ياسر بن مسعود الجيجلي
05-31-2009, 11:51 PM
جواب الشيخ أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي عن سؤال شاب ورقلي نجيب عن مسند الربيع بن حبيب.
الحمد لله هادي الورى طريق الرشد والهدى، وزاجر الخلق عن أسباب التهلكة والردى، وصلاة ربي وسلامه على رسوله محمد الذي اصطفى، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والصفا. أما بعد:
الله تعالى نسأل بمنه وفضله، أن ينفعنا بالعلم النافع، ويجعلنا من أهله، وأن يجمع كلمة السلفيين في الجزائر على البر والتقوى، وأن يوفقنا بمنه وكرمه لنشر منهج أهل الحديث في ربوع هذا الوطن الحبيب. لقد زارني شاب في بيتي بمدينة ورقلة عاصمة الجنوب الجزائري أثناء إقامة للدورة العلمية الأولى، وهو يحمل أربعة أجزاء من مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، أهدي له من عناصر من الإباضية، وسألني عن مضمونه، ومكانته بين كتب أئمة الإسلام كالصحيحين، والسنن الأربعة، فكان الجواب على ما حرر باختصار دون خلل أو ملل. أولا: أصول الأباضية. إن فرقة الأباضية ينتسبون إلى عبد الله بن إباض بن تميم اللات بن ثعلبة التميمي من بني مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس،- وهناك خلاف بين الإباضية حول فتح همزة أباض أو كسرها، فالإباضيون في عُمان يفتحون الهمزة وبذلك تصبح النسبة إلى أباض والأباضية، وفي شمال إفريقيا كما هو الحال عندنا في مدينة غرداية يكسرون الهمزة وتصبح النسبة إلى إباض والإباضية.وقد اختلف مؤرخوا الفرق في هوية ابن إباض، فمنهم من يذهب إلى أنه هو الذي خرج أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية كما مال إلى ذلك الشهرستاني في الملل والنحل، ومنهم من يذهب إلى أن ابن إباض كان مع نافع بن الأزرق ثم انشق عنه، كما أظهر ذلك الطبري في تاريخه، والإباضية أنفسهم يؤكدون ما مال إليه الطبري ويقولون: أن ابن إباض ظهر في أيام معاوية، وعاش إلى زمن عبد الملك بن مروان، وكان في أول أمره مع نافع بن الأزرق، ثم اختلف معه وفارقه ورد عليه كما جاء في كتاب ((العقود الفضية في أصول الإباضية)).وتذكر كتب الإباضية أن سبب الفرقة بين ابن إباض ونافع؛ أن نافع بن الأزرق (زعيم الأزارقة) كتب إلى ابن الصفار (صاحب الصفرية)، وعبد الله بن إباض، وغيرهما يدعوهما ومن معهما إلى معتقد فاسد؛(في تكفير القعدة، والقول بشرك مخالفيهم، واستباحة دمائهم، وقتل أطفالهم، وسبي نسائهم، وغنيمة أموالهم) فقرأ ابن الصفار الكتاب في نفسه، ولم يطلع أصحابه عليه خشية أن يختلفوا، أما ابن إباض فقرأ الكتاب وأظهر إنكاره لما ورد فيه قائلا عن ابن الأزرق: قاتل الله ابن الأزرق أي رأي رأى، صدق نافع ابن الأزرق لو كان القوم مشركين، كان أصوب الناس رأيا وحكما فيما يشير به، ولكن قد كذب وكذبنا فيما يقول؛ إن القوم برآء من الشرك، ولكنهم كفار بالنعم والأحكام، ولا يحل لنا إلا دماءهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو حرام علينا. ورغم اعتراف ابن إباض في هذا النص باستحلال دماء مخالفيه، فإن كتب الإباضية تحاول جاهدة تبرئته من هذا الإعتقاد الفاسد، ولكن أنى لهم ذلك. وكل ما قام به ابن إباض وارتباط الجماعة باسمه، فإن الأباضية يعودون بأصولهم لا إلى