عبد الرحيم المسيلي
04-18-2009, 05:41 PM
الحمد لله والصلاة و السلام على رسوله الله ، و على آله و صحبه ، ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه ، أما بعد :
فإن من المسائل الخلافية بين أهل العلم : مسألة (الصلاة في المقبرة) ، بين مبيح ومانع، وكل ذلك مبسوط في كتب الحديث والفقه ،
و الغرض من هذه الوقفة القصيرة : تعلم أدب الخلاف ، ومناقشة المسائل ...
وقد اخترت التعليق على بعض ما يرد على حديث (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة و الحمام) من الاعتراضات ، والتي ضمنها بعض الاخوة رسالة له .
فأقول وبالله التوفيق :
*يقول الأخ المشار إليه : أن الحديث الذي يحتج به المانعون من الصلاة في المقبرة ، وهو حديث أبي سعيد الخدري :(الأرض كلها مسجد إلا المقبرة و الحمام) ضعيف ، انتقده الراسخون من أهل الصنعة ، و نقل كلام الترمذي ، و الدارمي ، والدارقطني ، و البيهقي ، والنووي ، وابن عبد البر – رحمهم الله - .
*قال : و على فرض ثبوته ، فلا يصلح لتخصيص حديث جابر : ( و جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) ، لأن هذا الأخير فضيلة خص بها النبي - صلى الله عليه وسلم- ، و لا يجوز في فضائله النسخ ولا التخصيص.ونقل قول الإمام ابن عبد البر – رحمه الله – : (وتلك فضيلة خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز على فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء ، وذلك جائز في غير فضائله اذا كانت أمرا أو نهيا أو في معنى الامر والنهي ، وبهذا يستبين عند تعارض الاثار في ذلك أن الناسح منها قوله صلى الله عليه وسلم :"جعلت لي الارض مسجدا وطهورا" وقوله لأبي ذر:"حيثما ادركتك الصلاة فصل فقد جعلت لي الارض مسجدا وطهورا") .اهـ. "التمهيد" (1/168).
* وذكر إيرادا آخر فقال : أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور وبينها مبينة لما أجمل في حديث " المقبرة و الحمام " بدليل أن النهي عن الصلاة بين القبور إنما هو في حق صلاة الجنازة ، كما أن النهي عن الصلاة إلى القبر في حق الصلاة ذات الركوع و السجود ...
قال مقيده - عفا الله عنه - :
أولا : النظر في ثبوت حديث : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)
الذي تقتضيه الصناعة الحديثية وجمع الطرق : صحة قول من ثبت الحديث ، وهم : الحاكم و ابن حزم والألباني رحمهم الله.
وقد أشار الكاتب إلى هؤلاء الأئمة ،
وأزيد عليهم : ابن المنذر ، وابن خزيمة ، وتلميذه ابن حبان، ومن جاء بعدهم كشيخ الاسلام ابن تيمية – رحم الله الجميع -،
وبيان ذلك :
أن الحديث أخرجه أحمد (3/83) وابن ماجه (1/246) وأبو يعلى (2/503) وابن أبي شيبة (2/153) والبيهقي (2/434) من طريق يزيد بن هارون ،
و أخرجه ابن أبي شيبة (2/153) من طريق وكيع ،
و أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (1/405) :
ثلاثتهم عن سفيان الثوري ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه مرسلا.
وخالفهم :
أبو نعيم الفضل بن دكين ، وسعيد بن سالم القداح ، ويحيى بن آدم فوصلوه .
ذكرهم الدارقطني في "العلل" (11/321) ، وقال : "والمحفوظ المرسل".
قلت : إنما يصح هذا الاطلاق إذا قصد به حديث الثوري خاصة ، وإلا فقد روي الحديث من وجوه أخرى موصولة كما سيأتي . وعبارة البيهقي أدق ، حيث قال : "حديث الثوري مرسل ، وقد روي موصولا وليس بشيء".اهـ.
