أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
03-28-2009, 09:25 PM
الجزء الأول: (لمحة موجزة عن فقه الدعوة إلى الله تعالى، وبعض المعوقات وأسباب الخلاف):
إنّ الحمدَ لله، نحمدُ لله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ من الله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهدُ أنّ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران 102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلّ محدثة بدعةٌ، وكلّ بدعة ضلالةٌ، وكلّ ضلالة في النار.
إنّ كثرةَ العاملين في حقل الدعوة إلى الله تعالى أمرٌ يبشر بالخير، ويدعو إلى التفاؤل، ويقهر أعداء الله من اليهود والنصارى، ويقوي أعمدة الحق في الوطن المسلم؛ إلا أنّه لقلة العلم الشرعي والمعرفة الواضحة بمنهج أهل الحديث الأبرار، ولِضبس ولَقس بعض النفوس التي لم تروّض في حلق أهل الحديث، ولم تتلق العلم من مصادره الأمينة، ظهرت في الساحة الجزائرية مناهج مختلفة، وأفكار متناقضة أفرزت معها تناحرا واختلافا وتباغضا.
فبعض هذه المناهج المحدثة التي تترأسها فرقة الإخوان المسلمين ومن سار على دربهم بعلم أو بجهل مكسوٌ بلباس التساهل المقيت إلى حدّ التفريط في كليات الدين وثوابته، لا شغل للمعتنقين لهذه المناهج هداهم الله إلا تكتيل المسلمين على موائد القصّاص وأصحاب الحكايات الغابرة على طريقة الحكواتيين، أو تجميعهم على درس مادته سياسة عرجاء لا تحافظ على مكتسب ولا تجلب مفقودا، ضاربين صفحا عن حق الله على العبيد، مزهدين الخلق في علم الفقه وما ينفع المسلم في دينه ودنياه، يُغذُّون هذه المناهج من خزينة علماء الكلام من أمثال سيد قطب، والمودودي، والترابي، ومحمد الحسن ولد الدو، وسلمان العودة من سبح في حوضهم الآجن، وإذا شعروا بالإفلاس وانفضاض الناس من حولهم هرعوا لتخذيرهم باستقدام بعض الدعاة من خارج القطر للوثتهم فقدوا صلاحيتهم، مع ذلك يظن المستقدمون لهم أنهم إذا قدَّموهم لأبنائنا وانتفشوا أمامهم في قطرنا كأبي براقش، وغيروا بعض أساليبهم، وداهنوا وجهاء القوم ببعض الأبيات الشعرية التي لا يؤمنون بفحواها، وأسالوا بعض قطرات دموع التماسيح يخفى علينا منهجهم الردي وبدعتهم الجلية، لقد استغنى عنهم بنو جلدتهم لفشلهم في التربية والتعليم، ولتورطهم في إفراز أفكار متطرفة أتت على أمن بلدانهم، وصاروا بعد خبطهم وخلطهم نجوم القناوات الفضائية بعد ما كانوا يفسقون من يظهر فيها، ولكن صدق من قال: لكل ساقطة لاقطة، فقد وجدوا من ينفخ فيهم الروح من باب جديد، ويجهز لهم حقل تجارب في مناخ البحر الأبيض المتوسط، عناصره وأدواته فلذات أكبادنا، شأنهم شأن الغشاشين من التجار الذين يستوردون المواد الفاسدة جريا وراء الدرهم والدينار.
وبعض آخر جعل الغلو المقيت غطاء ليستر به جهله بالشريعة المحمدية، وأسلوبَ الطعن في إخوانه بالباطل، والكلام الغامض، والروايات الزائفة، وإبعادهم عن المشاركة في نشر الخير باستخدام أسلوب التحريش هو السيف الذي يرهب به الطلاب المبتدئين، ويثبت به مكانته أمامهم، وأنّه ما شاء الله الرحمن الرحيم المرجع الأوحد الذي لا يجوز الخروج عن رأيه وإلا هلكت الدعوة السلفية وكان القائمون عليها من المفترين، ناسيا قوله تعالى: [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]، وقوله تعالى: [اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ].
وهذا الصنف هداه الله تمادى في تحجير الواسع فقال: إن أي طالب علم –مهما كان قويا في الطلب ومعروفا عند كبار أهل الحديث، ومشهودا له بالعلم والسيرة الحسنة في مقارعة أهل البدع- إذا أراد نشر دعوة أو المشاركة في ندوة ولو في جحر على رأس جبل شاهق فعليه أن يأخذ الإذن من هذه الجهة التي تتشبع بالحكمة والدراية بالمصلحة! وإلا كان متعالما، ومخروما للمروءة، وفاقدا للأخلاق، وآتيا بإحْدى الإحَد، وعليه ملاحظات كزبد البحر، وظلمة اللحد.
ياسبحان الله العليم! فررنا من منهج عبد الله السبت المبني على إعطاء العهد في الدعوة إلى الله بدلا من البيعة البدعية فوقعنا في منهج عبد الله الواحد المبني على الهواجس والوساوس......!.
أخرج الإمام الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الأوسط، وصححه العلامة الألباني من طريق أبي سعيد الغفاري أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيصيب أمتي داء الأمم، فقالوا: يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: الأشر، والبطر، والتكاثر، والتناجش في الدنيا، والتباغض، والتحاسد؛ حتى يكون البغيُ).
إنّ القصور الذي نراه من بعض المشتغلين بالدعوة إلى الله عن إدراك مقاصد الشّرع وكلياته وثوابته حدا بي أن أكتب هذه الكلمات الموجزة وبعضها مستقاة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، نصحا لنفسي المذنبة، ولإخواني الدعاة الذين يشاركون معنا في نشر منهج أهل الحديث، ولا يكن في صدر أحد منا حرج من النصيحة العامة إذا كانت مرصوصة على نصوص الوحيين وبفهم سلف الأمة، وربنا تعالى يعلم الصادق من الكاذب ويعلم المصلح من المفسد.077143099
ورأيت في المضمار نفسه إقبال جماهير الأمة على معرفة الإسلام معرفة علمية، وقيام بعض المنظمات بارك الله فيها وفي جهودها بترتيب ندوات ودورات علمية في محافل مختلفة، ونشاط طلاب الجامعات وفقهم الله في استضافة المشايخ لتعطير مدارجها بالعلم النافع؛ كل هذه الأمور شجعتني أن أحبر هذه الكلمات الموجزة وإن كان فيها شيء من الشدة والحرقة، ولكن إن شاء الله هي نافعة لجميع السلفيين المخلصين لما تحمله من صراحة وصدق في علاج بعض الأمراض التي شوّهت جمال الدعوة إلى الله، وشوّشت عقول بعض أبنائنا الذين لم تستطع أن تدرك عقولهم فقه الخلاف فصاروا في حيرة واضطراب، مجنبا في الوقت نفسه مقالي الاضطراب والتلون، والأقوال العشرة في المسألة الواحدة.
قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/53-54): (المؤمن للمؤمن كاليد تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد الله معه ذلك التخشين).
وكذلك رقمتُ هذه الجمل دفاعا عن إخواننا من أهل الحديث من طعن المجاهيل، وحاملي الرواسب القديمة من الغلاة وأتباع فالح الحربي الذين تظاهروا بالتوبة والمسكنة لما رأوا أن سيوف أهل الحديث قاربت أن تقطف رؤوسهم العفنة، وجاءوا إلى مجالسنا يهرعون رامين بأنفسهم بين أيدينا كالميت في المغتسل، ولما كان أهل الحديث هم الطائفة المنصورة، وهم أرحم الخلق بالخلق قبلوا منهم توبتهم المغشوشة، وأسعفوهم بالنصح، وأسكتوا عنهم كلام باقي السلفيين، ولكن يأبى الله عالم السر إلا أن يخرج أضغناهم، ويكشف، وهم الآن كالسوس مندسين في جسم السلفيين ينخرونه من الداخل بالتشويش ونشر الخلاف والرذيلة.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة السلام (11/514 طبعة دار الغرب، وضبط وتعليق بشار عواد) في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري: أخبرنا بُشرى بن عبد الله، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا محمد بن جعفر الرّاشدي. وأخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن خلف الدّقّاق، قال: حدثنا عمر بن محمد الجوهري، قالا: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله [أي أحمد بن حنبل] يُسأل عن عبد الرحمن بن مهدي أكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع، ولم يكن بذاك الكثير جدا، كان الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يُسأل عن غيره من كثرة ما يُسأل عنه، فقيل له: كان يتفقه؟ قال: كان يتوسع في الفقه، كان أوسع فيه من يحي، كان يحي يميل إلى قول الكوفيين، وكان عبد الرحمن يذهب إلى بعض مذاهب الحديث، وإلى رأي المدنيين، فَذُكِرَ لأبي عبد الله عن إنسان أنه يحكي عنه القدر. قال [أي الإمام أحمد]: ويحلّ له أن يقول هذا، هو سمع هذا منه، ثم قال: يجيء إلى إمام من أئمة المسلمين يتكلم فيه!). انظر تهذيب الكمال للمزي (17/436).
