المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لفظة منكرة في حديث صحيح الحلقة الثانية


عبد الرحمان أحمد
06-06-2009, 01:35 AM
kji


الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فهذه الحلقة الثانية من موضوع لفظة منكرة في حديث صحيح وقد تم وضعها سابقا لكنها حذفت مع كثير من المواضيع بسبب خطأ فأحببت إعادة وضعه للفائدة.
بـاب ما جاء في في الأمر بإراقة سؤر الكلب من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الإمام البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال:« إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:« إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ». كتاب الوضوء؛ باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان؛ (170).
قال البيهقي: هذا حديث صحيح، لا يَشُكُّ أهلُ المعرفة في صِحَّته.اهـ معرفة السنن 2/56.
روى هذا الحديث عن أبي هريرة جماعةٌ من الثقات منهم: الأعرج، وأبو صالح السَّمَّان، وأبو رزين، وهمَّام بن منبِّه، ومحمد بن سيرين، وأبو رافع، وعبد الرحمان السدي، وعبيد بن حنين، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة، والحسن البصري، وثابت بن عياض مولى عبد الرحمان بن زيد، عبد الرحمن بن أبي عمرة، سليم بن جبير. واتَّفقوا على عدم ذكر الأمر بالإراقة.
واختُلف فيه على الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين في لفظه وإسناده.
فرواه علي بن مسهر عن الأعمش عنهما، وزاد فيه: "فليرقه"؛ كما في صحيح مسلم وغيره.
وخالفه أبو معاوية عند أحمد، وإسماعيل بن زكريا عند مسلم، وعبد الرحمن بن حميد الرؤاسي عند الطبراني في الصغير، وعبد الواحد بن زياد عند الدارقطني، جميعا عن أبي صالح، وأبي رزين.
ورواه شعبة عند أحمد والطحاوي في معاني الآثار، وحفص بن غياث عند الطحاوي في معاني الآثار كلاهما عن أبي صالح.
ورواه جرير بن عبد الحميد عند ابن راهويه، وأبو أسامة عند ابن أبي شيبة كلاهما عن أبي رزين.
وقد اختلف النُّقاد في تصحيح هذه اللفظة.
فأدخلها جماعة من الحفاظ في الصحيح؛ منهم: الإمام مسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، وقال الدارقطني في سننه (182) بعد إخراجه لرواية ابن مسهر: إسناد حسن، ورواته كلهم ثقات.اهـ
وتجنَّب البخاري إخرجَها مع أنه أخرج أصل الحديث، وأعلَّها جماعة من الحفَّاظ.
قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله "فليرقه".اهـ السنن 1/118.
وقال الحافظ أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي قَوْلِهِ: "فَلْيَرْقِهِ" غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ.اهـ طرح التثريب 1/121؛ فتح الباري: 1/275.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: أما هذا اللفظ في حديث الأعمش "فليهرقه" فلم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ مثل شعبة وغيره.اهـ التمهيد 2/209.
وقال الحافظ ابن منده في كتاب "الطهارة بالاتفاق والتفرد على رسم أهل المعرفة بالآثار وصحيح الأخبار" - وهو مفقود -: وهذه الزيادة تفرَّد بها علي بن مسهر، ولا تُعرَف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجه من الوجوه إلاَّ من هذه الرواية .اهـ الإمام لابن دقيق العيد 1/258. البدر المنير 1/545.
وقد اعتبرها بعضُ الحفَّاظ زيادة ثقة مقبولة.
قال الحافظ ابن الملقن: ولا يضر تفرده بها، فإنَّ عليَّ بنَ مسهر إمامٌ حافظٌ، متَّفَقٌ على عدالته والاحتجاج به، ولهذا قال - بعد تخريجه لها - الدارقطني: إسنادها حسن، ورواتها ثقات. وأخرجها إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في «صحيحه»، ولفظه: «فليهرقه».اهـ البدر المنير 1/545-546.
وقال الحافظ العراقي: وهذا غير قادح فيه، فإنَّ زيادة الثقة مقبولة عند أكثر العلماء من الفقهاء، والأصوليين والمحدثين، وعلي بن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، والعجلي وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدًا تكلم فيه؛ فلا يضره تفرده به.اهـ طرح التثريب 1/121.
