العودة   منتديات أهل الحديث السلفية > المنتــــــــــــدى الإســــــــــــــلامي > المنبر الإسلامي العام
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-27-2009, 03:51 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم بعد:
هنا نجمع كل الردود على شمس الدين وبيان فساد نهجه ونحلته ,ونرجوا من أسود التوحيد والسنة أن لا يبخلوا علينا بما عندهم



القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [الجزء الأول ]

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مؤيد الحق وناصره ، وداحض الباطل وكاسره ن ومعز الطائعين وجابرهم ، ومذل الباغين و خاذلهم ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له القائل : ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا [النساء : 112] .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل : << .. ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن رمى مسلما بما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال يوم القيامة ..>> الحديث . وصلى اللهم وسلم على آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان على يوم الدين .
أما بعد :
فقد اطلعت على ما نشرته جريدة الشروق اليومي في عددها [2089] الصادرة يوم الثلاثاء 04/سبتمبر/ الموافق لـ شعبان هـ على صفحة الملف تحت عنوان فتاوى متطرفة وكتب دينية شاذة في السوق الجزائرية ، بقلم المدعو شمس الدين ـ وما هو كذلك ـ حيث جمع في مقاله المنشور صنوفا و ألوانا من التهم و البهتان بالباطل ، لابسا قميصا ملطخا بدم كذب ، مزينا بالحقد والحسد لأهل السنة عامة أتباع السلف الصالح ، وعلماء الحديث خاصة ، حيث رمى طائفة منهم بأنواع من القذائف و الشتائم التي هم منها براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، والعجيب في صنيعه هذا أنه يخلط بين أهل الحق ن وأهل الباطل ، وبين أهل السنة أمثال اللالكائي والبربهاري من المتقدمين ، والألباني وعبد العزيز آل الشيخ من المتأخرين ، وبين أهل البدع و الضلالة أمثال أبي قتادة المصري ، وأبي الأعور و غيرهم من التكفيريين و الخوارج ، جمع بينهم وجعلهم جميعا في بوتقة الضلالـ السلفية المزيفةـ فتبين لي بذلك أن الرجل يخبط خبط عشواء ن ويخلط بين الأشباه و النظائر ، وكم ابتلي المسلمون بمثل هذا الطراز الذي لا هم له إلا محاولة هدم شوامخ العلماء وأطواد العلم العظيمة، وذلك
------------------------
1 – رواه أبو داود [ح3598]واللفظ له إلا أنه قال :<< ومن قال في مؤمن >> وأحمد [ح5377] والبيهقي [ح11525]والطبراني بإسناد جيد نحوه ، وزاد في آخره :<< وليس بخارج >> ورواه الحاكم مطولا ومختصرا وقال في كل منها : صحيح الإسناد ، والمنذري في الترغيب والترهيب [ح3397- 4310] والردغة بفتح الراء وسكون الدال المهملة ويحركها أيضا ، وبالغين المعجمة : هي الوحل ، وردغة الخبال بفتح الخاء المعجمة والباء الوحدة هي عصارة أهل النار ، أو عرقهم كما جاء مفسرا في صحيح مسلم .

الصفحة [2]
وذلك عن طريق اصطياد بعض الزلات، والعثرات، التي لم يُعصم منها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتراهم يتربصون بالعالم الزلة ، ويتصيدون منه الهفوة لينفخوا فيها ويعظموها في أعين الناس فيجعلون ـ كما قيل ـ من الحبة قبة ، ومن النملة فيلا .
وكان الأولى به أن لا يكلف نفسه ويمسك قلمه ببنانه ويخط هذه الأحرف الآثمة ، ولكن الله إذا أراد كشف حال عبد فضحه ، ومن جر أذيال الناس بالباطل جروا ذيله بحق ، ومن يحترف زخرف القول فهو أخو الساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى .
ولعل صاحبنا لم يجد مطية للبروز والشهرة إلا أعراض هذه الطائفة ، وأذكره هنا ـ والذكرى تنفع المؤمنين ـ بأن حب الظهور يكسر الظهور ، وأن لحوم العلماء مسمومة قل من أصاب منها شيئا إلا هتكه الله وفضحه بين خلقه إن عاجلا أو آجلا ، وما مثله إلا كمثل ذلكم الرجل المجهول الذي وقف على بئر زمزم في موسم الحج وبال فيها ، فلما أُخذ إلى الخليفة هارون الرشيد وسأله ما حملك على ذلك قال : أردت أن يعرفني الناس ، وليعلم أن الطاعنين على العلماء يذهبون مع الأيام ويبقى طعنهم وصمة على عليهم ، وأن أهل العلم يبقون على كل شفة ولسان بعد أن جعل الله لهم القبول ، في كل مكان وزمان .
ولعل صاحبي ضاقت به الأرض ذرعا لما يرى من انتشار المنهج السلفي الحق ، المنهج الوحيد الذي يوافق الفطرة ، والعقل السليم ، فأغضبه ذلك، وخاصة وهو يرى أن النظام قد ضيق عليه، فأغلق جمعيته ، وسحب منه الرخصة ، فلم يجد وسيلة يتزلف بها إلى من منعوه ، أو كبش الفداء يقدمه قربانا إلى النظام عساه أن يحظى برضاه عنه فيعيد إليه الرخصة ، ويفتح الجمعية مرة أخرى إلا تتبع العورات، وتصيد زلات إخوانه المسلمين، والطعن في أعراض علماء الأمة، وأساطين الملة، وصدق ابن سيرين رحمه الله تعالى حين قال:<< ظلمك لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره >> .