و رواه أيضا أبو نعيم الفضل بن دكين ، واختلف عليه أيضا :
فأخرجه الدارقطني في "العلل" (11/321) من طريق إسماعيل الصفار عن أبي قلابة عن أبي نعيم عن سفيان به موصولا بذكر أبي سعيد .
وأبو قلابة هذا – وهو الرقاشي - اختلط لما انتقل إلى بغداد ، وسماع الصفار منه كان بعد ذلك كما في "الكواكب النيرات" لابن الكيال (ص 58) .
و خالفه السري بن يحيى بن إياس بن حرملة- وهو ثقة - فرواه عن أبي نعيم و قبيصة بن عقبة عن سفيان مرسلا، فهذه الرواية المرسلة هي الأرجح عن أبي نعيم ، فتكون متابعة قوية لمن أرسل الحديث عن الثوري كما تقدم.
قلت : و روى الحديث جماعة غير سفيان الثوري ، فوصلوه :
أولا : حماد بن سلمة ، وهو صدوق في الجملة.
أخرج حديثه أحمد (3/83) وأبو داود (1/186) وابن ماجه (1/246) وأبو يعلى (2/503 ) والبيهقي (2/434) وابن حزم في "المحلى "(4/27).
الثاني : عبد الواحد بن زياد ، وهو ثقة ، فى حديثه عن الأعمش وحده مقال.
أخرج حديثه أحمد (3/96 ) وأبو داود (1/186) ، و البزار كما في "تحفة الأشراف"(رقم 4406) وعنه ابن حزم (4/27). وأخرجه ابن المنذر في "الأوسط"، وابن خزيمة (2/7) - وعنه ابن حبان (6/89 و6/92)- ، والحاكم (1/380) والبيهقي (2/435) .
الثالث: عبد العزيز الدراوردي ، وهو صدوق ، وكان أحمد يضعف ما حدث به من حفظه.
أخرج حديثه الترمذي (2/131) – ومن طريقه البغوي (رقم : 506) و ابن الجوزي في "التحقيق" (1/319) - ، وابن خزيمة (2/7) والدارمي (1/375) والحاكم (1/380 ) وعنه البيهقي (2/435) . وقال الترمذي : ((قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكره عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره)).
و لم أقف على الرواية المرسلة التي أشار إليها الترمذي ، فالله أعلم .
الرابع : محمد بن إسحاق ،
أخرج حديثه أحمد (3/83) قال : ثنا أحمد بن عبد الملك ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق بسنده سواء بلفظ : "كل الأرض مسجد و طهور إلا المقبرة و الحمام".
وسنده حسن ، لولا عنعنة ابن إسحاق ، فإنه مشهور بالتدليس .و زيادة "و طهور" شاذة كما قال العلامة الألباني - رحمه الله -.
الخامس: سفيان بن عيينة :
أخرج حديثه الشافعي في "الأم" (1/112) - ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" (1374)- قال: أخبرنا ابن عيينة ،عن عمرو بن يحيى المازنى ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الارض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" .
قال الشافعي: "وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين : أحدهما منقطع ، والآخر عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم".
قلت : ابن عيينة كان ممن يتعمد إرسال المسند أو وقف المرفوع . فلعل الحديث من هذا القبيل .
ثم هو لم يسمعه من عمرو بن يحيى . ففي "العلل" لعبد الله بن الإمام أحمد (1/191) : "قال سفيان لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحمام والمقبرة. قال أبي : قد حدثنا به سفيان ، دلسه".اهـ.
وابن عيينة لا يدلس إلا عن ثقة - كما هو مذكور في ترجمته - ، ولا بأس بالاعتبار بهذه الرواية .
السادس : أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ، وهو ثقة ، ذكره البزار - كما في المحلى(4/28) - ، ولم أقف على الطريق إليه ..