قلت: قول الدارقطني "إسناد حسن" ليس تحسينا للحديث؛ فإنه كثيرًا ما يطلق الحُسْنَ على الحديث في سننه ولا يريد الحسن الاصطلاحي، وإنما يقصد به النكارة، أو الغرابة غالبا. انظر: الحسن بمجموع الطرق لعمرو عبد المنعم ص36-41.
وما ذكره الحافظ العراقي من أنَّ مذهب المحدثين قبول زيادة الثقة مطلقا فيه نظر؛ إلاَّ أنْ يعني بهم مَن تأصَّل مِن المتأخرين منهم، وإلاَّ فالذي يدلُّ عليه كلامُ أهل الصنعة وتصرُّفاتُ النُّقاد خلاف ذلك.
ذكـر بعض النصوص عن الحفاظ في مسألة زيـادة الثقة.

قال الإمام مسلم: والزيادة في الأخبار لا تلزَمُ إلا عن الحفَّاظ الذين لم يكثُر عليهم الوهمُ في حفظهم.اهـ التمييز ص189؛ شرح العلل 2/642.
وقال الإمام ابن خزيمة: لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحافظ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته، فإذا تواردت الأخبار فزاد - وليس مثلهم في الحفظ - زيادةً لم تكن تلك الزيادة مقبولة.اهـ النكت 2/688-689
وسئل الحافظ الدارقطني عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات، مثل أنْ يرويَ الثوريُّ حديثًا ويخالفه فيه مالك، والطريق إلى كل واحد منهما صحيح ؟.
فقال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان يحكم بصحته، أو جاء بلفظة زائدة تَثبُت، تُقبَل منه تلك الزيادة، ويحكم لأكثرهم حفظًا وثبتا على مَن دُونه.اهـ سؤالات السلمي ص360.
وقال الحافظ ابن عبد البر:إنما تقبل الزيادة من الحافظ إذا ثبتت عنه، وكان أحفظ وأتقن ممن قصَّر، أو مثله في الحفظ، لأنه كأنه حديث آخر مستأنف. وأما إذا كانت الزيادة من غير حافظ، ولا متقن فإنها لا يلتفت إليها.اهـ التمهيد 5/291 ط:الفاروق.
وقال الحافظ ابن رجب: فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا الباب أنَّ زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرَّزاً في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة، ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرُّده. وإنْ كان ثقة مبرَّزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان.اهـ شرح العلل 2/634.
وقال الحافظ ابن حجر: فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أنَّ الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظا متقنا؛ حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ ولو كان في الأصل صدوقا؛ فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق، والله أعلم.اهـ النكت 2/690.
وإذا رجعنا إلى رواية علي بن مُسْهر وجدنا أنه:
أولا: قد خالف من هو أحفظ منه وأتقن.
ثانيا: أنه خالف رواية الجماعة الثقات.
وهذان الأمران كافيان في الحكم على روايته بالنكارة والشذوذ؛ فكيف إذا انضمَّ إلى هذا ما يأتي.
ثالثا: أنه خالف رواية مَن هو أضبط منه لحديث الأعمش والمقدَّمون من أصحابه.
قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحدٌ أعلم بحديث الأعمش من سفيان الثوري.اهـ الجرح والتعديل 1/64.
وقال يعقوب بن شيبة: سفيان الثوري وأبو معاوية مقدَّمان في الأعمش على جميع من روى عن الأعمش.اهـ شرح العلل 2/716.
وقال أبو بكر المقدمي: وذكر عليٌّ - يعني ابن المديني - حديث الأعمش وأصحابه فقال: أثبت الناس في الأعمش وأعلمهم به سفيان، وأروى الناس عنه أبو معاوية؛ عند أبي معاوية عن الأعمش نحو من ألف وسبعمائة، وكتاب حفص بن غياث صحيح؛ وعنده عن الأعمش قريب من ألف حديث. وجرير الرازي راوية الأعمش؛ وهو أقل عددا من أبي معاوية؛ وعند جرير عن الأعمش ما ليس عند أبي معاوية؛ وعنده نحو أربعمائة ونيف وخمسين، ووكيع بن الجرح حسن السماع من الأعمش؛ عنده نحو من سبعمائة، وجعفر بن عون ليس به بأس، وليس بالراوي عن الأعمش.اهـ التاريخ للمقدَّمي ص164.
قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: أبو معاوية من أحفظ أصحاب الأعمش. قلت له: مثل سفيان؟ قال: لا سفيان في طبقة أخرى مع أنَّ أبا معاوية يخطئ في أحاديث من أحاديث الأعمش.اهـ العلل ومعرفة الرجال 1/541؛ المنتخب من العلل للخلال ص323.
وقال أيضا: أبو معاوية فوق شعبة أعني في الأعمش. أبو معاوية في الكثرة وعلمه بالأعمش، وشعبة صاحبُ حديثٍ يؤدِّي الألفاظَ والأخبارَ، وأبو معاوية: عن عن.
وقيل له: بعد أبي معاوية، شعبة أثبت ؟.
قال: شعبة أثبتُ في كلِّ شيء، وقد غلِط شعبةُ في بعض ما روى عن الأعمش، وكان والله من أصحِّ الناس حديثاً عن الأعمش، ما خلا الثوري. وأبو معاوية أثبتٌ في حديث الأعمشِ منه في غيره، وهو أثبت في الأعمش من جرير؛ جرير لم يكن بالضابط عن الأعمش.اهـ المنتخب من العلل للخلال ص323، 324
وقال أبو بكر الخلال: أحمد لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في حديث الأعمش إلا أنْ يكون الثوري. اهـ شرح العلل 2/712.
قال أبو عبيد الله الآجري: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث يقول: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدِّم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث.
وقال أبو داود: سمعت عيسى بن شاذان يقدِّم حفصا، وكان بعضهم يقدِّم أبا معاوية. تاريخ بغداد 8/195-196.
وقال عبد الرحمن بن خراش: بلغني عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أوثق أصحاب الأعمش حفص بن غياث. فأنكرت ذلك، ثم قدمت الكوفة بأخرة فأخرج إلى عمر بن حفص كتاب أبيه عن الأعمش؛ فجعلت أترحَّم على يحيى، فقال لي عمر: تنظر في كتاب أبي وتترحَّم على يحيى؛ فقلت: سمعته يقول: حفص بن غياث أوثق أصحاب الأعمش، ولم أعلم حتى رأيت كتابه. تاريخ بغداد 8/195.
وقال الدار قطني: أرفع الرواة عن الأعمش: الثوري، وأبو معاوية، ووكيع، ويحيى القطان، وابن فضيل، وقد غلط عليه في شيء.اهـ شرح العلل 2/720.
وقال ابن عمار: قال أبو معاوية: كان أهل خراسان يجيئون إلى الأعمش ليسمعوا منه فلا يقدرون، قال: فكانوا يجيئون فيسمعون من شعبة فيحدثهم عن الأعمش، قال: فكان شعبة لا يحدثهم حتى يقعدني معه فيقول: يا أبا معاوية أليس هو كذا وكذا، فإذا قلت نعم حدثهم.
قال ابن عمار: إنما يُراد من هذا أنَّ أبا معاوية كان أثبت فيه من شعبة.اهـ تاريخ بغداد 5/244-245؛ شرح العلل 2/720.
وقال ابن رزيق: سئل أحمد بن الحسن السُّكَّري الحافظ - وأنا جالس - من أحب إليك في أصحاب الأعمش؟، قال: أبو معاوية أعرف به، وبعده الثوري، وبعده شعبة، والباقون بعد.اهـ تاريخ بغداد 5/245؛ شرح العلل 2/720.
ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة أنَّ المقدَّمون في حديث الأعمش، وأضبطهم لروايته جماعة وهم: الثوري، وأبو معاوية، وشعبة، وحفص بن غياث، ووكيع، ويحيى القطان. وليس فيهم علي بن مسهر. ومنهم ثلاثة رَوَوا الحديث دون هذه الزيادة وهم: أبو معاوية، وشعبة، وحفص بن غياث. ومقتضى كلام الإمام أحمد أنه لو خالف راوٍ أبا معاوية وحده لم يعبأ بمخالفته، فكيف وقد اجتمع مع أبي معاوية شعبةُ وحفص.