ابن أباض فحسب، بل إلى جماعة من التابعين، وتابعي التابعين. أولا: جابر بن زيد الأزدي الجوفي أبي الشعثاء من أوعية العلم روى له البخاري ومسلم في صحيحيهما، وما جاء في الضعفاء للساجي عن يحي بن معين: كان جابر أباضيا وعكرمة صفريا، فإن الحافظ ابن حجر في التهذيب يورد ما يرده عن داود بن أبي هند عن عزرة بن عبد الرحمن الخزاعي قوله:(دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك-يعني الأباضية- قال أبرأ إلى الله من ذلك). ثانيا: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفي في ولاية النصور(136-158هـ). ثالثا:الربيع بن حبيب الفرهيدي فأصله من عُمان من قضفان، قصد البصرة وأدرك جابر وأخذ عنه، وآلت إليه رئاسة المذهب الأباضي بعد أبي عبيدة، ورحل في آخر عمره إلى عُمان عاصمة السلطنة حاليا، ومات بها في النصف الثاني من القرن الهجري. ولعلي أطلت الحديث على السائل وخالفت ما قررت فعذرا وإلى أصل السؤال عدت: نظرة على مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي: للربيع بن حبيب مسند في الحديث يسمى((الجامع الصحيح!!)) روى فيه عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، ومعاوية، وعلي بن أبي طالب، ومروان بن الحكم، وغيرهم. يذهب نور الدين السالمي الأباضي صاحب: اللمعة المرضية من أشعة الأباضية(ص18-19) إلى أن مسند الربيع أصح الكتب عند الأباضية بعد كتاب الله لأن فيه سند الأحاديث عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أو غيره من الصحابة، وكما يدعي هذا الإباضي المبتدع أن مسند الربيع أعلا سندا من صحيح البخاري. وقد أثار اسم كتاب الربيع، كما أثارت محتواياته الشكوك عند الباحثين حول قيمته العلمية، فاسم الكتاب(( الجامع الصحيح ومسند الربيع بن حبيب)) وهما اسمان يختلفان في مدلولهما وفقا لاصطلاح المحدثين، إذ أن المسند اصطلاحا: ما رتبت أحاديثه على حسب الرواة بأن تذكر مرويات الصحابي الواحد كلها في مكان واحد، كمسند الأمام أحمد فيبدأ مثلا بمسند أبي بكر، ثم مسند عمر...وهكذا هذا هو المشهور والمصطلح عليه بين العلماء، وقد يطلق وهذا نادر جدا على المسند كل كتاب مرتب على الأبواب والحروف لا عن الصحابة، وذلك لأن أحاديثه مرفوعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل مسند بقي بن مخلد الأندلسي فإنه مرتب على أبواب الفقه. بينما الجامع هو ما رتبت أحاديثه على أساس كتب، وأبواب الحديث، كالعلم، والطهارة، والصلاة،...والسير، والآداب، والمناقب...والتفسير والزهد...إلخ كما هو حال صحيحي البخاري ومسلم. فِلَمَ أطلق على مسند الربيع اسم المسند، مع أنه لم يرتب على أساس الرواة؟! وكيف رُتب بهذه الطريقة وسمي جامع، مع أن من الناحية التاريخية نجد أن طريقة المسانيد كانت أسبق من طريقة الجوامع، وهي ملائمة للفترة التي كتب فيها الربيع مسنده؟!! ويعلل الأباضية هذا الاختلاف المريب في التسمية؛ بأن اسم المسند أطلق على كتاب الربيع باعتبار تاريخ تصنيفه من عهد الربيع، ولكن لصعوبة الاستفادة من المسانيد، عمد مرتبه: أبو يعقوب يوسف ن إبراهيم الروجلاني، إلى إعادة ترتيبه وفقا لطريقة الجوامع على أساس كتب العلم وأبواب الفقه، وبناء على ذلك أطلق عليه كتاب (الجامع الصحيح). فأطلق