أبو عبد الرحمان يوسف قهرار
06-03-2009, 10:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبد ورسوله ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فأرحب بالأخوة أكمل ترحيب وأجمله، ويسرني أن يكون هذا اللقاء المقصود منه التواصل وتدعيم المحبة، وأن يكون هناك فوائد من اللقاء لأن اللقاء يستفيد منه الطرفان؛ فأستفيد منه وربما تستفيدون أيضا، وذلك لأن التقاء الشباب وطلبة العلم والتقاء الحريصون على الدعوة في البلاد الإسلامية والبلاد العربية وأهل الجوار بخصوصهم فيه فوائد كثيرة -غير الفوائد الشرعية المعروفة-؛ ففيه تقوية الصلة بما فيه تكاتف الجهود في الدعوة الواحدة، وأن يكون هناك معرفة بمن يقوم بجهد؛ لأنّ الأصل في المؤمنين أن يكونوا جسدا واحدا، وهذا الجسد الواحد يقوم بالمهمة فيه كل عضو من أعضائه، فنحن ننظر إلى الدعوة إلى الله جل وعلا على منهج السلف الصالح أنّ أهلها فيها سواء، في المملكة، أو في الكويت، أو في الهند، أو في المغرب، أو في الشمال، أو في الجنوب، فالكل فيها سواء من جهة وحدة الهدف ووحدة المنهج وأن العمل لشيء واحد، وبالتالي فالتنسيق في الجهود والعمل وأنْ يكون المنهج واحدا والهدف واحدا والطريق واحدة ييسر على أن يكون الجميع على تواصل مستمر وعلى أن لا تتكرر الجهود؛ لأننا نرى أن مشكلة اليوم في الذين يعملون باسم الإسلام على منهج صحيح أنهم غير مرتبين جهودهم مكررة وأعمالهم ربما كرر بعضها بعضا وربما تنافسوا في غير مجال التنافس.
ولهذا نقول في هذه اللقاءات فتح باب التنسيق، وفتح باب التواصل، وأن يكون العمل مرتبا، وأن يكون أصحاب الدعوة السلفية الحقة على طريقة واحدة غير متنازعين ولا مختلفين ولا متنافسين في غير ما يكون التنافس المأذون به فيه.
مما ينبغي التواصي به في هذا الباب: أنَّ الأصل في الشريعة أنها جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه، كما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: الغرض من الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه. يعني أن يكون فيما يأتي وفيما يذر ويعظم الأمر بعظم القضية التي يأتيها؛ أن يكون على وفق الشرع وأن يطرح هواه جانبا، والهوى بمعنى الرغبة، أن يطرح رغباته جانبا وأن ينظر فيما تدل عليه الشريعة في النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كلام الصحابة الذي لا خلاف فيه أو ما عليه أئمة أهل السنة والجماعة وبينوه في عقائدهم، وهذا يجعل المنهج منهجا واحدا؛ لأنّ تعاطي ما ذكرت بإخراج نفسك عن داعية الهوى يجعل الطريق واحدة؛ لأن الكتاب والسنة وإجماع السلف وهدي الصحابة المتفق عليه وما قاله أئمة أهل السنة والجماعة لا يختلف، هو شيء واحد، وإنما يأتي الاختلاف من دخول الرغبات التي ربما خرج بها أصحابها عمّا دلت عليه النصوص في الكتاب والسنة، وهذا هو مدلول قول الله جل وعلا ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ?[الأحزاب:36]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئتُ به»، وهذا أمر معروف، فإنّ الشريعة لا تستقر في القلب حتى يوطن المرء نفسه على تحكيم الشرع في نفسه قبل أن يطالب الآخرين بأن يحكموه.
والشريعة؛ الكتاب والسنة فيها وصايا تهمنا في هذا الأمر ونأخذ منها ثلاث وصايا:
الأولى: وحدة السبيل وهبي التي جاءت في قوله تعالى ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ?[الأنعام:153].
والثانية: في قوله تعالى ?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ?[الأنفال:1].
والثالثة: في قوله جل وعلا ?وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ?[الإسراء:53].
( أما الأولى
فإن السبيل؛ سبيل الحق والإيمان واحدة غير متعددة، يعني في أصولها، الأصول واحدة غير مختلفة، وما يسوغ الاجتهاد فيه هذا لا يخرج المجتهدين عن الطريق الواحدة، فقوله تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) يعني فاتبعوا هذا الصراط الواحد، (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)، وهذا السبيل الواحد ميادينه شتى كثيرة، كل واحد منا لو عمل في واحد منها لاستغرق جهدَه، فسبل الله جل وعلا التي هي في داخل ذاك الحديث من الطاعات والعبادات والأعمال الصالحة متعددة، كما قال جل وعلا ?وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ?[العنكبوت:69]، قال العلماء قوله (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) يعني السبل التي في السبيل الواحد وهي سبل الطاعات والاتباع في الخيرات، فهي متعددة، وكلٌّ يأخذ بما فتح الله جل وعلا عليه فيه، ولهذا لما قيل للإمام مالك رحمه الله تعالى: أنتَ مالك بن أنس الذي إليه [...] الناس بأبصارهم، نراك مختصرا على العلم، ونراك ضعيفا في غيره؛ فلست من أهل الجهاد ولا المرابطون في الثغور ولست كذا ولست كذا. فقال مالك رحمه الله بفقهه وعظيم علمه: يا فلان إنّ الله جل وعلا فتح لبعض عباده سبيل الصلاة يتعبد بها، وفتح لبعض عباده سبيل الصدقات يتعبد بها، وفتح لبعض عباده سبيل الجهاد فتعبدوا به، وإنّ الله جل وعلا فتح لي باب العلم فرضيت بما فتح الله لي. وهذا يجعل كل من يروم نصرة هذا الدين أن يكون في تكامل مع إخوانه، وأنْ لا يُظن أنّ الجميع من المسلمين يجب أن يكونوا شيئا واحدا؛ أن يكونوا جميعا طلبة علم، أو أن يكونوا جميعا أهل حركة، أو أن يكونوا جميعا أهل [...]، أو أن يكونوا جميعا أهل كذا، هذا غير متعين، والشريعة كما نعلم حضّت على أنواع كثيرة من العبادات ومن أتى ببعض النوافل لا يلام أن ترك بعضها؛ لأن الله جل وعلا قسم بين الناس أخلاقهم وأرزاقهم.
لهذا نقول هذه الآية فيها فوائد، الفائدة الأولى فيها: أنّ سبيل الحق واحد غير متعدد، كما قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان هذا السبيل الواحد نحن نتكامل فيه، بعضنا يرتبط ببعض فيه ولا يلوم بعضنا بعضا فيه إذا كان على السبيل الواحد الذي هو سبيل الحق والإيمان، فمن كان على منهج السلف الصالح وعلى سبيل السنة فإنه من أتى ببعض ما يجب عليه، ببعض ما يستحب له، وببعض الواجب الكفائي وترك بعض الواجب الكفائي لغيره فإنه لا يلام، وكذلك من أتى ما يستطيعه وما فتح له فيه من أنواع الجهاد أو الدعوة أو الخير فإنه يعان على ذلك، فنحن نتكامل في هذا ونسعى فيه، وهذا يُرتب أن يكون هناك معرفة بالطاقات؛ طاقات الشباب وما يتميز به كل واحد، فمنهم من يكون متميزا في العلم فيُحث عليه ويشجع فيه حتى ينشره في الأمة، ومنهم من لم يفتح له باب العلم فيحث على ما يتميز فيه؛ لأن الله جل وعلا يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه كما جاء في الحديث الحسن «إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
( الوصية الثانية)
هي في قوله جل وعلا ?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ?[الأنفال:1]، فهذه اشتملت على ثلاثة أوامر:
? الأول: تقوى الله جل وعلا، وأعظم ما تكون به التقوى الإخلاص؛ أنْ يكون الله جل وعلا هو المقصود وحده وأن تُخرج الدنيا بأنواعها من المال والجاه والذِّكر، حتى السمعة بين الإخوان أن تخرج من القلوب، وأنه إذا رضي الله جل وعلا عن العبد فإن هذا يكفي، وإذا علم الله صنع العبد فإن هذا يكفيه ولو لم يطلع عليه أحد. فالتقوى تحصل في إخلاص القلب لله جل وعلا فمن وطّن قلبه على الإخلاص لله حصلت له التقوى تبعا؛ يعني حصل له اتقاء العذاب من فعل الأوامر واجتناب النواهي فقد فسر طلق بن حبيب التقوى كما هو معلوم بأن التقوى بأن تعمل بطاعة الله ”تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله“. لكن أهمها الإخلاص أنْ لا ترائي أحدا وأن لا تطلب الثناء من أحد، وإنما تعمل لله جل جلاله ولو لم يعلم بك أحد، وما أحسن فعل الربيع بن خُثيم التابعي المعروف العالم الجليل الفقيه الزاهد تلميذ بن مسعود رضي الله عنه، حيث طلب من أهله مرة أنْ يصنعوا له طعاما من أفخر الطعام ومن أحسنه في الكوفة، فصنعوا له ذلك، فلما أتوه به أخذ الإناء وذهب به إلى رجل في الكوفة أعمى لا يبصر، وأصم لا يسمع، وأبكم لا يتكلم، فطرق عليه الباب وأتاه بهذا الطعام جعل يعطيه الطعام لقمة لقمة والربيع يتبسم ويتهلهل وجهه فرحا، فلما خرج قال له بعضهم: لما صنعت هذا؟ هذا رجل لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم. فقال الربيع مغضبا: ولكن الله يسمع ويبصر سبحانه وتعالى. يعني لا يريد ثناء من هذا ولا ذكرا به لكنه أراد به ما عند الله جل وعلا، والعمل الصالح المخلص يبقى فلو لم يعلم به أحد يخرجه الله جل وعلا، هذا كثير في الناس تجد أن العمل الخالص الصادق يخرجه الله جل وعلا ويثني العباد على العبد بعمله الصادق الخالص إذا اطلعوا عليه وأخرجه الله جل وعلا بذلك.
فإذن صلاح القلب هو أساس ما نقوم أنفسنا عليه؛ لأن القلوب إذا كانت مريضة من جهة الإخلاص ما يرجى منها، ما يرجى منها خوف إذا كان فيها نزعات وجاه وشهرة والدنيا والمال والثناء والرياسة فإنها لا يرجى منها خير، بل الواجب أن يوطِّن الخاصة أنفسهم قبل أن يطالبوا العامة بأن يخلصوا من قلوبهم حب الدنيا، إذا خرجت الدنيا من القلوب حصلت للعبد فتوح من الخير العلمية والعملية، والله جل وعلا رقيب العباد مطلع على العبد.
? والثانية في الآية: هي الوصية في إصلاح ذات البين ?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ?[الأنفال:1]، وإذا كان كما هو معروف بسبب النزول أنه لما اختلفوا على الأنفال في غزوة بدر وحصل بين بعضهم وبعض كلام، وهذا يخطئ هذا وهذا يخطئ هذا، فأمر الله جل وعلا بتقواه وبإصلاح ذات البيْن وطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في فتنة الأنفال وتركها لله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على عظم هذا الأمر وإصلاح ذات البيْن، فإنّ المرء أعظم ما يتقرب به في الحقوق العامة للناس أن يسعى في إصلاح ذات البين قد ثبت في الصحيح صحيح مسلم بن حجاج رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يُغفر لكل مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول كل يوم إثنين إلا رجل كانت بينه وبين أخيه خصومة، فيقال أَنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا» يعني أخروا هذين فلا تُغفر لهم الذنوب حتى يصطلحا، ولهذا من أسباب مغفرة الذنوب إصلاح ذات البيْن وأن لا يكون بينك وبين أحد من أهل الدنيا -أحد من المسلمين- شحناء بسبب الدنيا أما إذا كانت بسبب حق الله جل وعلا هذا فيه تفصيل كما هو معروف في باب الهجر، وأما أن يتخاصم اثنان ولا يسلم هذا على هذا لأجل أن هذا غمزه مرة بكلمة وهذا مرة قدح فيه في مكان بكلمة ونحو ذلك، فهذا ليس من صنيع أهل الإيمان أن يتهاجروا في الدنيا، بل إذا حصل الهجر الشرعي يكون بشروطه ودواعيه المأذون بها شرعا، والمسلم لا يحلُّ له أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث؛ يعني لأمر من أمور الدنيا لك إذا اعتدى عليك في عرضك أو أخطأ عليك في نفسك وسمعتَ هذا منه وحصل بينك وبينه خصومة أن تهجره لحق نفسك ثلاث؛ إلى ثلاث فقط، ومن أتى وأصلح فأجره على الله، أما ما هو أكثر من الثلاث فلا يجوز، ومن فعله يعني هجر أخاه فوق ثلاث لحظٍّ من حظوظ الدنيا فإنه داخل فيمن هجر المسلم بغير حق ومن من لم يصلح ذات البيْن.
? وأمر الله جل وعلا بطاعة الله ورسوله وقال أطيعوا الله ورسوله وهي عامة يدخل فيها الواجبات والنواهي.
الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبد ورسوله ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فأرحب بالأخوة أكمل ترحيب وأجمله، ويسرني أن يكون هذا اللقاء المقصود منه التواصل وتدعيم المحبة، وأن يكون هناك فوائد من اللقاء لأن اللقاء يستفيد منه الطرفان؛ فأستفيد منه وربما تستفيدون أيضا، وذلك لأن التقاء الشباب وطلبة العلم والتقاء الحريصون على الدعوة في البلاد الإسلامية والبلاد العربية وأهل الجوار بخصوصهم فيه فوائد كثيرة -غير الفوائد الشرعية المعروفة-؛ ففيه تقوية الصلة بما فيه تكاتف الجهود في الدعوة الواحدة، وأن يكون هناك معرفة بمن يقوم بجهد؛ لأنّ الأصل في المؤمنين أن يكونوا جسدا واحدا، وهذا الجسد الواحد يقوم بالمهمة فيه كل عضو من أعضائه، فنحن ننظر إلى الدعوة إلى الله جل وعلا على منهج السلف الصالح أنّ أهلها فيها سواء، في المملكة، أو في الكويت، أو في الهند، أو في المغرب، أو في الشمال، أو في الجنوب، فالكل فيها سواء من جهة وحدة الهدف ووحدة المنهج وأن العمل لشيء واحد، وبالتالي فالتنسيق في الجهود والعمل وأنْ يكون المنهج واحدا والهدف واحدا والطريق واحدة ييسر على أن يكون الجميع على تواصل مستمر وعلى أن لا تتكرر الجهود؛ لأننا نرى أن مشكلة اليوم في الذين يعملون باسم الإسلام على منهج صحيح أنهم غير مرتبين جهودهم مكررة وأعمالهم ربما كرر بعضها بعضا وربما تنافسوا في غير مجال التنافس.
ولهذا نقول في هذه اللقاءات فتح باب التنسيق، وفتح باب التواصل، وأن يكون العمل مرتبا، وأن يكون أصحاب الدعوة السلفية الحقة على طريقة واحدة غير متنازعين ولا مختلفين ولا متنافسين في غير ما يكون التنافس المأذون به فيه.
مما ينبغي التواصي به في هذا الباب: أنَّ الأصل في الشريعة أنها جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه، كما قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: الغرض من الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه. يعني أن يكون فيما يأتي وفيما يذر ويعظم الأمر بعظم القضية التي يأتيها؛ أن يكون على وفق الشرع وأن يطرح هواه جانبا، والهوى بمعنى الرغبة، أن يطرح رغباته جانبا وأن ينظر فيما تدل عليه الشريعة في النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كلام الصحابة الذي لا خلاف فيه أو ما عليه أئمة أهل السنة والجماعة وبينوه في عقائدهم، وهذا يجعل المنهج منهجا واحدا؛ لأنّ تعاطي ما ذكرت بإخراج نفسك عن داعية الهوى يجعل الطريق واحدة؛ لأن الكتاب والسنة وإجماع السلف وهدي الصحابة المتفق عليه وما قاله أئمة أهل السنة والجماعة لا يختلف، هو شيء واحد، وإنما يأتي الاختلاف من دخول الرغبات التي ربما خرج بها أصحابها عمّا دلت عليه النصوص في الكتاب والسنة، وهذا هو مدلول قول الله جل وعلا ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ?[الأحزاب:36]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئتُ به»، وهذا أمر معروف، فإنّ الشريعة لا تستقر في القلب حتى يوطن المرء نفسه على تحكيم الشرع في نفسه قبل أن يطالب الآخرين بأن يحكموه.
والشريعة؛ الكتاب والسنة فيها وصايا تهمنا في هذا الأمر ونأخذ منها ثلاث وصايا:
الأولى: وحدة السبيل وهبي التي جاءت في قوله تعالى ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ?[الأنعام:153].
والثانية: في قوله تعالى ?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ?[الأنفال:1].
والثالثة: في قوله جل وعلا ?وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ?[الإسراء:53].
( أما الأولى
فإن السبيل؛ سبيل الحق والإيمان واحدة غير متعددة، يعني في أصولها، الأصول واحدة غير مختلفة، وما يسوغ الاجتهاد فيه هذا لا يخرج المجتهدين عن الطريق الواحدة، فقوله تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) يعني فاتبعوا هذا الصراط الواحد، (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)، وهذا السبيل الواحد ميادينه شتى كثيرة، كل واحد منا لو عمل في واحد منها لاستغرق جهدَه، فسبل الله جل وعلا التي هي في داخل ذاك الحديث من الطاعات والعبادات والأعمال الصالحة متعددة، كما قال جل وعلا ?وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ?[العنكبوت:69]، قال العلماء قوله (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) يعني السبل التي في السبيل الواحد وهي سبل الطاعات والاتباع في الخيرات، فهي متعددة، وكلٌّ يأخذ بما فتح الله جل وعلا عليه فيه، ولهذا لما قيل للإمام مالك رحمه الله تعالى: أنتَ مالك بن أنس الذي إليه [...] الناس بأبصارهم، نراك مختصرا على العلم، ونراك ضعيفا في غيره؛ فلست من أهل الجهاد ولا المرابطون في الثغور ولست كذا ولست كذا. فقال مالك رحمه الله بفقهه وعظيم علمه: يا فلان إنّ الله جل وعلا فتح لبعض عباده سبيل الصلاة يتعبد بها، وفتح لبعض عباده سبيل الصدقات يتعبد بها، وفتح لبعض عباده سبيل الجهاد فتعبدوا به، وإنّ الله جل وعلا فتح لي باب العلم فرضيت بما فتح الله لي. وهذا يجعل كل من يروم نصرة هذا الدين أن يكون في تكامل مع إخوانه، وأنْ لا يُظن أنّ الجميع من المسلمين يجب أن يكونوا شيئا واحدا؛ أن يكونوا جميعا طلبة علم، أو أن يكونوا جميعا أهل حركة، أو أن يكونوا جميعا أهل [...]، أو أن يكونوا جميعا أهل كذا، هذا غير متعين، والشريعة كما نعلم حضّت على أنواع كثيرة من العبادات ومن أتى ببعض النوافل لا يلام أن ترك بعضها؛ لأن الله جل وعلا قسم بين الناس أخلاقهم وأرزاقهم.
لهذا نقول هذه الآية فيها فوائد، الفائدة الأولى فيها: أنّ سبيل الحق واحد غير متعدد، كما قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان هذا السبيل الواحد نحن نتكامل فيه، بعضنا يرتبط ببعض فيه ولا يلوم بعضنا بعضا فيه إذا كان على السبيل الواحد الذي هو سبيل الحق والإيمان، فمن كان على منهج السلف الصالح وعلى سبيل السنة فإنه من أتى ببعض ما يجب عليه، ببعض ما يستحب له، وببعض الواجب الكفائي وترك بعض الواجب الكفائي لغيره فإنه لا يلام، وكذلك من أتى ما يستطيعه وما فتح له فيه من أنواع الجهاد أو الدعوة أو الخير فإنه يعان على ذلك، فنحن نتكامل في هذا ونسعى فيه، وهذا يُرتب أن يكون هناك معرفة بالطاقات؛ طاقات الشباب وما يتميز به كل واحد، فمنهم من يكون متميزا في العلم فيُحث عليه ويشجع فيه حتى ينشره في الأمة، ومنهم من لم يفتح له باب العلم فيحث على ما يتميز فيه؛ لأن الله جل وعلا يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه كما جاء في الحديث الحسن «إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».
( الوصية الثانية)
هي في قوله جل وعلا ?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ?[الأنفال:1]، فهذه اشتملت على ثلاثة أوامر:
? الأول: تقوى الله جل وعلا، وأعظم ما تكون به التقوى الإخلاص؛ أنْ يكون الله جل وعلا هو المقصود وحده وأن تُخرج الدنيا بأنواعها من المال والجاه والذِّكر، حتى السمعة بين الإخوان أن تخرج من القلوب، وأنه إذا رضي الله جل وعلا عن العبد فإن هذا يكفي، وإذا علم الله صنع العبد فإن هذا يكفيه ولو لم يطلع عليه أحد. فالتقوى تحصل في إخلاص القلب لله جل وعلا فمن وطّن قلبه على الإخلاص لله حصلت له التقوى تبعا؛ يعني حصل له اتقاء العذاب من فعل الأوامر واجتناب النواهي فقد فسر طلق بن حبيب التقوى كما هو معلوم بأن التقوى بأن تعمل بطاعة الله ”تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله“. لكن أهمها الإخلاص أنْ لا ترائي أحدا وأن لا تطلب الثناء من أحد، وإنما تعمل لله جل جلاله ولو لم يعلم بك أحد، وما أحسن فعل الربيع بن خُثيم التابعي المعروف العالم الجليل الفقيه الزاهد تلميذ بن مسعود رضي الله عنه، حيث طلب من أهله مرة أنْ يصنعوا له طعاما من أفخر الطعام ومن أحسنه في الكوفة، فصنعوا له ذلك، فلما أتوه به أخذ الإناء وذهب به إلى رجل في الكوفة أعمى لا يبصر، وأصم لا يسمع، وأبكم لا يتكلم، فطرق عليه الباب وأتاه بهذا الطعام جعل يعطيه الطعام لقمة لقمة والربيع يتبسم ويتهلهل وجهه فرحا، فلما خرج قال له بعضهم: لما صنعت هذا؟ هذا رجل لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم. فقال الربيع مغضبا: ولكن الله يسمع ويبصر سبحانه وتعالى. يعني لا يريد ثناء من هذا ولا ذكرا به لكنه أراد به ما عند الله جل وعلا، والعمل الصالح المخلص يبقى فلو لم يعلم به أحد يخرجه الله جل وعلا، هذا كثير في الناس تجد أن العمل الخالص الصادق يخرجه الله جل وعلا ويثني العباد على العبد بعمله الصادق الخالص إذا اطلعوا عليه وأخرجه الله جل وعلا بذلك.
فإذن صلاح القلب هو أساس ما نقوم أنفسنا عليه؛ لأن القلوب إذا كانت مريضة من جهة الإخلاص ما يرجى منها، ما يرجى منها خوف إذا كان فيها نزعات وجاه وشهرة والدنيا والمال والثناء والرياسة فإنها لا يرجى منها خير، بل الواجب أن يوطِّن الخاصة أنفسهم قبل أن يطالبوا العامة بأن يخلصوا من قلوبهم حب الدنيا، إذا خرجت الدنيا من القلوب حصلت للعبد فتوح من الخير العلمية والعملية، والله جل وعلا رقيب العباد مطلع على العبد.
? والثانية في الآية: هي الوصية في إصلاح ذات البين ?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ?[الأنفال:1]، وإذا كان كما هو معروف بسبب النزول أنه لما اختلفوا على الأنفال في غزوة بدر وحصل بين بعضهم وبعض كلام، وهذا يخطئ هذا وهذا يخطئ هذا، فأمر الله جل وعلا بتقواه وبإصلاح ذات البيْن وطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في فتنة الأنفال وتركها لله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على عظم هذا الأمر وإصلاح ذات البيْن، فإنّ المرء أعظم ما يتقرب به في الحقوق العامة للناس أن يسعى في إصلاح ذات البين قد ثبت في الصحيح صحيح مسلم بن حجاج رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يُغفر لكل مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول كل يوم إثنين إلا رجل كانت بينه وبين أخيه خصومة، فيقال أَنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا» يعني أخروا هذين فلا تُغفر لهم الذنوب حتى يصطلحا، ولهذا من أسباب مغفرة الذنوب إصلاح ذات البيْن وأن لا يكون بينك وبين أحد من أهل الدنيا -أحد من المسلمين- شحناء بسبب الدنيا أما إذا كانت بسبب حق الله جل وعلا هذا فيه تفصيل كما هو معروف في باب الهجر، وأما أن يتخاصم اثنان ولا يسلم هذا على هذا لأجل أن هذا غمزه مرة بكلمة وهذا مرة قدح فيه في مكان بكلمة ونحو ذلك، فهذا ليس من صنيع أهل الإيمان أن يتهاجروا في الدنيا، بل إذا حصل الهجر الشرعي يكون بشروطه ودواعيه المأذون بها شرعا، والمسلم لا يحلُّ له أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث؛ يعني لأمر من أمور الدنيا لك إذا اعتدى عليك في عرضك أو أخطأ عليك في نفسك وسمعتَ هذا منه وحصل بينك وبينه خصومة أن تهجره لحق نفسك ثلاث؛ إلى ثلاث فقط، ومن أتى وأصلح فأجره على الله، أما ما هو أكثر من الثلاث فلا يجوز، ومن فعله يعني هجر أخاه فوق ثلاث لحظٍّ من حظوظ الدنيا فإنه داخل فيمن هجر المسلم بغير حق ومن من لم يصلح ذات البيْن.
? وأمر الله جل وعلا بطاعة الله ورسوله وقال أطيعوا الله ورسوله وهي عامة يدخل فيها الواجبات والنواهي.