكبر.
قال الشوكاني ‑رحمه الله‑: «ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور، فأخبرهم صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنّ ذلك بمنزلة الشرك الصريح، وأنه بمنزلة طلب آلهةٍ غير الله تعالى»(١٠- «الدر النضيد» للشوكاني: (9).).
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 5 شعبان 1429ﻫ
الموافق ﻟ: 06 أوت 2008م
١- أخرجه الترمذي في «سننه» كتاب الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم: (2180)، وقال: «حسن صحيح»، وأحمد في «مسنده»: (21390)، والحديث صححه الألباني في «جلباب المرأة المسلمة»: (202).
٢- أخرجه ابن ماجه في «سننه» كتاب الأشربة، باب مدمن الخمر: (3375)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم، وأخرجه أحمد في «مسنده»: (2449)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/289): «فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح، والله أعلم».
٣- أخرجه البيهقي في سننه، كتاب «الشهادات» باب الاختلاف في اللعب بالشطرنج (21532)، وفي شعب الإيمان (6518)، عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه. وأخرجه البيهقي في «سننه» (21532)، والآجري في «تحريم النرد» (ق43/1)، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (47)، من طريق ميسرة بن حبيب. والحديث صحَّحه ابن حزم في «المحلى»: (9/63)، وقال عنه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (32/244): «ثابت»، وصحَّحه ابن القيم في «الفروسية»: (310)، وضعَّفه الألباني في «إرواء الغليل»: (8/288). وانظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب: (395).
٤- «نيل الأوطار» للشوكاني: (10/129).
٥- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب «التوحيد»، باب قول الله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة: (6998)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وانظر «ظلال الجنة في تخريج السنة» للألباني: حديث رقم: (461).
٦- «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز: (1/219).
٧- سبق تخريجه.
٨- «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية: (2/157-158).
٩- أخرجه أحمد في «مسنده»: (1842)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (5906)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث حسّنه العراقي في «تخريج الإحياء»: (3/128)، والألباني في «السلسلة الصحيحة»: (139).
١٠- «الدر النضيد» للشوكاني: (9).