عليه ((المسند)) باعتبار نشأته وتدوينه، و(الجامع) باعتبار بروزه واستقراره، يراجع في هذا كتاب الحاج محمد بن الشيخ المغربي((شبه تدحضها حقائق)(ص9-12). ولكن عمل الروجلااني لم يقتصر على ترتيب المسند، بل أنه استدرك على الربيع هذا كثيرا من الأحاديث، وقام بإضافة جملة من الآثار التي احتج بها الربيع بن حبيب الفراهيدي على مخالفيه في مسائل الاعتقاد وغيرها إلى المسند، كما ضمّ إلى أصل المسند روايات محبوب بن الرحيل بن يوسف بن هبيرة القرشي عن الربيع، وروايات أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي عن أبي غانم بشر بن غانم الخرساني، إضافة إلى مراسيل جابر بن زيد. أما رأي الأباضية في استدراكات الورجلاني فيقول عنها صاحب شبه تدحضها حقائق: هذه الاستدراكات في كتاب الربيع ليستكمل بذلك أبواب الفقه المطلوب إكمالها فيه لإتمام النفع والفائدة، غير أنه بدلا من أن يفرد استدراكاته بتصنيف خاص أدرجها ضمن كتاب الربيع هذا، اعترافا بالفضل، والجميل وإنكارا للذات واحتسابا للأجر، هكذا يقول الأباضية. وهذا الصنيع يزيدني ريبة في قيمة الكتاب. ويتكون مسند الربيع من أربعة أجزاء: الجزء الأول: يتضمن مدخلا يضم ثلاثة عشر بابا، تناولت النية، وابتداء الوحي، وذكر القرآن، والعلم، وأمة محمد والولاية، والرؤية، والإيمان، والشرك، ثم عقد كتابا للطهارة، وكتابا للصوم، وكتابا للزكاة. الجزء الثاني: وبه عشرة كتب: كتاب الحج، والجهاد، والجنائز، والأذكار، والنكاح، والطلاق، والبيوع، والأحكام، والأشربة، والأيمان، والنذور. الجزء الثالث: تضمن سبعة وثلاثين بابا ضمنها الورجلاني الأحاديث التي احتج بها الربيع على مخالفيه. الجزء الرابع: وقد ضمنه مرتب الكتاب الورجلاني روايات محبوب بن الرحيل بن هبيرة عن الربيع، وروايات أفلح بن عبد الوهاب الرستمي عن أبي غانم بشر بن غانم الخرساني، ومراسيل جابر بن زيد. ومجموع الأحاديث التي يتضمنها المسند حوالي خمسة وألفا، بما فيه المكرر. قيمة مسند الربيع: فالرغم أن بعض متون الكتاب لها في الكتب المعتبرة كالصحيحين ومسند أحمد أصل، فإن أغلب أحاديث مسند الربيع أو الجامع!! منقطعة، وبلاغات ينسبونها إلى جابر بن زيد، وتلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع نفسه. كقول جابر بلغني عن معاوية عن طلحة.... وقول أبي عبيدة بلغني أن عمر بن الخطاب قال....والربيع يقول: بلغني عن أبي مسعود الأنصاري، وبلغني أن عبادة بن الصامت قال:... أما الجزء الثالث فقد خلت فيه مراجعة الورجلاني من الأسانيد تماما. أما الجزء الرابع فقد أورد فيه مرتب المسند الورجلاني روايات محبوب بن الرحيل، وأفلح بن عبد الوهاب كما ذكرنا من قبل، وترجم أخيرا لأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد. كما أن هذا الجزء مملوء بروايات الربيع بن حبيب عن الصحابة مباشرة مسقطا الوسائط بينه وبينهم. النتيجة من هذه النظرة على كتاب الربيع: إن مسند الربيع، أو الجامع ثبت فيه الانقطاع الواضح الجلي(مرسل-منقطع- معضل) وهو دليل كاف لرد الحديث، بغض النظر عن اظهار الانقطاعات الخفية عند التنقيب، المسماة بالأحاديث المعلة، وغيرها من ألوان الجرح التي ترد الحديث وتسقطه كما قال صاحب كتاب مناهج المحدثين(ص47-49).