وقال الحسن البصري رحمه الله : << المؤمن يعذر الزلات ويستر ، والمنافق يفضح وينشر >> .
وقال الصنعاني رحمه الله : << ليس أحد من أفراد العلم إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب >> فالعصمة للأنبياء ودونهم فلا تطلب . وقالت الحكماء : كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه .

الصفحة [3]
فكان الأولى به أن ينصف أهل السنة أتباع السلف الصالح ، ويذكر مآثرهم ومحاسنهم ، وفضلهم على هذه الأمة ، يوم كانت أرضنا تحترق بنار الفتنة ، ووطننا يخرب بأيدي أبنائه ، فلولا الله سبحانه وتعالى ، ثم العلماء المخلصين أمثال الشيخ الألباني والشيخ العثيمين الذين تصدوا لإطفاء نار الفتنة، التي كادت أن تعصف بالعباد والبلاد ، لكان صاحبنا الآن يحترق بنارها ، ولا يستطيع أن يتبجح بما يكتب وينشر ، ورحم الله حافظ الدنيا ابن عبد البر حين قال : << من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه ، ومن لم ينصف لم يفهم ، ولم يتفهم >> .
وقال القرطبي رحمه الله معلقا على قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله : << ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف >> . قال القرطبي : هذا في زمان مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فيه الفساد ، وكثر فيه الطغام ، وطلب العلم للرياسة والجاه ، لا للدراية والهداية ، بل للظهور في الدنيا ، وغلبة الأقران بالمراء والجدال ، الذي يقس القلوب ، ويورث الضغن ، وذلك مما يحمل على عدم التقوى ، وترك الخوف من الله تعالى .
قلت : هذا في زمانه رحمه الله ، فكيف لو أدرك زماننا الذي ساد فيه الجهل والفساد ، وانقلبت الموازين ، وطلب العلم عند الأصاغر ، وتولى منصب الإفتاء الرويبضات، وصُدق الكاذب ، وأتمن الخائن ، وخوّن الأمين ، وظهر القلم ، وطالعتنا كثير من الكتب ، والمجلات ، والجرائد بالشيء الكثير من الزبد الذي يحمله تيار الضلال الجارف ، والسيل المتدفق بالفتن والإفساد في الأرض .
ثم أقول لصاحبي ألا تنظر من حولك لتدرك مدى الفساد الذي يحيط بك ،ويكاد يغمك، فهلا سخرت قلمك ، ولسانك لنصرة الحق ، مظلوما أو ظالما في نظر الكثيرين من أمثالك . .؟
ثم إن الناظر المتمعن في مقالك الأبتر من البركة بسبب أنك لم تفتحه بالبسملة والحمد والثناء على الله ، اقتداء بالكتاب العزيز ، وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ليدرك من أول وهلة أن السبب الذي دفعك لكتابته هو الحسد والحقد الدفين في نفسك لا غير ، لأن الحاسد لا يفتتح كلامه وعمله بالحمد والثناء على الله ، فعقله منتفخ غيظا ، وقلبه ممتلئ حسدا فلا يذكر الله إلا بما يشفي غيظه وحسده ، وهنا أذكرك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : << دب إليكم داء الأمم قبلكم ، الحسد والبغضاء ، هي الخالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين .. >> . [1]
------------------------
1-رواه الترمذي[ح2559]وأحمد[ح1424-1442]وأبو يعلى في المسند[ح667]والمنذري[ح4084-4382]وقال رواه البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما.

الصفحة [4]
نعم فالحسد كما قال الغزالي رحمه الله : << يحمل الحاسد عن تمني زوال النعمة عن غيره ، ويسر بالمصيبة تصيب المحسود ، وأن يشمت بما أصابه من البلاء ، وأن يهجره ويقاطعه وإن أقبل عليه وأن يعرض عنه استصغارا واحتقارا ، وأن يتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة ، أو يفشي سره ، أو يحاكيه استهزاء وسخرية منه .. >> .
فلو أنك سلكت في مقالك طريق أهل العلم المخلصين ، وأنك لم ترد إلا النصح والتبيين ، وكان غرضك بيان الحقيقة ، ونشر العلم ، وتعريف الناس الصواب من الخطأ لسلكت في مقالك مسلك الناصحين المخلصين في التأصيل والتدليل ، وفي التدقيق والتحقيق ، ولاتبعت طريقهم في التعليم والتبليغ ،ونهج ما كانوا عليه من القول الحسن ، والجدال بالتي هي أحسن ، ولكن هذا لم يكن وعلامات الحقد والحسد واضحة من خلال العناصر التي صدّرت بها المقال ، ونسبتها إلى الأثبات كالجبال، من العلماء الرجال ، واعلم أن عند الله تلتقي الخصوم ، ويؤخذ الحق من الظالم للمظلوم ..
