العودة   منتديات أهل الحديث السلفية > منتدى علمي > منبر جامع الكتب و الصوتيات > خاص بالأشرطة المفرغة
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-05-2011, 10:34 PM
محمد بن سلة
زا ئر
 
المشاركات: n/a
افتراضي إتحاف البشر بمنزلة ولي الأمر في ضوء الكتاب(مادة مفرغة) للشيخ عبيد الجابري حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعـــد:


فيسرنا أن نعود إليكم من جديد بعد توقف دام شهر ونصف، ويسرنا كذلك أن يكون معنا الليلة وعبر الهاتف ومن مدينة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فضيلة الشيخ الوالد(عبيد بن عبد الله الجابري-حفظه الله ورعاه-)، في محاضرة بعنوان: (إتحاف البشر بمنزلة ولي الأمر في ضوء الكتاب وصحيح الخبر)، وذلك ضمن اللقاءات السلفية القطرية، وفي ليلة الثلاثاء السادس والعشرين من شهر ربيع الأول لعام اثنين وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النبي-صلى الله عليه وسلم-، والتي تبث إليكم وعلى الهواء مباشرة من دولة قطر-حرسها الله-، وعبر شبكتنا الحبيبة-شبكة سحاب السلفية، فمرحبًا بالإخوة والأخوات الذين يستمعون إلينا.

ونشكر للجميع حضورهم وتفاعلهم، ونتوجه بالشكر الجزيل بعد شكر الله-عز وجل-لفضيلة شيخنا الشيخ عبيد الجابري، فهو لا يدخر وسعًا في المشاركة في هذه اللقاءات السلفية المباركة مع كثرة مشاغله، فنسأل الله عز وجل أن يكتب له الأجر والمثوبة، وأن يبارك في علمه وعمله، وأن يجعله ذخرًا للإسلام والمسلمين، فليتفضل الشيخ مشكورًا مأجورًا.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
(آل عمران/102)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(النساء/1).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(70)يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71))(الأحزاب).


أما بعـــد:


فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد-صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات
: أحدثكم هذه الليلة بما رأيتم وسمعتم من عنوان الكلمة، من خلال اللقاءات السلفية في قطر-حرسها الله-وسائر بلاد المسلمين، وجمع الخواص والعوام من المسلمين على ما رضيه للعباد والبلاد من الإسلام والسنة، والتي تبث عبر شبكة سحاب السلفية.

ولست قاصدًا الحديث إلى قطر معين، أو شعب معين، أو دولة معينة، بل حديثي موجه إلى كل صاحب سنة تشربت بها عروقه، وخالطت بشاشتها قلبه، فرضيها قولًا واعتقادًا وعملًا، وأبغض ما سواها وإن زخرف بالقول وحبكت له العبارات وأسست له القواعد والتأصيلات؟.

فإذا تقرر هذا فقد نظمت هذه المحاضرة على المسائل الآتية
:
المسألة الأولى
: في سبب اختياري الحديث في هذا الموضوع.

والمسألة الثانية
: في الأدلــة من آي التنزيــل الكريم.

والمسألة الثالثة
: فيما دل له من صحيح الخبر المنقول عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.

المسألة الرابعة
: التنبيه إلى أمر مهم لا يكاد ينفك عنه قطر من أقطار دولنا العربية الإسلامية.

فأقول وبالله التوفيق: سبب اختيارنا الحديث على وفق ما سمعتم من عنوانه يتضمن
:

أولًا
: جهل كثير من الناس بالتحاكم إلى سنة محمد-صلى الله عليه وسلم-، فلا يعرفها حق المعرفة إلا قلة من الناس.

وثانيًا
: كثير ممن ينتسب إلى علم الشرع سعى جاهدًا في جعل العقل متبوعًا للنصوص، ولم يجعل النصوص هي المتبوعة، والنتيجة التي روجوها على أتباعهم وأصحابهم ومحبيهم(أن الحكم للعقل)، فما استساغته عقولهم وأقرته استساغوه وأقروه ونافحوا عنه بالقوة، وحتى لو أدى الأمر إلى إنكار النصوص أو تأويلها، وهذا هو محض القياس الفاسد المصادم للكتاب والسنة وإجماع الأئمة.

وأول عبد سلك هذا المسلك وعصى أمر الله-سبحانه وتعالى-محتجًا بالقياس الفاسد هو: (إبليس)-عليه لعنة الله-.

الأمر الثالث
:وهو شبيه بالثاني القصد إلى الرأي المحض، فكثير من هؤلاء وإن انتسبوا إلى علم الشرع، وقد يحفظون كمًا كبيرًا من أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم-مع حفظهم القرآن وعلمهم بالسيرة إلا أنهم يغلبون الرأي، وأعني به: الرأي المجرد المحض العاري عن السنة، وهذا المسلك هو الذي تتابع الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة العلم والدين على ذمه ومقته.

قال أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين-رضي الله عنهم أجمعين-: (إياكم وأهل الرأي أعداء السنن أعيتهم أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا).

وقال الشعبي عامر بن شراحيل-رحمه الله-: (إياكم والمقايسة، فو الذي نفسي بيده لئن أخذتم بالقياس لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، فما بلغكم عمن حفظ من أصحاب محمد-صلى الله عليه وسلم-فخذوه)أو قال: (فخذوا به).

ومن أراد الاستزادة في ذم هذا الرأي ومقته فليراجع على سبيل المثال: من دواوين الإسلام والتي نقل مصنفوها وهم أئمة علم وإيمان أصول الدين وفروعه بالدليل كتابًا وسنة وإجماعًا.

أقول على سبيل المثال
: يراجع(الإبانة الكبرى)لابن بطة، و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة)للالكائي وغيرهما.

الأمر الرابع
: قوله-تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ...)(آل عمران/187)الآية.

قال أئمتنا
: (فكل ما ذمَّ الله عليه أهل الكتب هو ذمٌّ لنا إن سلكنا مسلكهميعني: في كتمان العلم، وينضم إلى هذه الآية قوله-صلى الله عليه وسلم-: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟، قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)[1].

فإذا تقرر هذا فنقول وبالله التوفيق شارعين فيما قصدناه من الحديث معكم، بالكلام على ما قدمناه من المسائل مسألة مسألَة
:

المسألة الأولى
: في آي التنزيل الكريم.

ليعلم كل مسلم ومسلمة أن هذه المسألة دليلها الصريح
:

أولًا
: آية النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)(النساء/59)، ما معنى هذه الآية؟.

كل لبيب كيس فطن يدرك أن الله-سبحانه وتعالى-خاطب أهل الإيمان وخصهم بهذا الخطاب لأنهم هم أهل الانتفاع بخطاب الله-سبحانه وتعالى-أمرًا ونهيًا وخبرًا، فضمنها-جل وعلا-:

أولًا
: الأمر بطاعته وطاعة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، وذلكم بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار، سواءًا كانت تلكم كتابًا أو سنة، وقرن-سبحانه وتعالى-طاعة رسوله-صلى الله عليه وسلم-في الأمر بطاعته.

وفي ذلكم سرّ لطيف وهو
: أن النبي-صلى الله عليه وسلم-لا يستقل بالتشريع بنفسه، يعني: أنه لا يأمر وينهى إلا بأمر الله ونهيه، وكذلك إخباره.

قال-تعالى-: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(النجم/3-4).

وقال-تعالى-: (...وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...) (الحشر/7).

وقال-تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)(الأحزاب/21).