وكتبه على عجالة: أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري
الحمد لله هادي الورى طريق الرشد والهدى، وزاجر الخلق عن أسباب التهلكة والردى، وصلاة ربي وسلامه على رسوله محمد الذي اصطفى، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والصفا. أما بعد:
الله تعالى نسأل بمنه وفضله، أن ينفعنا بالعلم النافع، ويجعلنا من أهله، وأن يجمع كلمة السلفيين في الجزائر على البر والتقوى، وأن يوفقنا بمنه وكرمه لنشر منهج أهل الحديث في ربوع هذا الوطن الحبيب. لقد زارني شاب في بيتي بمدينة ورقلة عاصمة الجنوب الجزائري أثناء إقامة للدورة العلمية الأولى، وهو يحمل أربعة أجزاء من مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، أهدي له من عناصر من الإباضية، وسألني عن مضمونه، ومكانته بين كتب أئمة الإسلام كالصحيحين، والسنن الأربعة، فكان الجواب على ما حرر باختصار دون خلل أو ملل. أولا: أصول الأباضية. إن فرقة الأباضية ينتسبون إلى عبد الله بن إباض بن تميم اللات بن ثعلبة التميمي من بني مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس،- وهناك خلاف بين الإباضية حول فتح همزة أباض أو كسرها، فالإباضيون في عُمان يفتحون الهمزة وبذلك تصبح النسبة إلى أباض والأباضية، وفي شمال إفريقيا كما هو الحال عندنا في مدينة غرداية يكسرون الهمزة وتصبح النسبة إلى إباض والإباضية.وقد اختلف مؤرخوا الفرق في هوية ابن إباض، فمنهم من يذهب إلى أنه هو الذي خرج أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية كما مال إلى ذلك الشهرستاني في الملل والنحل، ومنهم من يذهب إلى أن ابن إباض كان مع نافع بن الأزرق ثم انشق عنه، كما أظهر ذلك الطبري في تاريخه، والإباضية أنفسهم يؤكدون ما مال إليه الطبري ويقولون: أن ابن إباض ظهر في أيام معاوية، وعاش إلى زمن عبد الملك بن مروان، وكان في أول أمره مع نافع بن الأزرق، ثم اختلف معه وفارقه ورد عليه كما جاء في كتاب ((العقود الفضية في أصول الإباضية)).وتذكر كتب الإباضية أن سبب الفرقة بين ابن إباض ونافع؛ أن نافع بن الأزرق (زعيم الأزارقة) كتب إلى ابن الصفار (صاحب الصفرية)، وعبد الله بن إباض، وغيرهما يدعوهما ومن معهما إلى معتقد فاسد؛(في تكفير القعدة، والقول بشرك مخالفيهم، واستباحة دمائهم، وقتل أطفالهم، وسبي نسائهم، وغنيمة أموالهم) فقرأ ابن الصفار الكتاب في نفسه، ولم يطلع أصحابه عليه خشية أن يختلفوا، أما ابن إباض فقرأ الكتاب وأظهر إنكاره لما ورد فيه قائلا عن ابن الأزرق: قاتل الله ابن الأزرق أي رأي رأى، صدق نافع ابن الأزرق لو كان القوم مشركين، كان أصوب الناس رأيا وحكما فيما يشير به، ولكن قد كذب وكذبنا فيما يقول؛ إن القوم برآء من الشرك، ولكنهم كفار بالنعم والأحكام، ولا يحل لنا إلا دماءهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو حرام علينا. ورغم اعتراف ابن إباض في هذا النص باستحلال دماء مخالفيه، فإن كتب الإباضية تحاول جاهدة تبرئته من هذا الإعتقاد الفاسد، ولكن أنى لهم ذلك. وكل ما قام به ابن إباض وارتباط الجماعة باسمه، فإن الأباضية يعودون بأصولهم لا إلى ابن أباض فحسب، بل إلى جماعة من التابعين، وتابعي التابعين. أولا: جابر بن زيد الأزدي