جمال البليدي
06-18-2009, 10:11 PM
الحجة البٌلَيْدِيَة في صد التحفة الأزهرية حول مصطح الحشوية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ ..... أما بعد:
فمن سنن الله الجارية في خلقه، أنه –تعالى- ما أرسل نبيًا إلا وعاداه قومه ونبذوه، وبالباطل لمزوه، مصداقًا لقوله: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا".
ولما أرسل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- للخلق ليدعوهم إلى عبادة الله وحده ويخرجهم من الظلمات إلى النور قال الكافرون: إنما يريد محمد أن يفرق شملنا ويشتت جمعنا، وقالوا عنه: إنه ساحر، وإنه كاهن، ووصفوه بكل قبيح؛ وهو -صلى الله عليه وسلم- فرق بين الحق والباطل، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
وهكذا أهل البدع والأهواء –في كل زمان ومكان- يطعنون في كل من يريد الإصلاح، وينبذونه بالألقاب السيئة، ويثيرون حوله الشبهات، ويحذرون منه كي ينفروا الناس ويبعدوهم عنه.
ومن جملة تلك التسميات المنفرة قولهم(حشوية-مشبهة-مجسمة-وهابية-باديسية) للتنفير عن أهل الحديث والطعن فيهم وانتقاصهم ,و(تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها,بل هي من جنس تسمية الأوثان((آلهة)) و((أربابا)),وتسمية ((مسيلمة الكذاب)) وأمثاله((أنبياء)) : ((إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى )) النجم23(2)
-وقد اطلعت على موضوع((التحفة الأزهرية إطلالة على مصطلح "حشوية")فوجدته تحفة نادرة في قلب الحقائق والهروب عن بيت القصيد وتعمية لأعين العوام والقراء ,وهذا ما سأبينه هاهنا بإذن الله تعالى كشف للتلبيس وقمعا للتدليس فأسأل الله أن يرزقنا العدل والإنصاف فيما نقول ونكتب.
وقبل أن أعقب على ما جاء في موضوع لا بد من مقدمة أساسية ألا وهي :
أن أهل السنة وسط بين فرق الإسلام مثلما الإسلام وسط بين مختلف الأديان لهذا فالذي يسير على نهج الإعتدال والوسطية دائما يناله من الأكاذيب والإلزمات الباطلة من كل الطوائف .
فأهل السنة مثلا وسط بين الخوارج الذي يكفرون بالكبيرة وبين المرجئة الذين لا يكفرون بالكفر الصريح ومن هنا نجد أن الخوارج يصفون أهل السنة بأنهم مرجئة وبالمقابل نجد المرجئة يصفون أهل السنة بأنهم خوارج.وعلى هذا قس باقي الطوائف المنحرفة فالمتشدد يعتبر المعتدل متساهل والمتساهل يعتبر المعتدل متشدد.
والرافضي يصف السني بالناصبي والناصبي يصف السني بالرافضي
والمشبه يصف السني بالمعطل والمعطل يصف السني بالمشبه وذلك لأن السني وسط بينهما .
والآن مع التعقيبات :
الوقفة الأولى :
افتتح الأزهري مقاله بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية التالي(((( والكتاب والسنة ليس فيهما ، لفظة ( ناصبة ) ولا ( مشبهة ) ولا ( حشوية ) بل ولا فيهما لفظ ( رافضي ) فنحن إذا قلنا ( رافضة ) نذكره للتعريف ، لدخول أنواع مذمومة بالنص فيه ، فيبقى علما على هؤلاء الجهلة الذين عدموا الصدق والتوفيق )) اهـ
ثم خرج بنتجة فقال :
فإذا علمت هذا بان لك أن كل هذه الألفاظ ليست في الكتاب ولا السنة فكيف جاز إطلاقها ؟؟
نعم لا مشاحة في الاصطلاح وهذا ما عناه ابن تيمية .
قلت :لا شك أنه لا مشاحاة في الإصطلاح لكن كذلك يجب أن نعلم أن الألفاظ قوالب المعاني فلا يمكن أن نخترع إسما لا علاقة له باللغة بحجة أنه لا مشاحاة في الإصطلاح فلا يمكن أن نسمي السني بالرافضي بحجة لا مشاحاة في الإصطلاح فالرافضي نسبة للرفض والسني نسبة للتمسك بالسنة(الألفاظ قوالب المعاني).
فما معنى لفظ(الحشو) لغة؟
الجواب : جاء في في اللسان[ج3/ 180] : والحشو من الكلام : الفضل الذي لايعتمد عليه ، وكذلك هو من الناس ، وحشوة الناس رذالتهم .. وفلان من حشوة بني فلان بالكسر : أي من رذالهم .
الوقفةالثانية :
بعدها حاول الأزهري أن يرد على القول بأن أول من قال بلفظ الحشوية هم المعتزلة بوجهين
فقال :
فالجواب من وجوه :
• أولا : كلمة ( الرافضة ) أول من أطلقها الزيدية أيضا وهم يرون الخروج أولا ، ثم هم على رأي واصل بن عطاء ثانيا ، فلو لم يجز إطلاق حشوية لأن أول من نطق بها المعتزلة وهم مبتدعة ، لما جاز إطلاق رافضة لأن أول من أطلقها الزيدية ، فالجواب على هذا هو جوابنا على ذاك .
قلت :وهذا كلام باطل لأن الرافضة ظهروا قبل زيدية أصلا
إنما الرافضة سموا بالرافضة لأنهم رفضوا زيد بن على بن الحسين لأنه كان يثني على أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فلما سمعوا منه ذلك رفضوه فقال لهم رفضتموني فانقسم الناس إلى من يرفضه فسموا رافضة وإلى من يغلو فيه فسموا زيدية. ظر الفرق بين الفرق ص 25 ، والملل والنحل 1 / 155 .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته القيمة ( الفرقان بين الحق والباطل ) ( ص26-27): ( وأما لفظ الرافضة، فهذا اللفظ أول ما ظهر في الاسلام لمّا خرج زيد بن عليّ بن الحسين في أوائل المئة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك واتبعه الشيعة، فسُئِل عن أبي بكر وعمر فتولاهما وترحم عليهما فرفضه القوم، فقال: رفضتموني، رفضتموني، فسُموا الرافضة، فالرافضة تتولى أخاه أبا جعفر محمد بن عليّ، والزيدية يتولونه وينسبون إليه، ومن حينئذ انتمت الشيعة الى زيدية، والرافضة إمامية ) إ.ه.
ثم قال الأزهري بعدها :
• ثانيا : القول بأن أول من أطلق حشوية هم المعتزلة ، مبناه على ما نقل من قول عمرو بن عبيد عن عبدالله بن عمر بأنه حشوي كما نقله ابن تيمية مقلدا لغيره وقد عبر في منهاج السنة2/520 بلفظ : (( وقد قيل : إن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن عبيد ... )) وقيل صيغة تمريض تفيد الضعف ، ولا يروى عن عمرو بن عبيد بإسناد صحيح . !!
قلت : يقوي كلام ابن تيمية ماذكره ابن العماد في ترجمة عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة((وكانت له جرأة فإنه قال عن ابن عمر : هو حشوي . قال : فانظر هذه الجرأة والافتراء عامله الله بعدله)) شذرات الذهب في أخبار من ذهب [ج1/221].
وقال ابن القيم رحمه الله في بيان أصل هذا اللفظ - الحشوية _
يا قوم إن كان الكتاب وسنة... المختار حشوا فاشهدوا ببيان
إنا بحمد إلهنا حشوية ... صرف بلا جحد ولا كتمان
تدرون من سمت شيوخكم بهذا ...الاسم في الماضي من الأزمان
سمي به ابن عبيد عبد الله ذا ... ك ابن الخليفة طارد الشيطان
فورثتم عمرا كما ورثوا ...لعبد الله أنى يستوى الارثان
تدرون من أولى بهذا الاسم ....وهو مناسب أحواله بوزان
من قد حشى الأوراق والأذهان ....من بدع تخالف موجب القرآن
هذا هو الحشوي لا أهل ....الحديث أئمة الاسلام والإيمان
وردوا عذاب مناهل السنن التي ...ليست زبالة هذه الأذهان
ووردتم القلوط مجرى كل ذي ...الأوساخ والاقذار والأنتان
وكسلتم أن تصعدوا للورد من ... رأس الشريعة خيبة الكسلان
شرح القصيدة (1|366)
والمتطلع لكتب المعتزلة يجدها مليئة بهذا المصطلح فقد جاء في كتاب شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي [ فقد ذهبت الحشوية والنوابت من الحنابلة إلى أن هذا القرآن المتلو في المحاريب ، والمكتوب في المصاحف غير مخلوق ولا محدث ..] وقال:[ .. ولسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف ] .
ثم قال الأزهري : ثالثا : لا نسلم بأن عمرو بن عبيد أول من أطلقها لما نقل من إطلاق أهل السنة إياها في مجلس الحسن البصري ، ففي شرح المنهاج للإمام الإسنوي 1/309 :
(( فائدة : اختلف في الحشوية ، فقيل بإسكان الشين ، لأن منهم المجسمة ، والجسم محشو ، والمشهور أنه بفتحها ، نسبةإلى الحشا ، لأنهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته فوجد كلامهم رديئا فقالردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة ، أي جانبها ، والجانب يسمى حشا ومنه الأحشاء لجوانبالبطن )) اهـ .
قلت :ولا يوجد هنا لفظا للحشوية ألبتة إنما فقط لفظ(حشا) وهذا موجود في اللغة وقد بينت معناه سابقا .
أما لفظ الحشوية فإنه يطلق على أهل السنة للتنفير عنهم :
قال أبو عبد الله : وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا كل من ينسب إلى نوع الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة ويسميها الحشوية .
معرفة علوم الحديث (35)
وجاء في طبقات الحنابلة (2|208) في وصف أهل الحديث
"وهي الفرقة الناجية والجماعة العادلة والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة فهم أصحاب الحديث والأثر والوالد السعيد تابعهم هم خلفاء الرسول وورثة علمه وسفرته بينه وبين أمته بهم يلحق التالي وإليهم يرجع العالي وهم الذين نبذهم أهل البدع والضلال وقائلو الزور والمحال أنهم مشبهة جهال ونسبوهم إلى الحشو والطغام .
ومن ذلك قول الوزير الصاحب إسماعيل بن عباد الطالقاني لما سئل عن البخاري قال : ومن البخاري ؟! حشوي لا يعول عليه .
سير أعلام النبلاء (16|512)
ثم بعد ذلك أخذ الأزهري يرجح من عنده إلى أن قال :
• وأما التوقف في النقلين بإسقاطهما ، ثم النظر في غيرهما ، فقد وجدنا نحن من أطلقها من أهل السنة من أئمة أهل الحديث ، فقد روى الحاكم في ( علوم الحديث ) ص137 في باب ( معرفة مذاهب المحدثين ) وقد ذكر الجـهـمـيـة والقدرية والشيعة والإرجاء .. ثم قال :
أخبرني أبو علي الحافظ قال أخبرني عليبن مسلم الإصبهاني قال حدثنا عقيل بن يحيى الإصبهاني قال سمعت أبا داود يقول : ((كان جرير بن حازم إذا قدم قال شعبة : قد جاءكم هذا الحشوي )) اهـ .
وهذا إسناد صحيح متصل ورجاله كلهم ثقات ، وقد روى هذا عبدالله بن أحمد في العلل والعقيلي في الضعفاء في ترجمة جرير ، وسنده كالشمس .
قلت : وهذا الذي ذكره جرير في شعبة هو من المدح وليس الذم فمن المعلوم أن جرير كان يثني كثيرا على شعبة ويقول عنه : أنه صاحب سنة وفضل وديانة .
جاء في العلل:
قال عبد الله بن أحمد:
)حدثني أحمد قال حدثنا أبو داود عن أبي عوانة قال كنا يوما عند الحكم فذكر حديثا ليس بمسند فقال ليس هذا من بابة شعبة قال فقال شعبة لا ينبغي أن تروي عن الشامي كثيرا (5802) حدثني أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو داود قال قال لي شعبة لا تلقى حتى ترجع مثل ورقاء (5803) قال
وسمعت شعبة يقول إذا قدم جرير بن حازم فوحشوا بي)
و أحمد هو أحمد بن إبراهيم الدورقي
فانظر إلى قول شبعة(فوحشوا بي) هذا يدل أن قول جرير عن شبعة كان من هذا المنطلق .
وهذا ثناء على جرير,ويدل على هذا ماجاء في تاريخ بغداد :
أخبرنا محمد بن احمد بن رزق أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي حدثنا الحسين بن فهم حدثنا يحيى بن معين عن أبي قطن قال كتب لي شعبة إلى أبي حنيفة يحدثني فأتيته فقال كيف أبو بسطام قلت بخير فقال نعم حشو المص هو ) .
وبالتالي لا حجة لك في هذا لأن هذا مدح وأنتم تقولونها على سبيل الذم والإنتقاص فتدبر.
الوقفة الثالثة :
قال الأزهري :
إذا تقرر هذا فالنظر فيمن تطلق عليه هذه الكلمة ، فقد تطلق بحق كما يطلقها أهل السنة على بعض جهلة أهل الحديث ، وقد تطلق بباطل كما يطلقها المعتزلة على جميع أهل السنة لا سيما الأشاعرة لفرط العداوة بينهم وبين المعتزلة ، يقول ابن تيمية في المجموع 4/ 23 :
(( فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول إنما يعيبهمبقلة المعرفة أو بقلة الفهم ، أما الأول فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة .. وأما الثاني فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة ، بل قد يقولون القولينالمتناقضين ... ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ... ثم إنهم بهذا المنقول الضعيفوالمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونم ، ففيبعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا ، وقد يكونمنكرا من القول وزورا ، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات ،فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ، وقد رأيت من هذا العجائب ... )) اهـ كلام ابن تيمية .
فإذا تقرر هذا علمت أن إطلاق هذا اللقب على من يستحقه لا غضاضة فيه كما لا غضاضة في إطلاق لفظ الرافضة على من طعن في الصحب الكرام ..وقد جرى على هذا أئمة الزمان في كل آن..
قلت :
القول بأن هذه اللفظة قد تطلق بحق يحتاج إلى تفصيل لأن كل فرقة تدعي أنها تقولها بحق.
فما هو القول بحق؟؟؟
بلا شك يقصد اتهام أهل الحديث بالحشو وهذا ظاهر كلامه خاصة بعد أن بتر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ليوافق ما يهواه
فكلام ابن تيمية بين في التأصيل والتفصيل فقد قال بعدها مباشرة((. لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ولا ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.)) نفس المصدر الذي أحال إليه الأزهري.
والسؤال الذي يطرح هنا هو : من هؤلاء الذين وصفوا أهل الحديث بالحشوية ؟؟
الجواب :هم أهل الكلام وهذا ما بينه ابن تيمية لكن الأزهري بتر كلامه وهذا كلام ابن تيمية كاملا ((وأئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال. وهذا باب واسع كما قدمناه. وجميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من الأخرى وأقرب إلى الحق فنجد كلام أهل النحل فيهم وحالهم معهم بمنزلة كلام أهل الملل مع المسلمين وحالهم معهم. وإذا قابلنا بين الطائفتين - أهل الحديث وأهل الكلام - فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول: إنما يعيبهم بقلة المعرفة؛ أو بقلة الفهم. أما الأول: فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة؛ أو بآثار لا تصلح للاحتجاج. وأما الثاني: فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة بل قد يقولون القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك. والأمر راجع إلى شيئين: - إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة كالأحاديث الموضوعة وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها إذ كان اتباع الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث. وثانيا إلى فهم معناه كاتباع القرآن. فالخلل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين. ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم بهذا. ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول والفروع وبآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه وربما تأولوه على غير تأويله؛ ووضعوه على غير موضعه. ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونهم ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا وقد يكون منكرا من القول وزورا وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم وقد رأيت من هذا عجائب. لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ولا ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.)).
فتبين من خلال هذا أن الذين يطلقون لفظة الحشوية على أهل الحديث والسنة هم أهل الكلام لا أهل السنة .
وقد عقد شيخ الإسلام ابن تيمية فصلا في بيان من هم أحق بلفظ الحشو فقال :
فصل في كون أهل الحديث أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل
وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو. فنبين ذلك بالقياس المعقول؛ من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول كما قال الله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [1]؛ فأخبر: أنه سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق. ثم قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [2] أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك. فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم. فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى؛ مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ذلك. وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها: فهم أكمل الناس عقلا؛ وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم سمعا ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا. وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل))انتهى.
فالذي يستحقه هم أهل الكلام لا أهل الحديث الذي يشهد لهم القاصي والداني بسلامة المنهج وصحة المعتقد.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ ..... أما بعد:
فمن سنن الله الجارية في خلقه، أنه –تعالى- ما أرسل نبيًا إلا وعاداه قومه ونبذوه، وبالباطل لمزوه، مصداقًا لقوله: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا".
ولما أرسل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- للخلق ليدعوهم إلى عبادة الله وحده ويخرجهم من الظلمات إلى النور قال الكافرون: إنما يريد محمد أن يفرق شملنا ويشتت جمعنا، وقالوا عنه: إنه ساحر، وإنه كاهن، ووصفوه بكل قبيح؛ وهو -صلى الله عليه وسلم- فرق بين الحق والباطل، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
وهكذا أهل البدع والأهواء –في كل زمان ومكان- يطعنون في كل من يريد الإصلاح، وينبذونه بالألقاب السيئة، ويثيرون حوله الشبهات، ويحذرون منه كي ينفروا الناس ويبعدوهم عنه.
ومن جملة تلك التسميات المنفرة قولهم(حشوية-مشبهة-مجسمة-وهابية-باديسية) للتنفير عن أهل الحديث والطعن فيهم وانتقاصهم ,و(تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها,بل هي من جنس تسمية الأوثان((آلهة)) و((أربابا)),وتسمية ((مسيلمة الكذاب)) وأمثاله((أنبياء)) : ((إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى )) النجم23(2)
-وقد اطلعت على موضوع((التحفة الأزهرية إطلالة على مصطلح "حشوية")فوجدته تحفة نادرة في قلب الحقائق والهروب عن بيت القصيد وتعمية لأعين العوام والقراء ,وهذا ما سأبينه هاهنا بإذن الله تعالى كشف للتلبيس وقمعا للتدليس فأسأل الله أن يرزقنا العدل والإنصاف فيما نقول ونكتب.
وقبل أن أعقب على ما جاء في موضوع لا بد من مقدمة أساسية ألا وهي :
أن أهل السنة وسط بين فرق الإسلام مثلما الإسلام وسط بين مختلف الأديان لهذا فالذي يسير على نهج الإعتدال والوسطية دائما يناله من الأكاذيب والإلزمات الباطلة من كل الطوائف .
فأهل السنة مثلا وسط بين الخوارج الذي يكفرون بالكبيرة وبين المرجئة الذين لا يكفرون بالكفر الصريح ومن هنا نجد أن الخوارج يصفون أهل السنة بأنهم مرجئة وبالمقابل نجد المرجئة يصفون أهل السنة بأنهم خوارج.وعلى هذا قس باقي الطوائف المنحرفة فالمتشدد يعتبر المعتدل متساهل والمتساهل يعتبر المعتدل متشدد.
والرافضي يصف السني بالناصبي والناصبي يصف السني بالرافضي
والمشبه يصف السني بالمعطل والمعطل يصف السني بالمشبه وذلك لأن السني وسط بينهما .
والآن مع التعقيبات :
الوقفة الأولى :
افتتح الأزهري مقاله بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية التالي(((( والكتاب والسنة ليس فيهما ، لفظة ( ناصبة ) ولا ( مشبهة ) ولا ( حشوية ) بل ولا فيهما لفظ ( رافضي ) فنحن إذا قلنا ( رافضة ) نذكره للتعريف ، لدخول أنواع مذمومة بالنص فيه ، فيبقى علما على هؤلاء الجهلة الذين عدموا الصدق والتوفيق )) اهـ
ثم خرج بنتجة فقال :
فإذا علمت هذا بان لك أن كل هذه الألفاظ ليست في الكتاب ولا السنة فكيف جاز إطلاقها ؟؟
نعم لا مشاحة في الاصطلاح وهذا ما عناه ابن تيمية .
قلت :لا شك أنه لا مشاحاة في الإصطلاح لكن كذلك يجب أن نعلم أن الألفاظ قوالب المعاني فلا يمكن أن نخترع إسما لا علاقة له باللغة بحجة أنه لا مشاحاة في الإصطلاح فلا يمكن أن نسمي السني بالرافضي بحجة لا مشاحاة في الإصطلاح فالرافضي نسبة للرفض والسني نسبة للتمسك بالسنة(الألفاظ قوالب المعاني).
فما معنى لفظ(الحشو) لغة؟
الجواب : جاء في في اللسان[ج3/ 180] : والحشو من الكلام : الفضل الذي لايعتمد عليه ، وكذلك هو من الناس ، وحشوة الناس رذالتهم .. وفلان من حشوة بني فلان بالكسر : أي من رذالهم .
الوقفةالثانية :
بعدها حاول الأزهري أن يرد على القول بأن أول من قال بلفظ الحشوية هم المعتزلة بوجهين
فقال :
فالجواب من وجوه :
• أولا : كلمة ( الرافضة ) أول من أطلقها الزيدية أيضا وهم يرون الخروج أولا ، ثم هم على رأي واصل بن عطاء ثانيا ، فلو لم يجز إطلاق حشوية لأن أول من نطق بها المعتزلة وهم مبتدعة ، لما جاز إطلاق رافضة لأن أول من أطلقها الزيدية ، فالجواب على هذا هو جوابنا على ذاك .
قلت :وهذا كلام باطل لأن الرافضة ظهروا قبل زيدية أصلا
إنما الرافضة سموا بالرافضة لأنهم رفضوا زيد بن على بن الحسين لأنه كان يثني على أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فلما سمعوا منه ذلك رفضوه فقال لهم رفضتموني فانقسم الناس إلى من يرفضه فسموا رافضة وإلى من يغلو فيه فسموا زيدية. ظر الفرق بين الفرق ص 25 ، والملل والنحل 1 / 155 .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته القيمة ( الفرقان بين الحق والباطل ) ( ص26-27): ( وأما لفظ الرافضة، فهذا اللفظ أول ما ظهر في الاسلام لمّا خرج زيد بن عليّ بن الحسين في أوائل المئة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك واتبعه الشيعة، فسُئِل عن أبي بكر وعمر فتولاهما وترحم عليهما فرفضه القوم، فقال: رفضتموني، رفضتموني، فسُموا الرافضة، فالرافضة تتولى أخاه أبا جعفر محمد بن عليّ، والزيدية يتولونه وينسبون إليه، ومن حينئذ انتمت الشيعة الى زيدية، والرافضة إمامية ) إ.ه.
ثم قال الأزهري بعدها :
• ثانيا : القول بأن أول من أطلق حشوية هم المعتزلة ، مبناه على ما نقل من قول عمرو بن عبيد عن عبدالله بن عمر بأنه حشوي كما نقله ابن تيمية مقلدا لغيره وقد عبر في منهاج السنة2/520 بلفظ : (( وقد قيل : إن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن عبيد ... )) وقيل صيغة تمريض تفيد الضعف ، ولا يروى عن عمرو بن عبيد بإسناد صحيح . !!
قلت : يقوي كلام ابن تيمية ماذكره ابن العماد في ترجمة عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة((وكانت له جرأة فإنه قال عن ابن عمر : هو حشوي . قال : فانظر هذه الجرأة والافتراء عامله الله بعدله)) شذرات الذهب في أخبار من ذهب [ج1/221].
وقال ابن القيم رحمه الله في بيان أصل هذا اللفظ - الحشوية _
يا قوم إن كان الكتاب وسنة... المختار حشوا فاشهدوا ببيان
إنا بحمد إلهنا حشوية ... صرف بلا جحد ولا كتمان
تدرون من سمت شيوخكم بهذا ...الاسم في الماضي من الأزمان
سمي به ابن عبيد عبد الله ذا ... ك ابن الخليفة طارد الشيطان
فورثتم عمرا كما ورثوا ...لعبد الله أنى يستوى الارثان
تدرون من أولى بهذا الاسم ....وهو مناسب أحواله بوزان
من قد حشى الأوراق والأذهان ....من بدع تخالف موجب القرآن
هذا هو الحشوي لا أهل ....الحديث أئمة الاسلام والإيمان
وردوا عذاب مناهل السنن التي ...ليست زبالة هذه الأذهان
ووردتم القلوط مجرى كل ذي ...الأوساخ والاقذار والأنتان
وكسلتم أن تصعدوا للورد من ... رأس الشريعة خيبة الكسلان
شرح القصيدة (1|366)
والمتطلع لكتب المعتزلة يجدها مليئة بهذا المصطلح فقد جاء في كتاب شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي [ فقد ذهبت الحشوية والنوابت من الحنابلة إلى أن هذا القرآن المتلو في المحاريب ، والمكتوب في المصاحف غير مخلوق ولا محدث ..] وقال:[ .. ولسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف ] .
ثم قال الأزهري : ثالثا : لا نسلم بأن عمرو بن عبيد أول من أطلقها لما نقل من إطلاق أهل السنة إياها في مجلس الحسن البصري ، ففي شرح المنهاج للإمام الإسنوي 1/309 :
(( فائدة : اختلف في الحشوية ، فقيل بإسكان الشين ، لأن منهم المجسمة ، والجسم محشو ، والمشهور أنه بفتحها ، نسبةإلى الحشا ، لأنهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في حلقته فوجد كلامهم رديئا فقالردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة ، أي جانبها ، والجانب يسمى حشا ومنه الأحشاء لجوانبالبطن )) اهـ .
قلت :ولا يوجد هنا لفظا للحشوية ألبتة إنما فقط لفظ(حشا) وهذا موجود في اللغة وقد بينت معناه سابقا .
أما لفظ الحشوية فإنه يطلق على أهل السنة للتنفير عنهم :
قال أبو عبد الله : وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا كل من ينسب إلى نوع الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة ويسميها الحشوية .
معرفة علوم الحديث (35)
وجاء في طبقات الحنابلة (2|208) في وصف أهل الحديث
"وهي الفرقة الناجية والجماعة العادلة والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة فهم أصحاب الحديث والأثر والوالد السعيد تابعهم هم خلفاء الرسول وورثة علمه وسفرته بينه وبين أمته بهم يلحق التالي وإليهم يرجع العالي وهم الذين نبذهم أهل البدع والضلال وقائلو الزور والمحال أنهم مشبهة جهال ونسبوهم إلى الحشو والطغام .
ومن ذلك قول الوزير الصاحب إسماعيل بن عباد الطالقاني لما سئل عن البخاري قال : ومن البخاري ؟! حشوي لا يعول عليه .
سير أعلام النبلاء (16|512)
ثم بعد ذلك أخذ الأزهري يرجح من عنده إلى أن قال :
• وأما التوقف في النقلين بإسقاطهما ، ثم النظر في غيرهما ، فقد وجدنا نحن من أطلقها من أهل السنة من أئمة أهل الحديث ، فقد روى الحاكم في ( علوم الحديث ) ص137 في باب ( معرفة مذاهب المحدثين ) وقد ذكر الجـهـمـيـة والقدرية والشيعة والإرجاء .. ثم قال :
أخبرني أبو علي الحافظ قال أخبرني عليبن مسلم الإصبهاني قال حدثنا عقيل بن يحيى الإصبهاني قال سمعت أبا داود يقول : ((كان جرير بن حازم إذا قدم قال شعبة : قد جاءكم هذا الحشوي )) اهـ .
وهذا إسناد صحيح متصل ورجاله كلهم ثقات ، وقد روى هذا عبدالله بن أحمد في العلل والعقيلي في الضعفاء في ترجمة جرير ، وسنده كالشمس .
قلت : وهذا الذي ذكره جرير في شعبة هو من المدح وليس الذم فمن المعلوم أن جرير كان يثني كثيرا على شعبة ويقول عنه : أنه صاحب سنة وفضل وديانة .
جاء في العلل:
قال عبد الله بن أحمد:
)حدثني أحمد قال حدثنا أبو داود عن أبي عوانة قال كنا يوما عند الحكم فذكر حديثا ليس بمسند فقال ليس هذا من بابة شعبة قال فقال شعبة لا ينبغي أن تروي عن الشامي كثيرا (5802) حدثني أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو داود قال قال لي شعبة لا تلقى حتى ترجع مثل ورقاء (5803) قال
وسمعت شعبة يقول إذا قدم جرير بن حازم فوحشوا بي)
و أحمد هو أحمد بن إبراهيم الدورقي
فانظر إلى قول شبعة(فوحشوا بي) هذا يدل أن قول جرير عن شبعة كان من هذا المنطلق .
وهذا ثناء على جرير,ويدل على هذا ماجاء في تاريخ بغداد :
أخبرنا محمد بن احمد بن رزق أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي حدثنا الحسين بن فهم حدثنا يحيى بن معين عن أبي قطن قال كتب لي شعبة إلى أبي حنيفة يحدثني فأتيته فقال كيف أبو بسطام قلت بخير فقال نعم حشو المص هو ) .
وبالتالي لا حجة لك في هذا لأن هذا مدح وأنتم تقولونها على سبيل الذم والإنتقاص فتدبر.