ولما كان مقالك يمس أعراض علماء أعلام ، وكتب قيمة لأهل الإسلام ، وقصدك صد الناس عن الاستفادة والإفادة منهم ، وتأليب النظام على من يقتني كتبهم وأقوالهم ؛ ليخلو لك الجو ، فتفرخ البدع في الأرض والعلو ، أحببت في هذه العجالة أن أذب عن أعراضهم نصرة للمظلومين ، ودحضا للباطل الذي جاء به شيخ المصلحين ، الذي يخاف على الشباب الناشئين ، من علماء السنة وكتب السلفيين ، ولا يخاف عليهم من الانحلال الديني والخلقي ، ولا من المخدرات ، والعولمة والعلمانيين، ولا من السموم التي تبث عبر القنوات الفضائية ، والشبكة العنكبوتية ، والهاتف النقال ، ولا من الغزو الفكري ، والعقائد الباطلة التي يتلقوها في المدارس ، والجامعات ، ودور الشباب والثقافة ، وبيوت الله من الأئمة المضلين الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ؛ ممن ينتحلون عقائد الفرق الباطنية الضالة ، ويحملون فكر الخوارج والتكفير ، والطرقيين المنحرفين ، وغيرهم ممن يسعون إلى طمس معالم الدين ، وتفريق المسلمين إلى شيع وأحزاب ، كل حزب بما لديهم فرحون ، وكأنه استتب له الأمر من كل هذا ، ولم يبقى له إلا السلفيين الذين جعلهم الخطر المحدق عليه وعلى هذه الأمة ، فنقول له طب نفسا فإن هؤلاء الذين أعلنت عليهم الحرب ، يحملون كل الخير والحب والبر لهذه الأمة عموما ، ولهذا الوطن خصوصا ، ولا يعتقدون الخروج على الأئمة ولا التكفير بالمعصية ، ولا الإرهاب بجميع صوره ، فهم يؤمنون بالتغيير عن طريق التصفية والتربية ، تصفية الإسلام مما علق به مما ليس منه ، وتربية الأمة على ذلك الإسلام المصفى ، بالعلم والعدل والدعوة بالتي هي أحسن للتي هي أقوم ، فإن أخطأ منهم فرد أو أفراد ؛ فهذا لا يعني الطعن في المنهج الحق الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ، لأن هذا دأب البشر من كل الطوائف ، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها .

الصفحة [5]
والآن أتناول في ردي هذا بعضا من المسائل المهمة المطروحة ، وأبينها بالأدلة الواضحة الصريحة ، معرضا عن باقي المسائل التي جاء بها والتي لم أذكرها ، لأن بيانها يطول ، والجريدة تشترط الاختصار في القول ، فالله أسأل أن يوفقنا لذلك ويسدد خطانا لما هنالك ، من الأهوال حيث يظهر الناجي من الهالك ، و السني ، ومن للهوى كان سالك .
1ـ لم يجد الكاتب من الكتب الكثيرة التي تحمل السموم والشرور ، والبدع و الباطل بجميع ألوانه وأنواعه، في السوق الجزائرية إلا بعض كتب أهل السنة ، وعلى رأسها [ كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ] والسبب في ذلك أنه وجد فيه زلة كبيرة خطيرة - زعم - جعلها من السخافة بمكان ، يخاف على الشباب أن يتلقفوها ،وأن تنتشر بينهم فيعتقد وها ، ومن أجل ذلك الخطأ ينبغي أن يرمي الكتاب ويحذر منه ، سبحان الله ؟!
ولي على هذا معه عدة وقفات :
أ- يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب المصنفة في العقيدة عند أهل السنة والجماعة ، وقل أن نجد منصفا بعده إلا وستفيد منه أو يشير إليه ، وقد ارتضاه طائفة من العلماء ، منهم الخطيب البغدادي ، وابن الجوزي ، وابن قيم الجوزي ، وابن تيمية ، والذهبي وابن حجر ، والسيوطي وغيرهم كثير ..
أما صاحب الكتاب فهو سلفي العقيدة وأحد الحفاظ الأعلام من علماء الحديث ، شهد العلماء له بذلك ووصفوه تارة بالحفظ ، والإتقان ، وأخرى بالفهم والإفادة ، أنظر مقدمة المحقق للكتاب المجلد الأول [ ج1/94 ـ 95 ] وشهادات العلماء له بذلك .
ب- أما ما في الكتاب من الآثار فأغلبها منقول بالأسانيد الصحيحة الثابتة ، عن الصحابة والتابعين ، وأتباع التابعين إلى عصر المؤلف ، ولا يوجد إلا القليل من الآثار الضعيفة التي ضعفها أهل العلم ، وهذا دأب كل من صنف ، لا يخلو كتاب من أوهام وأخطاء إلا كتاب الله . وعلى العموم فالكتاب قيم ، وجيد ، والمؤلف برأ ذمته بذكر الآثار مسندة ، فلا لوم عليه بعد ذلك ، لأن الإسناد من الدين ، وهو قد وعاها فأدها كما سمعها..فجزاه الله خيرا أن حفظ لنا تلك الآثار العظيمة.