الجوفي أبي الشعثاء من أوعية العلم روى له البخاري ومسلم في صحيحيهما، وما جاء في الضعفاء للساجي عن يحي بن معين: كان جابر أباضيا وعكرمة صفريا، فإن الحافظ ابن حجر في التهذيب يورد ما يرده عن داود بن أبي هند عن عزرة بن عبد الرحمن الخزاعي قوله:(دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك-يعني الأباضية- قال أبرأ إلى الله من ذلك). ثانيا: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الذي توفي في ولاية النصور(136-158هـ). ثالثا:الربيع بن حبيب الفرهيدي فأصله من عُمان من قضفان، قصد البصرة وأدرك جابر وأخذ عنه، وآلت إليه رئاسة المذهب الأباضي بعد أبي عبيدة، ورحل في آخر عمره إلى عُمان عاصمة السلطنة حاليا، ومات بها في النصف الثاني من القرن الهجري. ولعلي أطلت الحديث على السائل وخالفت ما قررت فعذرا وإلى أصل السؤال عدت: نظرة على مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي: للربيع بن حبيب مسند في الحديث يسمى((الجامع الصحيح!!)) روى فيه عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، ومعاوية، وعلي بن أبي طالب، ومروان بن الحكم، وغيرهم. يذهب نور الدين السالمي الأباضي صاحب: اللمعة المرضية من أشعة الأباضية(ص18-19) إلى أن مسند الربيع أصح الكتب عند الأباضية بعد كتاب الله لأن فيه سند الأحاديث عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أو غيره من الصحابة، وكما يدعي هذا الإباضي المبتدع أن مسند الربيع أعلا سندا من صحيح البخاري. وقد أثار اسم كتاب الربيع، كما أثارت محتواياته الشكوك عند الباحثين حول قيمته العلمية، فاسم الكتاب(( الجامع الصحيح ومسند الربيع بن حبيب)) وهما اسمان يختلفان في مدلولهما وفقا لاصطلاح المحدثين، إذ أن المسند اصطلاحا: ما رتبت أحاديثه على حسب الرواة بأن تذكر مرويات الصحابي الواحد كلها في مكان واحد، كمسند الأمام أحمد فيبدأ مثلا بمسند أبي بكر، ثم مسند عمر...وهكذا هذا هو المشهور والمصطلح عليه بين العلماء، وقد يطلق وهذا نادر جدا على المسند كل كتاب مرتب على الأبواب والحروف لا عن الصحابة، وذلك لأن أحاديثه مرفوعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل مسند بقي بن مخلد الأندلسي فإنه مرتب على أبواب الفقه. بينما الجامع هو ما رتبت أحاديثه على أساس كتب، وأبواب الحديث، كالعلم، والطهارة، والصلاة،...والسير، والآداب، والمناقب...والتفسير والزهد...إلخ كما هو حال صحيحي البخاري ومسلم. فِلَمَ أطلق على مسند الربيع اسم المسند، مع أنه لم يرتب على أساس الرواة؟! وكيف رُتب بهذه الطريقة وسمي جامع، مع أن من الناحية التاريخية نجد أن طريقة المسانيد كانت أسبق من طريقة الجوامع، وهي ملائمة للفترة التي كتب فيها الربيع مسنده؟!! ويعلل الأباضية هذا الاختلاف المريب في التسمية؛ بأن اسم المسند أطلق على كتاب الربيع باعتبار تاريخ تصنيفه من عهد الربيع، ولكن لصعوبة الاستفادة من المسانيد، عمد مرتبه: أبو يعقوب يوسف ن إبراهيم الروجلاني، إلى إعادة ترتيبه وفقا لطريقة الجوامع على أساس كتب العلم وأبواب الفقه، وبناء على ذلك أطلق عليه كتاب (الجامع الصحيح). فأطلق عليه ((المسند)) باعتبار نشأته وتدوينه، و(الجامع) باعتبار بروزه واستقراره، يراجع