قلت : فتعين من مجموع هذه الطرق (1) أن الحديث ثابت موصولا ،
و يؤيده ، أن الحديث ورد من وجه آخر :
وهو ما أخرجه ابن خزيمة (2/7) والحاكم (1/380) وعنه البيهقي (2/435) من طريق بشر بن المفضل ثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة الأنصاري عن أبي سعيد الخدري به ... "
وإسناده على شرط مسلم" ، كما قال العلامة الألباني - رحمه الله - . (2)
قال شيخ الاسلام في "الاقتضاء" ( ص332 ) :" قد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار وغيرهم بأسانيد جيدة ، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه".
وقال في "الفتاوى" (17/502 – 503) :"وقد روي مسندا ومرسلا وقد صحح الحفاظ أنه مسند".اهـ. فثبت الحديث ولله الحمد .
ثانيا : النظر الفقهي .
و إذا كان كذلك ، فظاهر الحديثين التعارض ، ولا بد من النظر أولا في إمكانية الجمع بينهما قبل اللجوء إلى النسخ أو الترجيح ، والجمع هنا ممكن ، فالحديث الأول عام ، وهذا خاص ، فيبنى العام على الخاص ، وهذا المذهب - بناء العام على الخاص مطلقا - أقوى المذاهب الأصولية كما قال الشوكاني رحمه الله .
فنقول : "إن من فضائلنا ان الارض جعلت لنا مسجدا، وكل ما ذكرنا من الارض، فالصلاة فيه جائزة، حاشا ما جاء النص من المنع من الصلاة فيه كعطن الابل، والحمام، والمقبرة، والى قبر وعليه والمكان المغصوب، والنجس، ومسجد الضرار فقط " ، والله أعلم .
ثالثا : الجواب على ما أورده الخصم .
لا يعارض ما ذُكر هنا (بناء العام على الخاص) القول بأن (الفضيلة لا تقبل النسخ و لا التخصيص) ،
فقد قال الإمام النقاد ابن رجب – رحمه الله – بعد إيراد أحاديث مفسرة للفضيلة: ( وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بان الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهي عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها، كما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة والحمام...).اهـ. من "شرحه على البخاري".
فتأمل هذا الكلام النفيس ، وما تقدم قبله ، ثم اعجب لقول الأخ المشار إليه (انه دون إثبات صلاحية الحديث للاحتجاج والتخصيص خرط القتاد ) !
وها هنا إلزام للمخالف ، ذكره الحافظ ابن حزم – رحمه الله - ، قال :
(( ثم نسأل المخالف عن الصلاة في كنيف أو مزبلة ان كان شافعيا أو حنفيا، وعن صلاة الفريضة في جوف الكعبة ان كان مالكيا، وعن الصلاة في أرض مغصوبة ان كان من اصحابنا فانهم يمنعون من الصلاة في هذه المواضع ويختصونها من الآية المذكورة ومن الفضيلة المنصوصة.
وقد قال تعالى وذكر مسجد الضرار: (لا تقم فيه أبدا) فحرم الصلاة فيه وهو من الارض، فصح أن الفضيلة باقية، وأن الارض كلها مسجد وطهور إلا مكانا نهى الله تعالى عن الصلاة فيه) .اهـ . من المحلى (4/ 25)
* و أما القول بأن (أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور وبينها ) مبينة لما أجمل في حديث " المقبرة والحمام " بدليل أن (النهي عن الصلاة بين القبور) إنما هو في حق صلاة الجنازة ، كما أن (النهي عن الصلاة إلى القبر) في حق الصلاة ذات الركوع و السجود ...
فالجواب عليه : أن حديث (النهي عن صلاة الجنائز بين القبور) الصواب وقفه على أنس – رضي الله عنه – كما قال الدارقطني، و زيادة (على القبور) منكرة ... هذه واحدة.
و الثانية : أن أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور وبينها إنما هي من باب ذكر الخاص الموافق للعام في الحكم ، و ذلك لا يقتضي التخصيص كما هو مقرر في الأصول ،
والله أعلم...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
هوامش :
1)بقي طريقان لم أذكرهما لوهائهما
2)استفدت في التخريج من كتب الشيخ الألباني رحمه الله ، كالارواء ، وتمام المنة ... جزاه الله عنا خيرا .