إلى غير ذلكم من الآيات في معنى هذه الآيات الثلاث، والحكيم الرشيد الناصح لنفسه الحازم في أمره، يظهر من ضميمة هذه الآيات إلى قوله: (...أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ...) فوائد:

إحداها
: تشريف النبي-صلى الله عليه وسلم-، وأن الله اصطفاه مبلغًا عنه شرعه، فيجب على المسلمين قبول هذا البلاغ سواءًا كتابًا أو سنة صحيحة.

وثانيًا: أن الله-سبحانه وتعالى-قد سد كل طريق يزعم الناس أنها توصل إليه، وتقرب منه، وينال صاحبها الزلفى عند الله-عز وجل-سوى طريق واحدة ألا وهي طريق محمد-صلى الله عليه وسلم.

ومما يؤكد هذا قوله-جل وعلا-:
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(آل عمران/31)، فهذه الآية حجة على صدق دعوى محبة الله أو كذبها، فمن ادعى محبة الله فإن كان على شرع محمد-صلى الله عليه وسلم-فهو صادق، وإن كان على غير شرع محمد-صلى الله عليه وسلم-فهو كاذب.

والحاصل
: أنه بقدر ما يفوت المرء على نفسه من متابعة محمد-صلى الله عليه وسلم-فإنه يفوته من محبة الله بقدر ذلك.

وتأملوا قوله
: (...وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...)، تجدوا أن الله-سبحانه وتعالى-كرر الأمر(...أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ...)لما قدمنا، ولم يكرره هنا فعطف بدون أطيعوا، لأن ولي الأمر قد يأمر بغير طاعة الله-سبحانه وتعالى-.

والسؤال
: من هم ولاة الأمر في الأمة؟.

الجواب
: هم الأمراء، والحكام أعني: قضاة الشرع، والمفتون والعلماء الذين هم علماء الملة المحمدية.

ثانيًا
: مما تضمنته الآية: أمر العباد أمرًا عامًّا برد ما تنازعوا فيه واختلفوا فيه سواءًا كان من أصول الدين أو فروعه، وسواءًا كان الحاكم أو المحكوم إلى الله وإلى رسوله-صلى الله عليه وسلم-(...فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ...).

قال أهل العلم
:
الرد إلى الله
: هو الرد إلى كتابه وهو: (القرآن)الذي علم من دين الله بالضرورة أنه(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ...)(فصلت/42)، وكُلَّه حق وصدق وهدى، لا يسوغ لمسلم الميل عنه إلى غيره.

والرد إلى الرسول-صلى الله عليه وسلم-
: هو الرد إلى شخصه في حياته، والرد إلى سنته بعد مماته، لأنه بوفاته-صلى الله عليه وسلم-انقطع الوحي، وسنته محفوظة لدى أهل العلم والإيمان والدين، بدءًا من الصحابة-رضي الله عنهم أجمعين-إلى هذه الساعة وإلى ما بعد.

وختم الآية-سبحانه-بشيئين
:
الأول
: أن هذا الرد حال الاختلاف في أمر من أمور الدين إلى الله وإلى الرسول هو شرط في الإيمان، (...إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ...).

والمعنى: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإيمان إذ تردوا نزاعكم وخلافكم إلى الله وإلى رسوله.

والثاني
: (...ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، تأويلًا: أي عاقبة، والمعنى: ذلك الرد إلى الله وإلى الرسول هو أحسن عاقبة، (...خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، خير للعباد في العاجل والآجل.

ومفهوم ذلك
: أن رد التنازع إلى غير الله ورسوله عاقبته سيئة.

وثمة آية أخرى توجب هذا المسلك وهذا الطريق الذي هو
: الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر، غلى آخر ما تضمنته الآية هذه آية أخرى هي من سورة الأحزاب، أعني قوله-تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ....)(36/الآية)، فكل عاقل لبيب ناصح لنفسه ولغيره يدرك تمام الإدراك أن الله-سبحانه وتعالى-ضمن هذه الآية وجوب انقياد المسلمين إلى ما قضاه أو قضاه رسوله-صلى الله عليه وسلم-، وأنه لا خيار لهم.

ويؤكد هذا
: الإشارة إلى أن عدم هذا المسلك معصية(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا).

ويؤكد هذا
: قوله-جل وعلا-من سورة النور: (...فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(النور/63).

قال الإمام أحمد-رحمه الله-: (أتدري ما الفتنة؟، الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض أمره أن يصيبه شيء من الزيغ فيهلك).

المسألة الثانية
: وهي السنة الثابتة المتواترة عن النبي-صلى الله عليه وسلم-، فمنها ما هو في الصحيحين، وقد تقرر عند أهل العلم بعد عهد الإمام مالك-رحمه الله-، والإمام الشافعي-رحمه الله-أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله، ومنها ما هو خارج الصحيحين.

وقبل أن أورد بعضها مختارًا له تخفيفًا عليكم معاشر المسلمين والمسلمات أذكر بعض من روى هذه السنة الصحيحة، وحتى تعلموا علم اليقين أنها متواترة.

روى هذه السنة الصحيحة الجم الغفير من الصحابة-رضي الله عنهم-، ومنهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وأم الحصين الأحمسية، واثنتان من أمهات المؤمنين، إحداهما: الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، وأم سلمة-رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين-، وحشرنا وإياكم وإياهم تحت لواء محمد-صلى الله عليه وسلم-غير خزايا ولا محرومين.

وهاكم أحاديث مختارة
:
الحديث الأول
: حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني).

الحديث الثاني
: هو حديث عبادة بن الصامت ممن شهد بدرًا وبيعة العقبة الثانية وكان أحد النقباء فيها، قال: (دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِى مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: (إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ).

الحديث الثالث
: حديث عوف بن مالك: عَنْ النبي-صلى الله عليه وسلم- قَالَ : (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ)يعني: تدعون لهم ويدعون لكم(وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟، فَقَالَ: لاَ مَا صَلْوا وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاَتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلاَ تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)، وهذا الحديث الأخير في صحيح مسلم.

ما الذي تفيده هذه الأحاديث؟.

وما هــو في معنـاهــا؟.

إن المتجرد للسنة بعيدًا عن الهوى ومجارات العوام من الهمج الرعاع، يدرك فوائد:

إحداها
: وجوب السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمكره والمنشط إلا أن يرى معصية، كما في حديث عوف بن مالك، وحديث ابن عمر: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)، وفي حال الأثرة إذا استأثر السلطان له أو مقربين من خواص الناس وعوامهم.

وهذا ما ذكره في حديث عبادة-رضي الله عنه-(وأثرة عليناوالمعنى: إذا استأثر ولاة الأمر فلم ينصفونا ولم يوفونا حقنا، فإذا انضاف إليها حديث ابن مسعود-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم-: (إنكم سترون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قيل: كيف تأمر من أدرك منا ذلك يا رسول الله؟، قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الحق الذي لكم)، فتحصل وجوب الصبر على جور الجائر وظلم الظالم وعسف العاسف، مع وجوب الطاعة له مقيدة بعدم المعصية، في غير معصية الله.

وهاهنا أمران
:
الأمر الأول
: أن أئمة الإسلام من الصحابة ومن بعدهم استعملوا هذه الأحاديث وما في معناها، وجعلوها مسلكًا يسلكونه مع ولي الأمر، ولا ينازعونه ويصبرون على أذاه، كما أنهم يؤدون ما عليهم من حقوق لولي الأمر فإذا ظلمهم وبخسهم سألوا الله الحق الذي لهم.

والأمر الثاني
: أن هذه السنة مندرجة تحت الآيتين السابقتين آية النساء وآية الأحزاب، فما تضمنته هذه الأحاديث وما في معناها هو مما قضى الله به ورسوله، فلا يجوز رده وجعل غيره بديلًا منه، ألم تسمعوا إليه-جل وعلا-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)(الأحزاب/36).

ولهذا قال أئمة الإسلام
: إن ولي الأمر لا يجوز الخروج عليه، وذكروا خصائصه ومنها: إقامة الجمعة والجماعة، وقسم الغنيمة والفيء والغزو، وهذا تفصيله في موضع آخر إن شاء الله تعالى، وقالوا قسمة الصدقات إليهم جائزة.

وثمة أمر ثالث وهو
: أن ما يصدر عن ولي الأمر له أحوال ثلاث:

أحدها
: أن يكون طاعة لله ورسوله-صلى الله عليه وسلم-نصًا صريحًا واجبًا أو مندوبًا، فتجب طاعتهم فيه طاعة لله ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-.

الثانية
: أن يكون من موارد النزاع ومسارح الاجتهاد، فتجب طاعتهم فيه طاعة لله ورسوله وجمعًا للكلمة، فإذا عزم ولي الأمر على أمر معين فيه خلاف بين أهل العلم هذا يرى مشروعيته وهذا لا يرى مشروعيته والأدلة محتملة-متساوية-فإن ولي الأمر يطاع ولا ينازع جمعًا لكلمة أهل الإسلام الذين في حوزته.

الأمر الثالث
: أن يكون معصية فهذا لا سمع له ولا طاعة، ولكن الواجب يجب أمران:

الأمر الأول
: بغض هذا المأمور به وهو معصية في القلب، وكذلك باللسان إذا لم يترتب مفسدة في مجالس خاصة يأمن المرء من الفتنة بعدها.

والأمر الثاني
: أنه لا يذاع خطئه، ولا يشهر غلطه، ولا يشنع عليه في الملأ لما يترتب على ذلكم من مفاسد الدنيا والدين، ولأن هذا مسلك الخوارج القعدية الذين يحرضون على ولاة الأمر في مواطن مختلفة كوسائل الإعلام مقروءة أو مسموعة أو مرئية، والخطب التهيجية، وإقامة الندوات، وعلى المنابر، كل ذلك أيها المسلمون ليس مسلك أهل السنة، بل هو مسلك الخوارج القعدية خاصة.

سمُّوا قعدية
: لأنهم قاعدون عن رفع السيف ويكتفون بالتحريض بالكلام، فيجب على المسلمين حذر هذه الطائفة والتحذير منها.

وكما أن الأئمة مشوا على استعمال هذه السنة فإن استعمالها ألهمهم الله به سبيل الرشد والهداية والعصمة من الفتنة في هذا الباب، فنصحوا بالدعاء لهم وأن يسددهم الله-عز وجل-، قمما يروى عن الإمام أحمد وغيره: (لو كنت اعلم دعوة مستجابة لادخرتها لولي الأمر).

لأن الأئمة قد استقر عندهم مما فهموه من كتاب ربهم وسنة نبيهم وسيرة السلف الصالح من الصحابة وأئمة التابعين أنه بولي الأمر ينصر المظلوم، ويردع الظالم، وينتشر العدل، ويستتب الأمن، فتأمن المدن والقرى والسبل، وبمنازعتهم تكون الفوضى واختلال الأمن.

وها هنا مسائل
:
أحداها
: أن الذي قضاه الله-عز وجل-وأوحاه إلى رسوله-صلى الله عليه وسلم-في هذا الباب يعلم-سبحانه وتعالى بعلمه الأزلي القديم وما كتبه في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض، ضمن مقاديره قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

وفي الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن، أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال: (إنَّ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمُ ، َقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟، قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ ما هو كائن إلى قيام الساعة).

أقول: يعلم أن ولاة الأمر في المسلمين أقسام
:

أحدهم
: البر التقي العادل الذي يخشى الله-سبحانه وتعالى-فيؤتي كل ذي حق حقه، ويردع الظالم وينصف المظلوم، لا فرق بين شريف ووضيع وصغير وكبير.

الثاني
: فاسق فاجر ظلوم غشوم عسوف مستأثر.

والثالث
: الكافر، ولي أمر بلي به المسلمون وهو كافر إما كفرًا أصليًا كأن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، أو كفر ردة كأن يكون أصل ديانته مسلمة لكنه ركب ما يوجب ردته وينقله عن ملة الإسلام إلى ملة الكفر، كل ذلك قد علمه الله-سبحانه وتعالى-وكتبه عنده في اللوح المحفوظ.

فمــا الموقف؟.

ما موقف المسلم؟.

الأول
: مع السمع والطاعة يحب ويعان ويناصر ديانة.

والثاني
: قد يبغض، ويعان إذا خشي على زوال الدولة وصيرورة الأمر إلى أسوأ ولا يجوز الخروج عليه أبدًا، لما سمعتم من الأحاديث التي استغنينا بها عن ما هو في معناها مما لا يحصى من سنة النبي-صلى الله عليه وسلم-، ويؤكد هذا قوله-صلى الله عليه وسلم-فيما رواه مسلم عن حذيفة-رضي الله عنه من حديث طويل أصله متفق عليه: (اسمع وأطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك)، فمن ضعفه ليس عنده مستند إلا الرأي المحض والقياس الفاسد، ومجاراة أهواء الهمج الرعاع من الناس.

وهكذا حينما يتخلى أو يتنازل من ينتسب إلى علم الشرع عن ما رزقه الله من العلم، فيدع ما أخذ الله عليه من الميثاق، وقد دلت عليه الآية التي ذكرناها في سبب الحديث في هذا الموضوع، يرد سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.

وأما الثالث
: الذي هو الكافر، وهذا في حديث عبادة المتقدم: (وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)، هذا الحديث فيه دليل على خلع الحاكم الكافر ولكن بشروط.

معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات
:
الشرط الأول
: ظهور الكفر، وضوحه، صراحته.

الشرط الثاني
: الدليل القطعي الذي لا يقبل التأويل على أن حاكم قطر كذا من أقطار المسلمين كافر مرتد.

الشرط الثالث
: القدرة على إزالته وخلعه وذلكم بأن تكون لدى أهل الإسلام قوة تساوي قوته أو تزيد عليها، فإن لم تكن عندهم قوة-عُزَّل-فإن الدائرة تدور عليهم، تسفك دماء وتزهق أنفس معصومة، وتتلف أموال محترمة.

الشرط الأخير
: أن يتمكنوا من دفع مفسدة بعد إزالته، والمعنى: قدرتهم على تنصيب من هو خير منه-مسلم-، وهو خير منه للعباد والبلاد، فإذا لم تتوفر هذه الشروط فليبقوا تحت ولايته ولا يحبونه ويبغضونه في الله لكن لا يتعرضون لمواجهته، فإن المسلم الفاسق مهما يكن لو قهر الخارجين عليه تكون فيه رحمة وشفقة، أما الكافر فإنه منزوع الرحمة والشفقة على أهل الإسلام، فلا يرقب فيهم إلًا ولا ذمَّة.

وخاتمة هذه الكلمة
: هو الكلام في المظاهرات، وقد يسمونها الثورات، والكلام عليها من أوجه:

الوجه الأول
: في نشأتـها.

متى ظهرت الثورة ممن ينتسب إلى الإسلام على الأمير المسلم أو الإمام المسلـم؟.

إن أول من رفع عقيرته واصفًا الحاكم بالظلم من أجل أمر دنيوي فات عليه من هو؟.

هو
: ذو الخويصرة التميمي، ثار في وجه أكرم الخلق، وأشرف الخلق محمد-صلى الله عليه وسلم-.

وسبب ذلك
: أن عليًا-رضي الله عنه- بعث إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بمال غنيمة-خمس الغنيمة-، وكان-رضي الله عنه-أميرًا على اليمن، قسمها على أربعة من صناديد العرب ومنهم الأقرع بن حابس، فتغضبت قريش والأنصار-رضي الله عنهم-فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا، فقال-صلى الله عليه وسلم-: (إنما أتألفهم)، فسكنوا، وانقادوا لما صنعه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وعلموا أن الله أراه ذلك.

لأنه متقرر عندهم وجوب الانقياد لله ولرسوله-صلى الله عليه وسلم-، وأن الرابط بينهم وبين النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه إمامهم، هو خيارهم وخيار الناس أجمعين كما قال-صلى الله عليه وسلم-: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فعلموا أن هذا مما أوحاه الله إليه.

وأما الشقي الغشوم ذو الخوصيرة التميمي قال: (اعدل يا محمد)، وفي رواية: (والله إنها قسمة ما أريد بها وجه الله).

ثانيًا
: السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي من اليمن، الذي أسلم نفاقًا وكيدًا على أهل الإسلام، ما صنع ذلكم الرجل وأصحابه؟، كانوا يجمعون أخطاء ولاة عثمان-رضي الله عنه، ويهولونها ويضخمونها في الناس بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما انتهى أمر عدو الله إلا بقتل الخليفة الراشد الثالث-رضي الله عنه-.

فكل ثائر على من أهل الإسلام على ولي أمره
: سلفه السبئية وذو الخويصرة التميمي، ومطلب هؤلاء وذاك هو مطلب دنيوي، وإلا فعدو الله يعلم أن عثمان-رضي الله عنه-مجمع على خلافته من أهل الحل والعقد من المسلمين من الصحابة ثم تبعهم سائر الصحابة والتابعون، ثم تتابع الخوارج.

ثانيًا
: الأمر الثاني في هذه المسألة-مسألة المظاهرات-: من تلقفها، ومن سوغها وروجها؟.

حسب علمي الرافضة، الرافضة هم من سلالة أصحاب ابن سبأ اليهودي.

الثاني من عوامل رواجها وتسويغها
: رعاع الناس وهمجهم، الذين لا يرون السمع والطاعة للإمام إلا من خلال المطالب الدنيوية والمصالح النفعية.

وهؤلاء يستندون إلى منتسبين إلى العلم الشرعي، فقد شوهد بعضهم وهو يحمس المتظاهرين ويشجعهم بخطبة في ميادين قطر إسلامي.

الثالث أو الرابع
: البعوث، فكثير من أفراد البعثات وفدوا إلى دول غربية كافرة أو شرقية إلى أوروبا أو أمريكا أو روسيا، ظن ولاة أمرهم أنهم يعودون إليهم بعلوم تحتاجها الأمة كــ(الطب، والهندسة، والرياضيات، والكيمياء، وعلم الجيولوجيا وغيرها)، فعادوا مغسولوا الأدمغة من الدين، منحرفين، سيطر عليهم هؤلاء فمسخوهم، مسخوا أفكارهم حتى صاروا حربًا على دولهم.

وهؤلاء وأمثالهم
: حذَّر منهم النبي-صلى الله عليه وسلم-فيما صح عنه به النقل، بل متفق عليه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة-رضي الله عنه-، عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فذكر الحديث فقال: (ورجل بايع إمامًا إنما يبايعه من أجل الدنيا، فإن أعطاه منها وفى له، وإن لم يعطه لم يوفي له)صدق رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.

فإن هؤلاء مطالبهم دنيوية مصلحية فقط، ويدل لذلك شعاراتهم المرفوعة، فهي شعارات كفرية ضالة مضلة ومنها: (الديمقراطية، رأي الشعب، رأي الشارع)إلى غير ذلكم، (نريد حكمًا مدنيًا)هذه الشعارات كذلك منها: (نريد حكمًا دستوريًا).

ولهذا
: فإن من مطالبهم تعديل الدستور، ومن مطالبهم إقالة الحكومة، ومنهم من يقول رئيس مجلس الوزراء وحكومته.
وحاصل القول
: أن الحامل على المظاهرات التي يسمونها ثورات هذه مطالب دنيوية وشعارات جاهلية نتيجة القياس الفاسد والعقل الضال.

ومن القواعد المقررة عند أهل الإسلام
: (أن الشرع لا يأتي بما تحيله العقول)يعني: السليمة(ولكن قد يأتي بما تحار فيه العقول)، فيجب إذًا التسليم لما تقرر شرعًا بآية من كتاب الله أو سنة صحيحة عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-.

وهاهنا سؤالان
:
ماذا يصنع من ظلم مظلمة لا يستطيع الصبر عليها في حينه؟.


والجواب
: أنه يشكو رئيسه المباشر، أو أمير منطقته، أو بلدته إلى من فوقه، فإن أنصفه فبها ونعمت، وإلا رفع الأمر وتدرج حتى يصل إلى الحاكم العام، هو أمير وفي عهدنا اليوم هو أمير قطري سواءًا سمِّي الملك أو رئيس الجمهورية أو أمير الدولة أو غير ذلك من الأسماء، فإن وجد نصرة كان بها، وإلا صبر واحتسب وعند الله-سبحانه وتعالى ما هو خير وأبقى.

وما أحسن ما قاله ابن مسعود-رضي الله عنه-: (والذي نفسي بيده)أو قال: (والله الذي لا إله غيره إن ما تكرهون في الاجتماع خير مما تحبون في الفرقة).

السؤال الثاني
: ماذا يصنع أهل الفضل حينما يتجاوز الحاكم حده ظلمًا وعسفًا، وتركب أمور منكرة منه أو من نوابه، أو يفشوا فساد في دولته؟.

والجواب
: النصيحة سرًا حتى عن أقرب الناس إليه إن أمكن، ودليل ذلكم قوله-صلى الله عليه وسلم-: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية)يعني: النصح، (وليخلوا به وليأخذ بيده فإن قبلها قبلها وإلا كان قد أدى ما عليه).

فهذا الحديث يا ذوي الحجا، يا أولي الأحلام والنهى من المسلمين والمسلمات فيه فوائد، يجب أن يعقلها من كان
طالبًا للحق، قاصدًا إتباع سبيل المؤمنين:


الفائدة الأولى
: السرية التامة في مناصحة الحاكم.

الفائدة الثانية
: أن نصيحة الحاكم على هذا الوجه الذي تضمنه الحديث تبرأ التبعة بها.

الفائدة الثالثة
: أنه لا سبيل آخر يسلك في نصح الحكام غير ما تضمنه هذا الحديث، ولو كان ثمة سبيل آخر لبينه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ولو نقل عنه، والحديث صحيح أخرجه أحمد وابن أبي عاصم في السنة، صحيح بمجموع طرقه.

فإياكم-يا أهل الكياسة والفطنة، ويا من يطلبون الرشد والهدى ويقصدون إتباع سبيل المؤمنين-وبنيات الطريق فإنها وبئس الطريق، وعليكم بلزوم هذه السنة وترك ما عداها من الآراء والتي تحتها الشعارات الجاهلية والكفرية، فلا نجاة ولا عصمة إلا بسلوك سنة محمد-صلى الله عليه وسلم-.

وبهذا القدر أكتفي، ولعل الله ييسر طبع هذه المحاضرة ونشرها فنتوسع أكثر، والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


قام بتفريغه: أبو عبيدة منجد بن فضل الحداد
الأربعاء الموافق: 27/ ربيع الأول / 1432 للهجرة النبوية الشريفة.

[1]
(مسلم الإيمان(55)، النسائي البيعة(4197)، أبو داود الأدب(4944)، أحمد(4/102).
موضوع مغلق

الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ, مفرغة), إتحاف, الله, الأمر, البشر, الجابري, الكتاب(مادة, بمنزلة, حفظه, عبيد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:45 PM.