إنّ الحمدَ لله، نحمدُ لله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ من الله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهدُ أنّ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران 102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلّ محدثة بدعةٌ، وكلّ بدعة ضلالةٌ، وكلّ ضلالة في النار.
إنّ كثرةَ العاملين في حقل الدعوة إلى الله تعالى أمرٌ يبشر بالخير، ويدعو إلى التفاؤل، ويقهر أعداء الله من اليهود والنصارى، ويقوي أعمدة الحق في الوطن المسلم؛ إلا أنّه لقلة العلم الشرعي والمعرفة الواضحة بمنهج أهل الحديث الأبرار، ولِضبس ولَقس بعض النفوس التي لم تروّض في حلق أهل الحديث، ولم تتلق العلم من مصادره الأمينة، ظهرت في الساحة الجزائرية مناهج مختلفة، وأفكار متناقضة أفرزت معها تناحرا واختلافا وتباغضا.
فبعض هذه المناهج المحدثة التي تترأسها فرقة الإخوان المسلمين ومن سار على دربهم بعلم أو بجهل مكسوٌ بلباس التساهل المقيت إلى حدّ التفريط في كليات الدين وثوابته، لا شغل للمعتنقين لهذه المناهج هداهم الله إلا تكتيل المسلمين على موائد القصّاص وأصحاب الحكايات الغابرة على طريقة الحكواتيين، أو تجميعهم على درس مادته سياسة عرجاء لا تحافظ على مكتسب ولا تجلب مفقودا، ضاربين صفحا عن حق الله على العبيد، مزهدين الخلق في علم الفقه وما ينفع المسلم في دينه ودنياه، يُغذُّون هذه المناهج من خزينة علماء الكلام من أمثال سيد قطب، والمودودي، والترابي، ومحمد الحسن ولد الدو، وسلمان العودة من سبح في حوضهم الآجن، وإذا شعروا بالإفلاس وانفضاض الناس من حولهم هرعوا لتخذيرهم باستقدام بعض الدعاة من خارج القطر للوثتهم فقدوا صلاحيتهم، مع ذلك يظن المستقدمون لهم أنهم إذا قدَّموهم لأبنائنا وانتفشوا أمامهم في قطرنا كأبي براقش، وغيروا بعض أساليبهم، وداهنوا وجهاء القوم ببعض الأبيات الشعرية التي لا يؤمنون بفحواها، وأسالوا بعض قطرات دموع التماسيح يخفى علينا منهجهم الردي وبدعتهم الجلية، لقد استغنى عنهم بنو جلدتهم لفشلهم في التربية والتعليم، ولتورطهم في إفراز أفكار متطرفة أتت على أمن بلدانهم، وصاروا بعد خبطهم وخلطهم نجوم القناوات الفضائية بعد ما كانوا يفسقون من يظهر فيها، ولكن صدق من قال: لكل ساقطة لاقطة، فقد وجدوا من ينفخ فيهم الروح من باب جديد، ويجهز لهم حقل تجارب في مناخ البحر الأبيض المتوسط، عناصره وأدواته فلذات أكبادنا، شأنهم شأن الغشاشين من التجار الذين يستوردون المواد الفاسدة جريا وراء الدرهم والدينار.
وبعض آخر جعل الغلو المقيت غطاء ليستر به جهله بالشريعة المحمدية، وأسلوبَ الطعن في إخوانه بالباطل، والكلام الغامض، والروايات الزائفة، وإبعادهم عن المشاركة في نشر الخير باستخدام أسلوب التحريش هو السيف الذي يرهب به الطلاب المبتدئين، ويثبت به مكانته أمامهم، وأنّه ما شاء الله الرحمن الرحيم المرجع الأوحد الذي لا يجوز الخروج عن رأيه وإلا هلكت الدعوة السلفية وكان القائمون عليها من المفترين، ناسيا قوله تعالى: [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]، وقوله تعالى: [اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ].
وهذا الصنف هداه الله تمادى في تحجير الواسع فقال: إن أي طالب علم –مهما كان قويا في الطلب ومعروفا عند كبار أهل الحديث، ومشهودا له بالعلم والسيرة الحسنة في مقارعة أهل البدع- إذا أراد نشر دعوة أو المشاركة في ندوة ولو في جحر على رأس جبل شاهق فعليه أن يأخذ الإذن من هذه الجهة التي تتشبع بالحكمة والدراية بالمصلحة! وإلا كان متعالما، ومخروما للمروءة، وفاقدا للأخلاق، وآتيا بإحْدى الإحَد، وعليه ملاحظات كزبد البحر، وظلمة اللحد.