رابعا: أنَّ عليَّ بنَ مُسْهِر وإنْ كان ثقةً إلاَّ أنَّ له غرائب ومفاريد، وذلك أنه كان صاحب كتاب فلمَّا أضرَّ حدَّث مِن حفظه أشياءَ أُنكِرت عليه.
قال أحمد بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أما علي بن مسهر فلا أدري كيف أقول، ثم قال: إنَّ على بن مسهر كان قد ذهب بصره، وكان يحدِّثهم من حفظه.اهـ ضعفاء العقيلي 3/971.
وقال أحمد - في رواية الأثرم-: كان ذهب بصره؛ فكان يحدثهم من حفظه. وأنكر عليه حديثه عن هشام عن أبيه عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع المؤذن قال: وأنا.
وقال: إنما هو عن هشام عن أبيه مرسل.اهـ شرح العلل 2/755.
وذكر الأثرم أيضًا عن أحمد أنه أنكر حديثًا؛ فقيل له: رواه علي بن مسهر!؛ فقال: إنَّ علي بن مسهر كانت كتبه قد ذهبت، فكتب بعد، فإنْ كان روى هذا غيره وإلا فليس بشيء يعتمد.اهـ شرح العلل 2/755.
يعني: أنَّ الإمام أحمد لا يقبل ما تفرد به؛ وعليه فما خالف فيه الأثبات من باب أولى أن لا يقبل.
وقال الحافظ ابن رجب: وعلي بن مسهر له مفاريد، ومنه في حديث: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه. وقد خرَّجه مسلم.اهـ شرح العلل 2/755.
وقال الحافظ ابن حجر: ثقة له غرائب بعد أنْ أضرَّ.اهـ التقريب (4800).
فهذه أمور أربعة تدل على أنّ علي بن مسهر لم يضبط الحديث جيِّدًا، وتُقوِّي قول مَن أنكر مِن النُّقَّاد زيادتَه فيه "فليرقه"، والله أعلم.
بـاب ما جـاء في ذكر الهـرة في حـديث ولوغ الكلب من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الإمام الترمذي: حدثنا ابن عبد الله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:« يُغسَلُ الإناءُ إذا وَلَغَ فيه الكَلْبُ سَبْعَ مرَّاتٍ أولاهنَّ أو أُخراهنَّ بالتراب، وإذا وَلَغَتْ فيه الهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً ».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقد رُوي هذا الحديثُ من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، ولم يُذْكَرْ فيه "إذا ولغت فيه الهرَّة غسل مرة".اهـ السنن: أبواب الطهارة؛ باب ما جاء في سؤر الكلب؛ (91).
قلت: سبق ذكْر من روى حديث أبي هريرة من ثقات التابعين، ولم يأت ذكر الهرة في رواية أحدهم سوى رواية ابن سيرين وأبي صالح السَّمَّان، وسأتناول بإذن الله هاتين الروايتين بالدراسة.
الرواية الأولى:رواية محمد بن سيرين:

اختُلف على ابن سيرين في روايته لحديث أبي هريرة اختلافا كبيرًا في متنه وسنده، وقد أسهب في الكلام عليها الإمام الدارقطني في علله (8/99-103، 116-118). وسأقتصر هنا على الكلام حول ذكر الهرة في رواية ابن سيرين؛ فأقول:
اختُلف على ابن سيرين في ذكر الهرة:
فرواه عنه جماعةٌ من الثِّقات من غير ذكْر الهرَّة، منهم: هشام بن حسَّان عند مسلم، والأوزاعي عند الدارقطني والبيهقي في الكبرى، وقتادة، وحبيب بن الشهيد كلاهما عند أبي داود، ويونس بن عبيد عند الطبراني في الأوسط، وسالم الخيَّاط عند الطبراني في الأوسط.
وخالفهم ثلاثة: أيوب السختياني، وقرة بن خالد، وعبد الله بن عون، فروَوْه عن ابن سيرين بذكر الهرة مرفوعا. لكن اختُلف فيه على أيوب وقرة.