ج- إن العبارة المنقولة عن أبي حنيفة نقلها غير واحد ممن سبق اللالكائي ، منهم عثمان بن سعيد الدارمي في سننه ، والأشعري في مقالات الإسلاميين ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، ونقلوا أشياء كثيرة نقلت عن أبي حنيفة ، بعضها ثابت بالأسانيد الصحيحة ، وبعضها ضعيف لا يصح نسبته لهذا الإمام ،وقد ضعفوه من جهة حفظه رحمه الله ، منهم البخاري والنسائي ، وابن عدي ، فهل هذا يعني أن نرمي بكتب كل هؤلاء ؟ هذا لا يقوله عاقل . فلو كان صاحب المقال يريد النصح والبيان لتصدى لكل من روى هذه الأخبار عن أبي حنيفة، وبين أسانيدها بالنقد والبيان، فرد الضعيف، وقبل الصحيح، وهذا هو الإنصاف.

الصحفة [6]
د – لقد رد هذه المقالة المنسوبة لأبي حنيفة دون دراسة لأسانيدها دراسة حديثية ، على أن المحقق لكتاب اللالكائي لم يردها بعينها ، وإنما ذكر في الجملة الآثار التي تذكر في أبي حنيفة ، فجاء هو وردها بعينها دفاعا عنه ، وخيرا فعل لو كان قصده بيان الحق . لأننا نحب العلماء والدفاع عنهم ولكن الحق أحب إلينا منهم ، ولا نعتقد العصمة لأحدهم فأبو حنيفة رحمه الله فقيه العراق ، وأحد أئمة الإسلام والسادة الكرام ، وأحد أركان الإسلام كما قال ابن كثير رحمه الله في ترجمته [1].
وصاحبي رد تلك المقالة هكذا بالهوى ، ولو اتّبع طريق أهل الحديث في التحقيق والتدقيق والنقد البناء لكان محقا في اجتهاده حتى لو أخطا الصواب ولكنه لم يفعل ، وهنا أقول له : أرأيت لو ثبتت هذه المقولة عن أبي حنيفة رحمه الله ، فكيف تفعل حينئذ بدفاعك عنه ، وقد انتقص إيمان أبي بكر الصديق ، وجعل إيمانه مساويا لإيمان إبليس ، مع أن إيمانه لو وزن بإيمان الأمة لرجح عليها ؟ فيا سبحان الله !! تدافع عن أبي حنيفة، في أمر أنت غير متثبت منه، ولا تدافع عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أين الإنصاف الذي يقتضي أن نقول بعد النظر في السند. لم تثبت هذه الرواية عن أبي حنيفة ، وعلتها محبوب ابن موسى الأنطاكي أبو صالح الفراء ، قال أبو داود : ثقة ، لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب .[2] قلت محبوب بن موسى ، وثقه جمع من العلماء كما قال ابن حجر ،[3] وعلى فرض صحة المقولة : يقال أخطأ أبو حنفية رحمه الله ،والدليل على خطئه حديث رسول الله في فضل إيمان أبي بكر رضي الله عنه .. وكأن صاحبي ما قرأ فضائل أبي بكر من صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، وكتاب فضائل الصحابة للإمام أحمد وغيرها كثير .. وفضائله رضي الله عنه أكثر من أن تحصى ، ولو كان فيه إلا أنه صاحب رسول الله في الحل والترحال المفضل عنده والمحبب إليه وقد سئل عن أحب الناس إليه فقال:<< عائشة >> فقيل له من الرجال فقال:<< أبو بكر >>[4] وقال فيه :<< لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ..>>[5].
------------------------
1- البداية والنهاية [ج10/107].
2 - قاله الذي اعتنى بنشر تاريخ بغداد [ج13/ ص473]إلا أنه حذف عبارة ثقة.
3 - أنظر تهذيب التهذيب [ج10/ ص48].
4 – البخاري [ح 3662]ومسلم [ح 6130].
5 – البخاري [ح3654 -3656]ومسلم [6123 ـ إلى 6129 ].

الصفحة [8]
أما كتاب شرح السنة للبربهاري فهو كتاب مهم وقيم ، ويقال فيه ما قيل في سابقه ، فالمفروض أن يثني عليهما ، وينصح الشباب بقراءته ، لا أن يطعن فيه بسبب أنه دافع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ورد على طائفة ضالة ظهرت قديما ، ومازال المسلمون يعانون من أذيالها إلى يوم الناس هذا ، وهي التي تسمي نفسها بالقرآنيين ، أي لا يؤخذون إلا بالقرآن . فإذا قال البربهاري : إذا رأيت الرجل تستدل عليه بالحديث [أي النبوي ] يقول لك دع عنك هذا ، وأتنا بالقرآن فاعلم أنه زنديق ، بمعنى لا يقبل حديث النبي صلى الله عليه وسلم مطلقا ، ولست أدري بماذا سيحكم علي مثل هؤلاء الذين يردون السنة ولا يؤمنون بها ، وهذا مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام :<< لألفين أحدكم على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري ،فيقول : دعونا من هذا وأتونا بكتاب الله ، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ..>>[1].
فهذا ما قصده البربهاري رحمه الله ، وليس ما فهمته أنت ، فهل من يدافع عن حديث رسول الله مستنكرا على من لايقبل الاحتجاج بأوامره وسننه مكتفيا بالقرآن يطعن فيه ؛ وفيما كتب ، ياهذا ؟ ويطعن فيمن نشر كتابه ، ويحث المسلمين على قراءته كما فعل العلامة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الذي انتقصته بذلك . فالله يجازيك على ذلك .