فإن من المسائل الخلافية بين أهل العلم : مسألة (الصلاة في المقبرة) ، بين مبيح ومانع، وكل ذلك مبسوط في كتب الحديث والفقه ،
و الغرض من هذه الوقفة القصيرة : تعلم أدب الخلاف ، ومناقشة المسائل ...
وقد اخترت التعليق على بعض ما يرد على حديث (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة و الحمام) من الاعتراضات ، والتي ضمنها بعض الاخوة رسالة له .
فأقول وبالله التوفيق :
*يقول الأخ المشار إليه : أن الحديث الذي يحتج به المانعون من الصلاة في المقبرة ، وهو حديث أبي سعيد الخدري :(الأرض كلها مسجد إلا المقبرة و الحمام) ضعيف ، انتقده الراسخون من أهل الصنعة ، و نقل كلام الترمذي ، و الدارمي ، والدارقطني ، و البيهقي ، والنووي ، وابن عبد البر – رحمهم الله - .
*قال : و على فرض ثبوته ، فلا يصلح لتخصيص حديث جابر : ( و جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) ، لأن هذا الأخير فضيلة خص بها النبي - صلى الله عليه وسلم- ، و لا يجوز في فضائله النسخ ولا التخصيص.ونقل قول الإمام ابن عبد البر – رحمه الله – : (وتلك فضيلة خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز على فضائله النسخ ولا الخصوص ولا الاستثناء ، وذلك جائز في غير فضائله اذا كانت أمرا أو نهيا أو في معنى الامر والنهي ، وبهذا يستبين عند تعارض الاثار في ذلك أن الناسح منها قوله صلى الله عليه وسلم :"جعلت لي الارض مسجدا وطهورا" وقوله لأبي ذر:"حيثما ادركتك الصلاة فصل فقد جعلت لي الارض مسجدا وطهورا") .اهـ. "التمهيد" (1/168).
* وذكر إيرادا آخر فقال : أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور وبينها مبينة لما أجمل في حديث " المقبرة و الحمام " بدليل أن النهي عن الصلاة بين القبور إنما هو في حق صلاة الجنازة ، كما أن النهي عن الصلاة إلى القبر في حق الصلاة ذات الركوع و السجود ...
قال مقيده - عفا الله عنه - :
أولا : النظر في ثبوت حديث : (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)
الذي تقتضيه الصناعة الحديثية وجمع الطرق : صحة قول من ثبت الحديث ، وهم : الحاكم و ابن حزم والألباني رحمهم الله.
وقد أشار الكاتب إلى هؤلاء الأئمة ،
وأزيد عليهم : ابن المنذر ، وابن خزيمة ، وتلميذه ابن حبان، ومن جاء بعدهم كشيخ الاسلام ابن تيمية – رحم الله الجميع -،
وبيان ذلك :
أن الحديث أخرجه أحمد (3/83) وابن ماجه (1/246) وأبو يعلى (2/503) وابن أبي شيبة (2/153) والبيهقي (2/434) من طريق يزيد بن هارون ،
و أخرجه ابن أبي شيبة (2/153) من طريق وكيع ،
و أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (1/405) :
ثلاثتهم عن سفيان الثوري ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه مرسلا.
وخالفهم :
أبو نعيم الفضل بن دكين ، وسعيد بن سالم القداح ، ويحيى بن آدم فوصلوه .
ذكرهم الدارقطني في "العلل" (11/321) ، وقال : "والمحفوظ المرسل".
قلت : إنما يصح هذا الاطلاق إذا قصد به حديث الثوري خاصة ، وإلا فقد روي الحديث من وجوه أخرى موصولة كما سيأتي . وعبارة البيهقي أدق ، حيث قال : "حديث الثوري مرسل ، وقد روي موصولا وليس بشيء".اهـ.
و رواه أيضا أبو نعيم الفضل بن دكين ، واختلف عليه أيضا :
فأخرجه الدارقطني في "العلل" (11/321) من طريق إسماعيل الصفار عن أبي قلابة عن أبي نعيم عن سفيان به موصولا بذكر أبي سعيد .
وأبو قلابة هذا – وهو الرقاشي - اختلط لما انتقل إلى بغداد ، وسماع الصفار منه كان بعد ذلك كما في "الكواكب النيرات" لابن الكيال (ص 58) .
و خالفه السري بن يحيى بن إياس بن حرملة- وهو ثقة - فرواه عن أبي نعيم و قبيصة بن عقبة عن سفيان مرسلا، فهذه الرواية المرسلة هي الأرجح عن أبي نعيم ، فتكون متابعة قوية لمن أرسل الحديث عن الثوري كما تقدم.
قلت : و روى الحديث جماعة غير سفيان الثوري ، فوصلوه :
أولا : حماد بن سلمة ، وهو صدوق في الجملة.
أخرج حديثه أحمد (3/83) وأبو داود (1/186) وابن ماجه (1/246) وأبو يعلى (2/503 ) والبيهقي (2/434) وابن حزم في "المحلى "(4/27).
الثاني : عبد الواحد بن زياد ، وهو ثقة ، فى حديثه عن الأعمش وحده مقال.
أخرج حديثه أحمد (3/96 ) وأبو داود (1/186) ، و البزار كما في "تحفة الأشراف"(رقم 4406) وعنه ابن حزم (4/27). وأخرجه ابن المنذر في "الأوسط"، وابن خزيمة (2/7) - وعنه ابن حبان (6/89 و6/92)- ، والحاكم (1/380) والبيهقي (2/435) .
الثالث: عبد العزيز الدراوردي ، وهو صدوق ، وكان أحمد يضعف ما حدث به من حفظه.
أخرج حديثه الترمذي (2/131) – ومن طريقه البغوي (رقم : 506) و ابن الجوزي في "التحقيق" (1/319) - ، وابن خزيمة (2/7) والدارمي (1/375) والحاكم (1/380 ) وعنه البيهقي (2/435) . وقال الترمذي : ((قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذكره عن أبي سعيد ومنهم من لم يذكره)).
و لم أقف على الرواية المرسلة التي أشار إليها الترمذي ، فالله أعلم .
الرابع : محمد بن إسحاق ،
أخرج حديثه أحمد (3/83) قال : ثنا أحمد بن عبد الملك ، ثنا محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق بسنده سواء بلفظ : "كل الأرض مسجد و طهور إلا المقبرة و الحمام".
وسنده حسن ، لولا عنعنة ابن إسحاق ، فإنه مشهور بالتدليس .و زيادة "و طهور" شاذة كما قال العلامة الألباني - رحمه الله -.
الخامس: سفيان بن عيينة :
أخرج حديثه الشافعي في "الأم" (1/112) - ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" (1374)- قال: أخبرنا ابن عيينة ،عن عمرو بن يحيى المازنى ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الارض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" .
قال الشافعي: "وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين : أحدهما منقطع ، والآخر عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم".
قلت : ابن عيينة كان ممن يتعمد إرسال المسند أو وقف المرفوع . فلعل الحديث من هذا القبيل .
ثم هو لم يسمعه من عمرو بن يحيى . ففي "العلل" لعبد الله بن الإمام أحمد (1/191) : "قال سفيان لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحمام والمقبرة. قال أبي : قد حدثنا به سفيان ، دلسه".اهـ.
وابن عيينة لا يدلس إلا عن ثقة - كما هو مذكور في ترجمته - ، ولا بأس بالاعتبار بهذه الرواية .
السادس : أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ، وهو ثقة ، ذكره البزار - كما في المحلى(4/28) - ، ولم أقف على الطريق إليه ..