أولا:ذكر الاختلاف على أيوب.

روى هذا الحديث أيوب عن ابن سيرين واختلف عليه:
فرواه ابن عيينة - عند الحميدي والشافعي -، وابن أبي عروبة - عند أحمد - ومعمر - عند عبد الرزاق - جميعا عن أيوب مرفوعا، ولم يذكروا الهرة؛ فوافق رواية الجماعة.
ورواه سوَّار العنبري عن معتمر بن سليمان - عند الترمذي - بذكر الهرة مرفوعا. وتابعه أحمد بن المقدام من طريق أبي بكر البوراني عنه كما عند الإسماعيلي في حديث أيوب. وخالفه مسدد - عند أبي داود -، وإبراهيم بن يعقوب أبو يوسف الدورقي، وأحمد بن المقدام من طريق ابن ياسين عنه - كلاهما عند الإسماعيلي في حديث أيوب - فرووه عن المعتمر موقوفا.
وكذا خالفه المقدمي - عند الطحاوي في معاني الآثار - فرواه عن معتمر مرفوعا من غير ذكر الهرة.
وصحَّح الترمذي رواية سوار العنبري وصححها أيضا ابن التركماني، وأحمد شاكر، والألباني. انظر: الجوهر النقي 1/375،376؛ شرح الترمذي 1/152؛ صحيح أبي داود (الأم) 1/124-126.
قال ابن دقيق العيد: والترمذي اعتمد في التصحيح على عدالة الرجال عنده، ولعله لم يلتفت لوقف من وقفه مع رفع من رفع.اهـ الإمام في معرفة أحديث الأحكام 1/243.
وأعلَّ ابن الجوزي رواية سوار العنبري معتمدًا على قول سفيان الثوري: سوار ليس بشيء. انظر: التحقيق 1/81.
وقد وهِم ابنُ الجوزي في هذا النقل عن الثوري. قال ابن دقيق العيد: وقد وهم أبو الفرج ابن الجوزي ها هنا وهما شديدا؛ فأجاب عن هذا الحديث - بعد أن أخرجه من جهة الترمذي -: بأن سوَّارا قال سفيان الثوري - يعني فيه -: "ليس بشيء". وليس سوَّار هذا الذي قال فيه الثوري هو الذي روى عنه الترمذي، فإنَّ ذلك سوار بن عبد الله ابن قدامة متقدِّم في الطبقة، وشيخ الترمذي سوَّار بن عبد الله بن قدامة مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وقال النسائي فيه: ثقة.اهـ الإمام في معرفة أحديث الأحكام 1/241،242. وغلَّطه كذلك الذهبي وابن حجر. انظر: تنقيح كتاب التحقيق 1/28؛ تهذيب التهذيب 2/132.
وأعلَّ الذهبي رواية سوار برواية مسدَّد، فقال: وهذا الخبر رواته ثقات، لكن علَّته أنَّ مسدَّدًا رواه عن معتمر، فوقفه. رواه عنه أبو داود.اهـ تنقيح كتاب التحقيق 1/28.
وممَّن أعلَّ رواية الرفع وصحَّح الوقف ابن عبد الهادي، والمنذري. انظر: المحرر 1/88، مختصر السنن - مع عون المعبود - 1/113.
تنبيه: ذكر العلاّمة الألباني في صحيح أبي داود (الأم):(1/125) أنَّ المقدَّمي تابع العنبري، وعزا رواية المقدَّمي إلى الطحاوي؛ والذي رأيته عند الطحاوي في شرح معاني الآثار - طبعة النجار - أنه لم يذكر الهرة في حديث أبي هريرة، فإذا ثبت هذا فلا يصِحُّ أن تكون روايته متابعة، والله أعلم.
ورواه محمد بن عمر القصبي - عند البيهقي في الكبرى - عن عبد الوارث عن أيوب بذكر الهرة مرفوعًا. وخالف القصبيَّ إبراهيمُ بن الحجاج - عند أبي جعفر ابن البختري في مجالسه - فرواه عن عبد الوارث مرفوعا من غير ذكر الهرة، وهو الصواب.