3ـ نسبته إلى الألباني أنه يجيز الزنا على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن .. فهذا والله افتراء على الشيخ ، وستكتب شهادته ويسأل عنها يوم القيامة ، وأنا أقطع أنه كذب ، وعندي قرص مضغوط بعنوان الخلال والحرام للألباني يرد فيه على الروافض الذين كذبوا الله في تبرئته لأم المؤمنين عائشة ، ونالوا من عرضها فقبلوا قول أصحاب الإفك ، وردوا كلام
العلي الخبير ، وما عهدنا الشيخ رحمه الله إلا منافحا مدافعا عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمهات المؤمنين ، فهو الذي نذر حياته للدفاع عن سنته صلى الله عليه وسلم ومن سنته الدفاع عن عرضه ، وعدم التعرض إلى أمهات المؤمنين بالسوء بعد تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها.
------------------------
1- الحديث ذكر بعضه أبو داود وذكره بعضه الآخر غيره ، انظر له مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي .


الصفحة [9]
قال ابن كثير رحمه الله [1]: وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سب عائشة أو تعرض لها بالسوء ورماها بما رميت به بعد هذا الذي ذكر في تبرئتها في الآيات فإنه كافر لأنه معاند للقرآن. وصاحب المقال ، لم يأت بالنص الذي تلفظ به الشيخ الألباني ، أو الكتاب الذي كتب فيه ذلك ، وإنما ذكر كتابا لنسيب الرفاعي ، ولم يأت بموضع الشاهد منه ، والشيخ الألباني رحمه الله إنما تكلم عن العصمة وأنها لا تثبت شرعا لأحد بعد الأنبياء ، على الخلاف المعروف بين أهل العلم في عصمتهم قبل النبوة في الكبائر والصغائر، وبعدها في الصغائر، ولا يفهم من هذا أن نساء الأنبياء معصومات لذواتهن ، وإنما معصومات لعصمة الأنبياء ، قال ابن كثير رخمه الله : في تفسير قوله تعالى : ﴿ فخانتاهما ﴾ أي في الإيمان ، وليس في الفاحشة ، بل في الدين فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء . وعلى هذا أجمع المفسرون .
قال الأمين الشنقيطي في أضواء البيان فيما أكمله الشيخ عطية سالم[2] في تفسير قوله تعالى : ﴿ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما .. ﴾ قال : أجمع المفسرون هنا أن الخيانة ليست زوجية ، قال ابن عباس : نساء الأنبياء معصومات ، ولكنها خيانة دينية ، بعد إسلامهن ، وإخبار أقوامهن بمن يؤمن مع أزواجهن . فإذا قال أحد أن زوجات الأنبياء غير معصومات لذواتهن وإنما معصومات لحرمة الأنبياء وعصمتهم وكرمهم على الله ، فهذا لا يعني إطلاقا أنه وقع من بعضهن بغي ، فحاشاهن أن يقع ذلك منهن ، نقل القرطبي عن ابن عباس قوله : ما بغت امرأة نبي قط ، ثم قال وهذا إجماع المفسرين فيما ذكر القشيري .
3 ـ ذكر صاحب المقال مستنكرا : جملة من البدع التي يقول بها السلفيون ، أذكر منها ـ الذكر بعد الصلاة ـ فسبحان الله كيف حرف مقصود خير الدين وانلي الذي نقله عن الشاطبي في الاعتصام ، وأطلق عنه القول ببدعية الذكر عقب الصلاة ، مع أنه لا أحد يقول بأن ذلك بدعة ، ولايعقل أن مسلما يقول بذلك بعد ورود الأحاديث الصحيحة فيه ، وإنما الذي ذكره الشاطبي وابن تيمية ، وغيرهما هو الذكر مجتمعين بصوت واحد ، وقراءة الفاتحة بصوت واحد بعد الصلاة ، فهذا الذي قصده خير الدين .
------------------------
1 – تفسيرا ابن كثير [ ج3/277].
2- أضواء البيان[ ج8/381ـ 382].


الصفحة [11]
ثم نقول له : دع عنك التعصب ، وألقي نظرة منصفة في كتاب الاعتصام للشاطبي لترى كثيرا من البدع التي أنكرتها وغيرها مما لم تذكره قد نص الشاطبي على بدعيتها فيه ، وكذلك ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ، وابن الحاج في المدخل ، وعلي محفوظ في الإبداع في مضار الابتداع ، وأبو بكر الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع ، والقشيري في السنن و المبتدعات . فهل ترمي بهذه الكتب وأصحابها وكل من نقل عنها عن قوس واحدة ؟ ثم إن هذه المسائل التي ذكرتها لا تقتضي هذا التهويل في الإنكار، فكان يسعك الخلاف الذي وسع أهل العلم قبلك، ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه فوسعه اجتهاد العلماء الذي وسع غيره، وإنما يضيق صدر المرء من ضيق عطنه..