الوقفة الثالثة :
قال الأزهري :
إذا تقرر هذا فالنظر فيمن تطلق عليه هذه الكلمة ، فقد تطلق بحق كما يطلقها أهل السنة على بعض جهلة أهل الحديث ، وقد تطلق بباطل كما يطلقها المعتزلة على جميع أهل السنة لا سيما الأشاعرة لفرط العداوة بينهم وبين المعتزلة ، يقول ابن تيمية في المجموع 4/ 23 :
(( فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول إنما يعيبهمبقلة المعرفة أو بقلة الفهم ، أما الأول فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة .. وأما الثاني فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة ، بل قد يقولون القولينالمتناقضين ... ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ... ثم إنهم بهذا المنقول الضعيفوالمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونم ، ففيبعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا ، وقد يكونمنكرا من القول وزورا ، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات ،فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ، وقد رأيت من هذا العجائب ... )) اهـ كلام ابن تيمية .
فإذا تقرر هذا علمت أن إطلاق هذا اللقب على من يستحقه لا غضاضة فيه كما لا غضاضة في إطلاق لفظ الرافضة على من طعن في الصحب الكرام ..وقد جرى على هذا أئمة الزمان في كل آن..
قلت :
القول بأن هذه اللفظة قد تطلق بحق يحتاج إلى تفصيل لأن كل فرقة تدعي أنها تقولها بحق.
فما هو القول بحق؟؟؟
بلا شك يقصد اتهام أهل الحديث بالحشو وهذا ظاهر كلامه خاصة بعد أن بتر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ليوافق ما يهواه
فكلام ابن تيمية بين في التأصيل والتفصيل فقد قال بعدها مباشرة((. لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ولا ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.)) نفس المصدر الذي أحال إليه الأزهري.
والسؤال الذي يطرح هنا هو : من هؤلاء الذين وصفوا أهل الحديث بالحشوية ؟؟
الجواب :هم أهل الكلام وهذا ما بينه ابن تيمية لكن الأزهري بتر كلامه وهذا كلام ابن تيمية كاملا ((وأئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال. وهذا باب واسع كما قدمناه. وجميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من الأخرى وأقرب إلى الحق فنجد كلام أهل النحل فيهم وحالهم معهم بمنزلة كلام أهل الملل مع المسلمين وحالهم معهم. وإذا قابلنا بين الطائفتين - أهل الحديث وأهل الكلام - فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول: إنما يعيبهم بقلة المعرفة؛ أو بقلة الفهم. أما الأول: فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة؛ أو بآثار لا تصلح للاحتجاج. وأما الثاني: فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة بل قد يقولون القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك. والأمر راجع إلى شيئين: - إما زيادة أقوال غير مفيدة يظن أنها مفيدة كالأحاديث الموضوعة وإما أقوال مفيدة لكنهم لا يفهمونها إذ كان اتباع الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث. وثانيا إلى فهم معناه كاتباع القرآن. فالخلل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين. ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم بهذا. ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول والفروع وبآثار مفتعلة وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه وربما تأولوه على غير تأويله؛ ووضعوه على غير موضعه. ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف قد يكفرون ويضللون ويبدعون أقواما من أعيان الأمة ويجهلونهم ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون بعضه خطأ مغفورا وقد يكون منكرا من القول وزورا وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم وقد رأيت من هذا عجائب. لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ولا ريب أن في كثير من المسلمين من الظلم والجهل والبدع والفجور ما لا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.)).
فتبين من خلال هذا أن الذين يطلقون لفظة الحشوية على أهل الحديث والسنة هم أهل الكلام لا أهل السنة .
وقد عقد شيخ الإسلام ابن تيمية فصلا في بيان من هم أحق بلفظ الحشو فقال :
فصل في كون أهل الحديث أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل
وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو. فنبين ذلك بالقياس المعقول؛ من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول كما قال الله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [1]؛ فأخبر: أنه سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق. ثم قال: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [2] أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك. فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم. فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى؛ مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجد والذوق ونحو ذلك. وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها: فهم أكمل الناس عقلا؛ وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم سمعا ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا. وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل))انتهى.
فالذي يستحقه هم أهل الكلام لا أهل الحديث الذي يشهد لهم القاصي والداني بسلامة المنهج وصحة المعتقد.