قال البيهقي: وغلِط فيه محمد بن عمر القصبي فرواه عن عبد الوارث عن أيوب مدرجا في الحديث المرفوع.اهـ السنن الكبرى 1/375.
ورواه حمَّاد بن زيد - عند أبي داود والدارقطني البيهقي -، ومعمر - عند عبد الرزاق والدارقطني -، وابن عُليَّة - عند أبي عبيد في الطهور -، وعبد الوهاب الثقفي - عند الدارقطني في العلل -، يزيد بن زريع العيشي - عند الإسماعيلي في حديث أيوب - جميعا عن أيوب بذكر الهرة موقوفا.
والذي يمكن أنْ نخلص إليه أنَّ أيوب رُوي عنه الحديثُ على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: رواية الرفع؛ وليس فيها ذكر الهرة، وهذه الرواية قد رواها عنه جماعة من الثقات، وهي صحيحة.
الوجه الثاني: رواية الوقف؛ وفيها ذكر الهرة، وهذه أيضا رواها عنه جماعة من الثقات، وهي صحيحة.
الوجه الثالث: رواية الرفع؛ وفيها ذكر الهرة رواها عنه ثقتان: معتمر، وعبد الوارث وقد اختلف عليهما في ذلك، والصواب في رواية معتمر الوقف، وفي رواية عبد الوارث الرفع من غير ذكر الهرة. وعلى فرض صحة روايتهما فإنهما لا يقويان على مخالفة الجماعة من الثقات الأثبات وفيهم: حماد بن زيد أثبتهم في أيوب، وأعلمهم بحديثه؛ كما قال أحمد وابن معين وغيرهما.
ثانيا:ذكر الاختلاف على قرة بن خالد

ورواه قرة بن خالد عن ابن سيرين واختلف عليه:
فرواه أبو عاصم النبيل عن قرة. واختلف عليه في لفظه وإسناده:
فروى عبد الله بن محمد بن زياد الفقيه عن بكار بن قتيبة وحماد بن الحسن بن عنبسة عنه - عند والحاكم البيهقي - بذكر الهرة بلفظ "والهرة مرة أو مرتين"مرفوعا. ورواه ابن خزيمة عن بكار بن قتيبة عنه، وعلي بن مسلم عن أبى عاصم - عند والحاكم البيهقي - بلفظ "والهرة مثل ذلك" مرفوعًا.
وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين فإن أبا بكرة ثقة مأمون و من توهم أن أبا بكرة ينفرد به عن أبي عاصم و إنما تفرد به أبو عاصم وهو حجة.اهـ المستدرك 1/ 250. وظاهر كلامه يدلُّ أنه يصحِّح رفْعَ هذه اللفظة إلا أنه سيأتي من كلامه ما يُفهم منه أنه يعلِّل رفعها، والله أعلم بالصواب.
وقد خالف أبا عاصم: عليُّ بن نصر الكبير - عند الحاكم البيهقي -، ومسلمُ بن إبراهيم - عند الحاكم والدارقطني والبيهقي - وأبو عامر العقدي - عند الدارقطني في العلل - فروَوْه جميعا عن قرَّة موقوفا.
وأعلَّ جماعةٌ من النُّقاد رواية الرَّفع وصوَّبوا الوقف:
قال أبو بكر النيسابوري: كذا رواه أبو عاصم مرفوعا، ورواه غيره عن قرة "ولوغ الكلب" مرفوعا و"ولوغ الهر" موقوفا.اهـ سنن الدارقطني 1/112.
وقال البيهقي: وأبو عاصم الضحاك بن مخلد ثقة إلا أنه أخطأ في إدراج قول أبي هريرة في الهرة في الحديث المرفوع في الكلب. وقد رواه علي بن نصر الجهضمي عن قرة فبيَّنه بيانا شافيا.اهـ السنن الكبرى 1/374.
قال الحاكم: وقد شَفَى عليُّ بن نصر الجهضمي عن قرة في بيان هذه اللفظة[1] (http://www.ahlelhadith.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn1).
ثم أسند الحديث من طريقه، ثم قال: قال نصر بن علي: وجدته في كتاب أبي في موضع آخر عن قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة في الكلب مسندًا، وفي الهرة موقوفا.اهـ المستدرك 1/250،251.