في هذا كتاب الحاج محمد بن الشيخ المغربي((شبه تدحضها حقائق)(ص9-12). ولكن عمل الروجلااني لم يقتصر على ترتيب المسند، بل أنه استدرك على الربيع هذا كثيرا من الأحاديث، وقام بإضافة جملة من الآثار التي احتج بها الربيع بن حبيب الفراهيدي على مخالفيه في مسائل الاعتقاد وغيرها إلى المسند، كما ضمّ إلى أصل المسند روايات محبوب بن الرحيل بن يوسف بن هبيرة القرشي عن الربيع، وروايات أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي عن أبي غانم بشر بن غانم الخرساني، إضافة إلى مراسيل جابر بن زيد. أما رأي الأباضية في استدراكات الورجلاني فيقول عنها صاحب شبه تدحضها حقائق: هذه الاستدراكات في كتاب الربيع ليستكمل بذلك أبواب الفقه المطلوب إكمالها فيه لإتمام النفع والفائدة، غير أنه بدلا من أن يفرد استدراكاته بتصنيف خاص أدرجها ضمن كتاب الربيع هذا، اعترافا بالفضل، والجميل وإنكارا للذات واحتسابا للأجر، هكذا يقول الأباضية. وهذا الصنيع يزيدني ريبة في قيمة الكتاب. ويتكون مسند الربيع من أربعة أجزاء: الجزء الأول: يتضمن مدخلا يضم ثلاثة عشر بابا، تناولت النية، وابتداء الوحي، وذكر القرآن، والعلم، وأمة محمد والولاية، والرؤية، والإيمان، والشرك، ثم عقد كتابا للطهارة، وكتابا للصوم، وكتابا للزكاة. الجزء الثاني: وبه عشرة كتب: كتاب الحج، والجهاد، والجنائز، والأذكار، والنكاح، والطلاق، والبيوع، والأحكام، والأشربة، والأيمان، والنذور. الجزء الثالث: تضمن سبعة وثلاثين بابا ضمنها الورجلاني الأحاديث التي احتج بها الربيع على مخالفيه. الجزء الرابع: وقد ضمنه مرتب الكتاب الورجلاني روايات محبوب بن الرحيل بن هبيرة عن الربيع، وروايات أفلح بن عبد الوهاب الرستمي عن أبي غانم بشر بن غانم الخرساني، ومراسيل جابر بن زيد. ومجموع الأحاديث التي يتضمنها المسند حوالي خمسة وألفا، بما فيه المكرر. قيمة مسند الربيع: فالرغم أن بعض متون الكتاب لها في الكتب المعتبرة كالصحيحين ومسند أحمد أصل، فإن أغلب أحاديث مسند الربيع أو الجامع!! منقطعة، وبلاغات ينسبونها إلى جابر بن زيد، وتلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، والربيع نفسه. كقول جابر بلغني عن معاوية عن طلحة.... وقول أبي عبيدة بلغني أن عمر بن الخطاب قال....والربيع يقول: بلغني عن أبي مسعود الأنصاري، وبلغني أن عبادة بن الصامت قال:... أما الجزء الثالث فقد خلت فيه مراجعة الورجلاني من الأسانيد تماما. أما الجزء الرابع فقد أورد فيه مرتب المسند الورجلاني روايات محبوب بن الرحيل، وأفلح بن عبد الوهاب كما ذكرنا من قبل، وترجم أخيرا لأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد. كما أن هذا الجزء مملوء بروايات الربيع بن حبيب عن الصحابة مباشرة مسقطا الوسائط بينه وبينهم. النتيجة من هذه النظرة على كتاب الربيع: إن مسند الربيع، أو الجامع ثبت فيه الانقطاع الواضح الجلي(مرسل-منقطع- معضل) وهو دليل كاف لرد الحديث، بغض النظر عن اظهار الانقطاعات الخفية عند التنقيب، المسماة بالأحاديث المعلة، وغيرها من ألوان الجرح التي ترد الحديث وتسقطه كما قال صاحب كتاب مناهج المحدثين(ص47-49).
وكتبه على عجالة: أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري