أبو مازن
06-05-2009, 07:06 PM
سلسلة أخبار أهل الحديث والأثر (02)
- المنهج التلقي وكيفية الفهم
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
لما خرجت الحرورية(1) اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، وأجمعوا على أن يخرجوا على علي، فكان لا يزال يجيء إنسان، فيقول: يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك.
فيقول: دعوهم، فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسوف يفعلون.
فلما كان ذات يوم، أتيته قبل صلاة الظهر، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة، لعلي أكلم هؤلاء القوم.
قال: فإني أخاف عليك.
قلت: كلا، وكنت رجلا حسن الخلق، لا أوذي أحدا.
فأذن لي، فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن، وترجلت، ودخلت عليهم في دار نصف النهار وهم يأكلون، فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود، و أياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة، مشمرين، مسهمة وجوههم.
فسلمت عليهم، فقالوا:مرحبا بك يا ابن عباس وما هذه الحلة عليك؟ !
قلت: ما تعيبون مني؟ فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون في ثياب اليمنية، ثم قرأت هذه الآية:«قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق » [ ا لأعراف: 32 ].
فقالوا: ما جاء بك؟
قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون.
فقالت طائفة منهم لا تخاصموا قريشا، فإن الله عز وجل يقول: «بل هم قوم خصمون» [ الأعراف: 58] .
فانتحى لي نفر منهم، فقال: اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه.
قلت: هاتوا، ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبن عمه؟
قالوا: ثلاث.
قلت: ماهن؟
قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، إن كانوا كفارا لقد ل سيبهم،ولئن كانوا مؤمنين ما حل سيبهم ولا قتالهم(2).
قلت هذه ثنتان، فما الثالثة؟.
قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.
قلت: هل عندكم شيء غير هذا.
قالوا: حسبنا هذا.
قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد قولكم، أترجعون؟
قالوا: نعم.
قلت: أما قولكم: » حكم الرجال من أمر الله«، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك و تعالى أن يحكموا فيه.
أرأيت قول الله تبارك وتعالى:« يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم».[ المائدة:95 ]،وكان حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال.
أنشدكم بالله أحكم الرجال في إصلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟ !.
قالوا: بلى، بل هذا أفضل.
وفي المرأة وزوجها: « وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها» [ النساء: 35 ]،فأنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقم دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ !
خرجت من هذه؟
قالوا: نعم
قلت: وأما قولكم: » قاتل ولم يسب ولم يغنم« ، أفتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم:ليست بأمنا فقد كفرتم:« النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم» [ الأحزاب: 6 ].فأنتم بين ضلالتين،فأتوا بمخرج.
أفخرجت من هذه؟
قالوا:نعم
وأما محي نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين،فقال لعلى: » أمح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسول الله واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله « .(3)
والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة.
أخرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرون والأنصار.(4)
قال الأوزاعي –رحمه الله-:
» اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم،وقل بما قالوا،وكف عما كفوا عنه،واسلك سبيل سلفك الصالح،فإنه يسعك ما وسعهم «.(5)
فقد احتج عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما بمنهج الصحابة رضي الله عنهم على الخوارج فإن القرآن نزل فيهم أعلم بتأويله، وهم صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أتبع لسبيله وتوجيه عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما لشبه الخوارج وبيان وجه الحق الأبلج من الباطل اللجلج، دليل علمي على ما قدمنا من الاحتجاج بمنهج الصحابة رضي الله عنهم.
(1) نسبة إلى حروراء- بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة-، وهي قرية على بعد ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب بها، فنسبوا إليها. – أنظر: معجم البلدان 3/ 345، واللباب في تهذيب الأنساب 1/359.
(2) هذا هو الحكم في الفئة الباغية: لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا يقسم فيئهم، ولا يجهز على جريحهم ولا يتبع هاربهم، ولا يبدؤون بقتال ما لم يفعلوا.
(3) وله شاهد من حديث البراء بن عازب – رضي الله عنه – البخاري (5/303-304-فتح)
(4) صحيح، وانظر تخريجه في كتاب: مناظرات السلف مع حزب ابليس ص 95 لـ سليم بن عيد الهلالي السلفي.
(5) الأجري في الشريعة ص 58.
- المنهج التلقي وكيفية الفهم
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
لما خرجت الحرورية(1) اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، وأجمعوا على أن يخرجوا على علي، فكان لا يزال يجيء إنسان، فيقول: يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك.
فيقول: دعوهم، فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسوف يفعلون.
فلما كان ذات يوم، أتيته قبل صلاة الظهر، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة، لعلي أكلم هؤلاء القوم.
قال: فإني أخاف عليك.
قلت: كلا، وكنت رجلا حسن الخلق، لا أوذي أحدا.
فأذن لي، فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن، وترجلت، ودخلت عليهم في دار نصف النهار وهم يأكلون، فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود، و أياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة، مشمرين، مسهمة وجوههم.
فسلمت عليهم، فقالوا:مرحبا بك يا ابن عباس وما هذه الحلة عليك؟ !
قلت: ما تعيبون مني؟ فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون في ثياب اليمنية، ثم قرأت هذه الآية:«قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق » [ ا لأعراف: 32 ].
فقالوا: ما جاء بك؟
قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون.
فقالت طائفة منهم لا تخاصموا قريشا، فإن الله عز وجل يقول: «بل هم قوم خصمون» [ الأعراف: 58] .
فانتحى لي نفر منهم، فقال: اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه.
قلت: هاتوا، ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبن عمه؟
قالوا: ثلاث.
قلت: ماهن؟
قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، إن كانوا كفارا لقد ل سيبهم،ولئن كانوا مؤمنين ما حل سيبهم ولا قتالهم(2).
قلت هذه ثنتان، فما الثالثة؟.
قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.
قلت: هل عندكم شيء غير هذا.
قالوا: حسبنا هذا.
قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد قولكم، أترجعون؟
قالوا: نعم.
قلت: أما قولكم: » حكم الرجال من أمر الله«، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك و تعالى أن يحكموا فيه.
أرأيت قول الله تبارك وتعالى:« يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم».[ المائدة:95 ]،وكان حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال.
أنشدكم بالله أحكم الرجال في إصلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟ !.
قالوا: بلى، بل هذا أفضل.
وفي المرأة وزوجها: « وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها» [ النساء: 35 ]،فأنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقم دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ !
خرجت من هذه؟
قالوا: نعم
قلت: وأما قولكم: » قاتل ولم يسب ولم يغنم« ، أفتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم:ليست بأمنا فقد كفرتم:« النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم» [ الأحزاب: 6 ].فأنتم بين ضلالتين،فأتوا بمخرج.
أفخرجت من هذه؟
قالوا:نعم
وأما محي نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين،فقال لعلى: » أمح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسول الله واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله « .(3)
والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة.
أخرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرون والأنصار.(4)
قال الأوزاعي –رحمه الله-:
» اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم،وقل بما قالوا،وكف عما كفوا عنه،واسلك سبيل سلفك الصالح،فإنه يسعك ما وسعهم «.(5)
فقد احتج عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما بمنهج الصحابة رضي الله عنهم على الخوارج فإن القرآن نزل فيهم أعلم بتأويله، وهم صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم أتبع لسبيله وتوجيه عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما لشبه الخوارج وبيان وجه الحق الأبلج من الباطل اللجلج، دليل علمي على ما قدمنا من الاحتجاج بمنهج الصحابة رضي الله عنهم.
(1) نسبة إلى حروراء- بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة-، وهي قرية على بعد ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب بها، فنسبوا إليها. – أنظر: معجم البلدان 3/ 345، واللباب في تهذيب الأنساب 1/359.
(2) هذا هو الحكم في الفئة الباغية: لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا يقسم فيئهم، ولا يجهز على جريحهم ولا يتبع هاربهم، ولا يبدؤون بقتال ما لم يفعلوا.
(3) وله شاهد من حديث البراء بن عازب – رضي الله عنه – البخاري (5/303-304-فتح)
(4) صحيح، وانظر تخريجه في كتاب: مناظرات السلف مع حزب ابليس ص 95 لـ سليم بن عيد الهلالي السلفي.
(5) الأجري في الشريعة ص 58.