قلت : فتعين من مجموع هذه الطرق (1) أن الحديث ثابت موصولا ،
و يؤيده ، أن الحديث ورد من وجه آخر :
وهو ما أخرجه ابن خزيمة (2/7) والحاكم (1/380) وعنه البيهقي (2/435) من طريق بشر بن المفضل ثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة الأنصاري عن أبي سعيد الخدري به ... "
وإسناده على شرط مسلم" ، كما قال العلامة الألباني - رحمه الله - . (2)
قال شيخ الاسلام في "الاقتضاء" ( ص332 ) :" قد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار وغيرهم بأسانيد جيدة ، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه".
وقال في "الفتاوى" (17/502 – 503) :"وقد روي مسندا ومرسلا وقد صحح الحفاظ أنه مسند".اهـ. فثبت الحديث ولله الحمد .
ثانيا : النظر الفقهي .
و إذا كان كذلك ، فظاهر الحديثين التعارض ، ولا بد من النظر أولا في إمكانية الجمع بينهما قبل اللجوء إلى النسخ أو الترجيح ، والجمع هنا ممكن ، فالحديث الأول عام ، وهذا خاص ، فيبنى العام على الخاص ، وهذا المذهب - بناء العام على الخاص مطلقا - أقوى المذاهب الأصولية كما قال الشوكاني رحمه الله .
فنقول : "إن من فضائلنا ان الارض جعلت لنا مسجدا، وكل ما ذكرنا من الارض، فالصلاة فيه جائزة، حاشا ما جاء النص من المنع من الصلاة فيه كعطن الابل، والحمام، والمقبرة، والى قبر وعليه والمكان المغصوب، والنجس، ومسجد الضرار فقط " ، والله أعلم .
ثالثا : الجواب على ما أورده الخصم .
لا يعارض ما ذُكر هنا (بناء العام على الخاص) القول بأن (الفضيلة لا تقبل النسخ و لا التخصيص) ،
فقد قال الإمام النقاد ابن رجب – رحمه الله – بعد إيراد أحاديث مفسرة للفضيلة: ( وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بان الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهي عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها، كما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة والحمام...).اهـ. من "شرحه على البخاري".
فتأمل هذا الكلام النفيس ، وما تقدم قبله ، ثم اعجب لقول الأخ المشار إليه (انه دون إثبات صلاحية الحديث للاحتجاج والتخصيص خرط القتاد ) !
وها هنا إلزام للمخالف ، ذكره الحافظ ابن حزم – رحمه الله - ، قال :
(( ثم نسأل المخالف عن الصلاة في كنيف أو مزبلة ان كان شافعيا أو حنفيا، وعن صلاة الفريضة في جوف الكعبة ان كان مالكيا، وعن الصلاة في أرض مغصوبة ان كان من اصحابنا فانهم يمنعون من الصلاة في هذه المواضع ويختصونها من الآية المذكورة ومن الفضيلة المنصوصة.
وقد قال تعالى وذكر مسجد الضرار: (لا تقم فيه أبدا) فحرم الصلاة فيه وهو من الارض، فصح أن الفضيلة باقية، وأن الارض كلها مسجد وطهور إلا مكانا نهى الله تعالى عن الصلاة فيه) .اهـ . من المحلى (4/ 25)
* و أما القول بأن (أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور وبينها ) مبينة لما أجمل في حديث " المقبرة والحمام " بدليل أن (النهي عن الصلاة بين القبور) إنما هو في حق صلاة الجنازة ، كما أن (النهي عن الصلاة إلى القبر) في حق الصلاة ذات الركوع و السجود ...
فالجواب عليه : أن حديث (النهي عن صلاة الجنائز بين القبور) الصواب وقفه على أنس – رضي الله عنه – كما قال الدارقطني، و زيادة (على القبور) منكرة ... هذه واحدة.
و الثانية : أن أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور وبينها إنما هي من باب ذكر الخاص الموافق للعام في الحكم ، و ذلك لا يقتضي التخصيص كما هو مقرر في الأصول ،
والله أعلم...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
هوامش :
1)بقي طريقان لم أذكرهما لوهائهما
2)استفدت في التخريج من كتب الشيخ الألباني رحمه الله ، كالارواء ، وتمام المنة ... جزاه الله عنا خيرا .