ياسبحان الله العليم! فررنا من منهج عبد الله السبت المبني على إعطاء العهد في الدعوة إلى الله بدلا من البيعة البدعية فوقعنا في منهج عبد الله الواحد المبني على الهواجس والوساوس......!.
أخرج الإمام الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الأوسط، وصححه العلامة الألباني من طريق أبي سعيد الغفاري أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيصيب أمتي داء الأمم، فقالوا: يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: الأشر، والبطر، والتكاثر، والتناجش في الدنيا، والتباغض، والتحاسد؛ حتى يكون البغيُ).
إنّ القصور الذي نراه من بعض المشتغلين بالدعوة إلى الله عن إدراك مقاصد الشّرع وكلياته وثوابته حدا بي أن أكتب هذه الكلمات الموجزة وبعضها مستقاة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، نصحا لنفسي المذنبة، ولإخواني الدعاة الذين يشاركون معنا في نشر منهج أهل الحديث، ولا يكن في صدر أحد منا حرج من النصيحة العامة إذا كانت مرصوصة على نصوص الوحيين وبفهم سلف الأمة، وربنا تعالى يعلم الصادق من الكاذب ويعلم المصلح من المفسد.077143099
ورأيت في المضمار نفسه إقبال جماهير الأمة على معرفة الإسلام معرفة علمية، وقيام بعض المنظمات بارك الله فيها وفي جهودها بترتيب ندوات ودورات علمية في محافل مختلفة، ونشاط طلاب الجامعات وفقهم الله في استضافة المشايخ لتعطير مدارجها بالعلم النافع؛ كل هذه الأمور شجعتني أن أحبر هذه الكلمات الموجزة وإن كان فيها شيء من الشدة والحرقة، ولكن إن شاء الله هي نافعة لجميع السلفيين المخلصين لما تحمله من صراحة وصدق في علاج بعض الأمراض التي شوّهت جمال الدعوة إلى الله، وشوّشت عقول بعض أبنائنا الذين لم تستطع أن تدرك عقولهم فقه الخلاف فصاروا في حيرة واضطراب، مجنبا في الوقت نفسه مقالي الاضطراب والتلون، والأقوال العشرة في المسألة الواحدة.
قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/53-54): (المؤمن للمؤمن كاليد تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد الله معه ذلك التخشين).
وكذلك رقمتُ هذه الجمل دفاعا عن إخواننا من أهل الحديث من طعن المجاهيل، وحاملي الرواسب القديمة من الغلاة وأتباع فالح الحربي الذين تظاهروا بالتوبة والمسكنة لما رأوا أن سيوف أهل الحديث قاربت أن تقطف رؤوسهم العفنة، وجاءوا إلى مجالسنا يهرعون رامين بأنفسهم بين أيدينا كالميت في المغتسل، ولما كان أهل الحديث هم الطائفة المنصورة، وهم أرحم الخلق بالخلق قبلوا منهم توبتهم المغشوشة، وأسعفوهم بالنصح، وأسكتوا عنهم كلام باقي السلفيين، ولكن يأبى الله عالم السر إلا أن يخرج أضغناهم، ويكشف، وهم الآن كالسوس مندسين في جسم السلفيين ينخرونه من الداخل بالتشويش ونشر الخلاف والرذيلة.
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة السلام (11/514 طبعة دار الغرب، وضبط وتعليق بشار عواد) في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري: أخبرنا بُشرى بن عبد الله، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا محمد بن جعفر الرّاشدي. وأخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن خلف الدّقّاق، قال: حدثنا عمر بن محمد الجوهري، قالا: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله [أي أحمد بن حنبل] يُسأل عن عبد الرحمن بن مهدي أكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع، ولم يكن بذاك الكثير جدا، كان الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يُسأل عن غيره من كثرة ما يُسأل عنه، فقيل له: كان يتفقه؟ قال: كان يتوسع في الفقه، كان أوسع فيه من يحي، كان يحي يميل إلى قول الكوفيين، وكان عبد الرحمن يذهب إلى بعض مذاهب الحديث، وإلى رأي المدنيين، فَذُكِرَ لأبي عبد الله عن إنسان أنه يحكي عنه القدر. قال [أي الإمام أحمد]: ويحلّ له أن يقول هذا، هو سمع هذا منه، ثم قال: يجيء إلى إمام من أئمة المسلمين يتكلم فيه!). انظر تهذيب الكمال للمزي (17/436).