وأخيرا وقفة مع جريدة الشروق وغيرها من الجرائد :
نصيحتي للقائمين على هذه الجرائد أن يسعوا إلى نشر الخير بين الأمة ، وأن يكونوا مفاتيح خير، مغاليق للشر ، ولا يسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا معاول هدم ، وجسور فتنة ، وحقول زرع للحقد والبغضاء بين المسلمين ، فيجب عليهم أن يبتعدوا عن نشر كل ما من شأنه أن يسقي بذور الفتنة ، وأشجار الحقد والحسد ، وأن لا يكونوا عونا في التأليب والتحريض لطائفة على طائفة ، ونصرة لفكرة على أخرى ، وأن يبتعدوا عن مواضيع الهمز والغمز ، وأنا أقول إن الفتنة التي كادت أن تعصف ببلادنا طيلة العشرية السوداء يتحمل جزءا من مسؤولياتها أصحاب هذه الجرائد والأقلام ، وإن الفتن والفساد الذي نعيشه ونحياه فإن لكم النصيب الأوفر في وجوده ، وبقائه ، وكان يجدر بكم أن تغطوا المسائل السياسية ، والاجتماعية ، بأمانة وصدق ، أما كتاباتكم في المسائل الدينية وتقدير الرجال وتقديمهم للأمة ، فكان غيركم أولى به ، لأن قلمكم لم يأخذ بقسط من العلوم الشرعية ، يدرك ذلك من مقالاتكم التي تنشرونها ، من شم رائحة العلم ، وكان الأجدر بكم أن تدعوا الكتابة في مثل هذه المواضيع لأربابها ، وتقتصروا في الكتابة على ما خصكم الله به ، ورحم الله الحافظ ابن حجر حين قال : من تكلم في غيرفنه أتى بالعجائب والغرائب . واعلموا أنني النصح قصدت ، والخير أردت ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . والسلام عليكم ورحمة الله
وصلى اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتبه :
أبو بكر يوسف لعويسي
يتبع إن شاء الله ....
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-27-2009, 07:56 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين .[الجزء الثاني] .

الحمد لله مؤيد الحق وناصره ، وداحض الباطل وكاسره ، ومعز الطائعين وجابرهم ، ومذل الباغين وخاذلهم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل : ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا [ النساء : 112 ] .
وأشهد أن محمدا عبد ورسوله القائل: << .. ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه ، ومن رمى مسلما بما ليس فيه أسكنه الله في ردغة الخبال يوم القيامة .. >> الحديث وقد مر تخريجه في الجزء الأول .
وصلى اللهم وسلم على آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد : إلى مدير التحرير بجريدة الشروق .. وفقه الله للعدل .
فقد اطلعت على ما نشرته جريدة الشروق اليومي في عددها [ 2112 ] يوم الاثنين 01/أكتوبر 2007 / الموافق لـ /19/ رمضان 1428 هـ على صفحة رمضانيات تحت عنوان أنت تسأل والشيخ شمس الدين يجيب ، حيث فوجئت بنشر مقال للمذكور يرد فيه على مقالي الذي أرسلته إلى جريدتكم قبيل رمضان ، والذي فندت فيه مزاعم شمس الدين في تعرضه لكتب وعلماء المنهج السلفي ـ بحق ـ واتهامهم بشتى التهم ، فإذا بكم لم تنشروه ، وخولتم للمردود عليه أن ينشر رده علي في الخانة المخصصة له ، أنت تسأل وهو يجيب ، وذلك دون إطلاع للقراء على مقالي وكأني ما أرسلت إليكم مقالا ، وإنما أسئلة ليجيب عنها ، وهذا عمل لا يليق بجريدة كالشروق التي تشرق كل يوم بالإنصاف ، وتنشد الوسطية في طرحها لأنها تبتغي العدل بين المواطنين ردا ومردودا عليه ، وهذا تصرف يسيء إلى سمعتها ، فماذا يقول القراء الذين حرموا من الرد ، وأنا لم اتخذ جريدتكم واسطة بيني وبين شمس الدين ، كما لم يكن ردي عليه مساجلة بيني وبينه ، ولو كان كذلك ما كنت أرسلته إليكم ، ولاكتفيت بإرساله له فالطريق إليه أعرفه ، وإنما قمت بإرساله إلى جريدتكم المفضلة بقصد نشره لم علمت من انصافكم ، ورجائي أن تنشروا الرد الأول مع هذا الرد الثاني، ولو مجزأ على فترات ، ليستفيد القراء الأفاضل التي جائتني منهم رسائل وأسئلة كثيرة ، وذلك ليعلموا من هو الذي أنصف أهل الحق ممن رماهم بشتى قذائف الباطل ، فإن لم تفعلوا فأنتم شركاء في الباطل الذي ينشره هذا الرجل ، وقد رجحتم إحدى كفتي الميزان بالتعاون على الإثم والعدوان ، ولتعلموا أني سأتولى نشره في جريدة أخرى ، أو على الشبكة المعلوماتية ، وأخيرا دمتم لسانا لميزان الحق برد الحق إلى نصابه ، ووضع كفتي الميزان في مكانها اللائق بها . والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل .
وكتب : محب العلم والإنصاف على طريقة صالح الأسلاف
أبو بكر يوسف لعويسي
جيجل : 02/10/2007 - 20/رمضان 1428 هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله مؤيد الحق وناصره ، وداحض الباطل وكاسره ، ومعز الطائعين وجابرهم ، ومذل الباغين وخاذلهم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل : ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا [ النساء : 112 ] .
وأشهد أن محمدا عبد ورسوله القائل: << .. ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه ، ومن رمى مسلما بما ليس فيه أسكنه الله في ردغة الخبال يوم القيامة .. >> الحديث
وصلى اللهم وسلم على آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد : إلى الأخ شمس الدين ـ أعاذه الله من شمس الإسلام الحارقة ـ


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد اطلعت على ردكم الذي نشرتموه بجريدة الشروق العدد [2112] بتاريخ 01/أكتوبر2007 م الموافق لـ /19/رمضان 1428 هـ ولم يكن غريبا علي أن يأتي ردك عاريا عن حقائق العلم مشحونا بالهذيان ، واتهام النيات والبهتان ، ولكن الغريب في الموضوع هو جهلك بمنهج الاعتدال ، والتحقيق والتدقيق في الأقوال ، فأنت لا تفرق بين جميع الطوائف المنحرفة عن الصراط المستقيم ؛ المخالفة لمنهج الفرقة الناجية ، والهدي النبوي القويم ، فلسان حالك يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم : << وستفترق أنتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة >> فهذه الطوائف التي ذكرتها ودافعت عنها إما أن تكون كلها متحدة مؤتلفة ، فتكون بذلك هي الفرقة الناجية ، وهذا مستحيل ، وإما أن تكون مختلفة فيما بينها مخالفة للسنة ، وحينئذ نوجه إليك سؤالا وهو : من منها الفرقة الناجية حتى ننسبك إليها ؟ ومن هي الفرقة المفارقة والمخالفة لمنهج الناجية وما موقع دفاعك عنها كلها من الحديث المذكور آنفا ؟ .
هذا أولا ، وثانيا فإنني ابتدأ ردي هذا من حيث انتهيت أنت فقولك في آخر مقالك : أشكرك لأنك لم تفند مزاعمي بل أكدتها .. هذا لأنك جعلت نفسك أنت الخصم وأنت الحكم ، وصدق فيك قول القائل : وما أنت بالحكم الذي الترضى حكومته .. البيت ؛ فلو كان عندك مسكة من الانصاف مما ذكرت لك ، وأنصفت خصمك ونشرت مقاله لعلمت ـ كما علم القارئ ـ هل أكدت مزاعمك أم فندتها ، ولكنك جهلت ولم تفعل ..
وقد عجبت لصنيعك ومكرك في نشرك مقالا آخر بعنوان " الفهم الخاطئ للسنة " مقابل الرد علي ، لتوهم القراء أنك تدافع عن السنة ، وأن السلفيين لا يفهمون السنة ، وأنت في الحقيقة تهدمها ولو كنت تفقه شيئا من ذلك؛ وكنت ممن يذوذ عن حياض السنة ، فكيف لم تبين منهج ابن عربي الحلولي ، وكيف تجيز لنفسك الدفاع عمن يقول :{ وما الكلب والخنزير إلا إلاهنا ، وما في الجبة إلا الله } وكيف تجيز لنفسك الدفاع عمن يدعو إلى موادة اليهود والنصارى ، ويعتبرهم أصدقاء ، والله يقول : ﴿ ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين .
وكيف تجيز لنفسك السكوت عمن يدعو إلى وحدة الأديان أو تقاربها وقد علمت أن الله نسخ جميع الشرائع السماوية بشريعة الإسلام قال تعالى : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه .. وقال سبحانه :﴿ ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من عمر لما رأى في يديه صحيفة من التوراة وقال له : << أمتهوكون يا ابن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، ولوكان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي >> البخاري ، وفي صحيح مسلم قال : << والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني من هذه الأمة ثم لا يؤمن بي إلا كبه الله على وجهه في النار >> أم أنكم تخافون أن تواجهوا اليهود والنصارى بهذه الآيات والآحاديث ، أم جعلت ذلك من السنة ؟ وكيف تجيز لنفسك الدفاع عمن يرد أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم بحجة أنها لاتصلح لهذا الزمان الذي نواجهه الحضارة الغربية ، أو أن العقل لا يقبلها ، أو أنها أحاديث آحاد ..
وكيف تبيح لنفسك أن تدافع عن التكفريين من الحزبيين ، كحزب التحرير السوري وجبهة الإنقاذ الجزائرية ، وكيف تبيح لنفسك الدفاع عمن يعتمد الخرافات والبدع ، ولا يهتم بعلم العقيدة على منهج النبوة كجماعة التبليغ، وغيرهم من تلك الأحزاب، وكيف تبيح لنفسك الدفاع عمن يجعل الاشتغال بالسنة قشور ، أو جزئيات ، ويستهزئ بالسنة ، فلعلك تجهل واقع هذه الجماعات، والأحزاب ، وخاصة جبهة الإنقاذ الذي كانت وبالا على هذه الأمة الجزائرية المسلمة طيلة العشرية السوداء ، وقد أصبح انحرافها عن منهج الحق غير خاف على كل الشعب ، فكيف غاب عنك ذلك .