وقال البيهقي: زعم الطحاوي أنَّ حديث قرَّة عن ابن سيرين عن أبي هريرة في ولوغ الهر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ صحيح، ولم يعلم أن الثقة من أصحابه، قد ميزه عن الحديث وجعله من قول أبي هريرة.اهـ معرفة السنن 2/71.
ثالثا: الكلام على رواية ابن عون.

ورواه ابن عون عن ابن سيرين - عند ابن شاهين في ناسخ والمنسوخ، والبيهقي - بذكر الهرة مرفوعا.
قال ابن شاهين (140): حدثنا محمد بن مخلد بن حفص قال حدثنا أبو بدر عباد بن الوليد الغبري قال سمعت حفص بن واقد قال: حدثني ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن بالتراب والهرة مرة ».اهـ
وتابع محمدَ بنَ مخلد العطار يحيى بنُ محمد بن صاعد - عند الخطيب في تاريخه - وخالفهما حاجب بن مالك بن أركين الفرغاني[2] (http://www.ahlelhadith.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn2) - عند ابن عدي في الكامل - فلم يذكر الهرة.
وهذه الرواية تفرد بها عن ابن عون حفص بن واقد البصري العلاف اليربوعي، وحفصٌ هذا له أحاديث منكرة على قِلَّة حديثه، وقد ذكره في الضعفاء ابن الجوزي والذهبي. انظر: الضعفاء والمتروكين 1/225؛ المغني في الضعفاء (1645).
وأين هذه الرواية من أصحاب ابن عون الحفَّاظ الأثبات المتقنين لحديثه؛ كابن عليَّة وابن المبارك، وحماد بن زيد، والثوري، وشعبة، والقطان، ووكيع، ويزيد بن زُرَيْع، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
قال الحافظ ابن عدي - بعد أنْ ذكر لحفص أنكرَ ما روى -: وحديث ابن عون لا يرويه عنه غير حفص بن واقد ... ولم أر لحفص أنكرَ من هذه الأحاديث، وليس له من الأحاديث إلا شيء يسير.اهـ الكامل في ضعفاء الرجال 2/392.
الرواية الثانية: رواية أبي صالح السمان.

قال الدارقطني في سننه (208): ثنا علي بن محمد المصري نا روح بن الفرج نا سعيد بن عفير نا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغسل الإنَاء من الهر كَمَا يغسل من الكَلْب.
قلت: قد خالف روح بن الفرج هنا من هو أوثق منه؛ وهما: محمد بن إسحاق أبو بكر الصَّاغاني الثقة الثبت - عند الدارقطني والبيهقي في الكبرى - وربيع بن سليمان الجيزي - عند الطحاوي في معاني الآثار ومشكله -؛ فروياه عن سعيد بن عفير موقوفا؛ لذا ضعَّف غيرُ واحد من الحفَّاظ رواية روح.
قال الدارقطني: لا يثبت هذا مرفوعا، والمحفوظ من قول أبي هريرة واختلف عنه. السنن 1/114.
وقال البيهقي: ورُوي عن أبي صالح عن أبي هريرة: « يغسل الإناء من الهر، كما يغسل من الكلب »، وليس بمحفوظ.اهـ معرفة السنن 2/70.
وقال أيضا: هكذا رواه ابن عفير موقوفا، ورُوي عن روح بن الفرج عن ابن عفير مرفوعا وليس بشيء.اهـ السنن الكبرى 1/376.
وقال ابن الجوزي: ولا يصِحُّ الحديث الآخر عن أبي صالح. انظر: التحقيق لابن الجوزي 1/81-82
وقال الذهبي: هذا الإسناد نظيف، لكن قال الدَّارقطنيُّ: لا يصح، فلعله وهَّاهُ من جهة يحيى؛ فإنه قد ضُعِّف، وإنْ كان من رجال الصحيحين.اهـ التنقيح 1/28.
ويحيى بن أيوب هو الغافقي أبو العباس المصري؛ مختلف فيه: وثَّقه ابن معين، وإبراهيم الحربي، والبخاري، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان.
وقال أحمد: سيء الحفظ وقال أبو حاتم: ومحل يحيى الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أحمد بن صالح: كان يحيى بن أيوب من وجوه أهل البصرة، وربما خلَّ في حفظه. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن صالح: له أشياء يخالف فيها. و قال ابن سعد: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوى. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب. وقال السَّاجي: صدوق يهم، كان أحمد يقول: يحيى ابن أيوب يخطئ خطأ كثيرا. وقال الحاكم أبو أحمد: إذا حدث من حفظه يخطئ، وما حدث من كتاب فليس به بأس. وقال الإسماعيلي: لا يحتج به. وذكره العقيلي في "الضعفاء".وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ انظر: تهذيب التهذيب 4/342، 343؛ التقريب (7511).
وفي الجملة فجميع هذه الروايات لا تثبت بوجه من الوجوه؛ غلط رواتها في رفع ذكر الهرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصواب فيها الوقف على أبي هريرة رضي الله عنه، وقد نصَّ على هذا جماعة من الحفاظ، وهذه بعض أقاويلهم:
قال الإمام الدارقطني - بعد عرضه الاختلاف على ابن سيرين في ذكر الهرة -: والصحيح قول من وقفه عن أبي هريرة في الهر خاصة.اهـ العلل 8/117، 118.
وقال الحافظ البيهقي: وأما حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة:« إذا ولغ الهر غسل مرة »؛ فقد أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ولوغ الكلب، ووهموا فيه، الصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهر موقوف.اهـ معرفة السنن 2/70.
وقال الحافظ ابن الملقن: هذه اللفظة - وهي قوله:« ومن ولوغ الهرة مرة » - مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة، موقوفا عليه، ليست من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قاله البيهقي، وغيره من الحفاظ. البدر المنير 1/570.
وقال الحافظ ابن حجر: وقد أخرجه أبو داود وبين أنه في الهر مَوْقُوف.اهـ الدراية في تخريج أحاديث الهداية 1/62.
وقال الحافظ المناوي: هذا في الكلب مرفوع، وفي الهر موقوف، ورفعه غلط.اهـ التيسير بشرح الجامع الصغير 2/228.
وقال العلامة المباركفوري: هذه الجملة ليست من الحديث المرفوع؛ بل هي مدرجة.اهـ تحفة الأحوذي 1/221.
وممَّا يقوِّي نكارةَ رفْعِ هذه اللفظة أمران:
الأول: ما ذكره البيهقي من أنَّ مذهب أبي هريرة في الهر مختلف فيه؛ فقد روي عنه في طهارته قولان؛ كما روي عنه في غسل الإناء من سؤر الهر ثلاثة أقوال: غسله سبعا كالكلب، ومرة، ومرتين. ولو كانت عنده رواية صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يختلف قوله فيها. وهذا مسلك في التعليل شبيهٌ بمسلك الإمام أحمد وغيره من الحفاظ في تعليل الحديث إذا خالف مذهب راويه كما ذكر ذلك عنهم الحافظ ابن رجب.انظر: معرفة السنن 2/71؛ شرح العلل 2/888.
الثاني: ماحكاه ابن الملقن عن الإمام الشافعي أنَّ هذا الحديث متروك الظاهر بالاتفاق؛ لأنَّ ظاهره يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة، ولا يجب ذلك بالإجماع.اهـ البدر المنير 1/570.
ــــــــــــــــــ

[1] (http://www.ahlelhadith.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftnref1)وقد تعقبه الحافظ مغلطاي مشيرا إلى تناقضه قائلا: إذا كان الحديث قد صحَّ عندك وقْفُه فلأيِّ شيء حكمت بصحة رفعه مع وجود هذه العلّة عندك.اهـ شرح سنن ابن ماجه 1/201.

[2] (http://www.ahlelhadith.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftnref2) ترجمته في تاريخ بغداد 8/271؛ تاريخ دمشق 11/383؛ السير 14/285؛ سؤالات السهمي (281). قال الدارقطني: ليس به بأس. وقال الخطيب: كان ثقة.

سالم المهري
06-15-2009, 05:58 AM
لا فض فوك

وجزاك الله خيرا

وليد بن محمد الطاهيري
05-16-2010, 02:11 PM
بارك الله فيك