وليعلم شمس الدين أن أغلبية اتباع هذا التنظيم لا يزالون يعتقدون أنهم كانوا يجاهدون في الجزائر ، وما نزلوا من الجبال إلا لضعف العدد والعدة ، وليس رجوعا عن الانتهاكات التي اقترفوها .. وليعلم شمس الدين الذي أحرقته شمس الحق ، أن أغلب الجماعة التي تنتسب للدعوة والقتال ما نزلت من الجبال إلا بسبب فتاوى شيوخ المنهج السلفي ، وهم يشهدون على ذلك ..
أما دفاعك عن حزب جماعة الإخوان المسلمين الحزب الأم لهذه الجماعات ؛ فلعلك لم تدرس تاريخه ، وأنه هو الذي سن الاغتيالات لمن يحكم عليهم بالكفر ، وهو الذي سن العمليات الانتحارية وقد عانت الأمة الإسلامية من الويلات التي جرها عليها هذا الحزب العتيد في التكفير والتفجير الكثير والكثير ، ومنه انشق جماعة الهجرة والتكفير، الذين فرخ فكرهم وانتشر في العالم الإسلامي .. أما من تبرأ منهم من التكفريين فهاهم اليوم قد ميعوا الدين ونادوا بمحبة اليهود والنصارى و الكافرين .. والبحث معك حول واقع هذه الأحزاب والجماعات يطول وليس هذا محل بسطه ، ولكن الإشارة تغني عن العبارة ، والتلميح يغني عن التصريح ..
فأين أنت من تصحيح الفهم الخاطئ للإسلام عند هؤلاء ، وأين أنت من الفهم الصحيح للسنة الذي تدعيه؛ وأنت تدافع عن أهل الباطل ، وقد جعلتهم هم أهل الحق والعدل ، واتهمت أهل الحق أتباع السلف الصالح ، وجعلتهم أهل باطل ، ولست أدري ما هي الرابطة بينك وبين هؤلاء وأولئك إن لم تكن هي الحق المتمثل في اتباع السلف الصالح ، وكان الأولى بك أن تتحرى الحق عند هؤلاء ، وتأخذ ما صح عندهم مما يوافق الكتاب والسنة ولو كان ممن يعاديك ، وتترك ما خالف ذلك ولو كان ممن تواليه ويواليك ، وهذا هو المنهج الحق والإنصاف .. ولكنك أردت بفعلك ذلك أن تطعن علينا ، وتموه على القارئ ، على حد المثل السائر : رمتني بدائها وانسلت ، والله حسيبك ويتولاك ..
أما قولك : وأذكرك أن هذه العبارة ـ لحوم العلماء مسمومة ـ هي للحافظ ابن عساكر ، فهذا جهل أخر منك ، فهذه العبارة وردت بالسند الصحيح عن الإمام أحمد ، وعن الحسن ابن ذكوان ، وهما متقدمان عن الحافظ ابن عساكر رحمهم الله جميعا ، وإليك ما قاله هذان العالمان .
أما الإمام أحمد فقال : لحوم العلماء مسمومة ، من شمها مرض ، ومن أكلها مات . من كتاب المعيد في أدب المفيد و المستفيد [ص 71] فجهز نفسك لجنازتك ..
أما الحسن بن ذكوان فقال : وقد ذكر عنده رجلا أحد العلماء بشئ فقال لمن ذكر ذلك العالم ؛ مه لا تذكر العلماء بشيء فيميت الله قلبك ، ثم أنشأ يقول :
لحوم أهل العلم مسمومة ** ومن يعاديهم يوما سريع الهلاك
فكم لأهل العلم عونا وإن **عاديتهـم يوما فخـذ ما اتاك .
فهل تبين جهلك .. ؟
فجاء الحافظ ابن عساكر وصاغها في جملة من كتابه تبين كذب المفتري [ص28] ومقالته هذه كلها في المقدمة تعتبر جيدة جدا ، بل عليها نور من مشكاة النبوة ، واعلم أن أتباع المنهج السلفي ـ بحق ـ يأخذون الحكمة ممن جاء بها مهما كان في كل زمان ومكان ، قال أحد علماء السلف : فلا يخفى على أهل الإيمان أن الحق يقبل من أي جهة جاء ومن تكلم به لكونه موافقا للحجة و البرهان ، بغض النظر عن كثرة المعرضين عنه أو قلة المقبلين عليه أو العكس .
فمن عدل سلفنا الصالح : أنهم يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق ولا يتوقفون عن قبوله ويردون ما عند هذه الطائفة من الباطل ، فالموالي منها والمعادي سواء ، إذ لا أثر للمتكلم بالحق في قبوله أو رفضه ، وهذا المنطلق مؤيد بقوله تعالى :﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء لإلى صراط مستقيم وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه : << .. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم >> أخرجه مسلم .
قال ابن القيم رحمه الله في : "الصواعق المرسلة [2/516] فمن هداه الله إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه ، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه ، فهو ممن هدى الله لما اختلف فيه من الحق .
هذأ وقد أمرنا الله بالعدل ، ومن العدل فيمن تبغض وتعادي : أن تقبل ما عندهم من الحق لقوله تعالى : ﴿ ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى وقد وافق الله تعالى في سياق القصة عن بلقيس ـ حال كفرها ـ فقال سبحانه : ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة قال تعالى بعدها مقرا صحة كلامها :﴿ وكذلك يفعلون

ويؤيد ذلك من السنة : قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه لما دله الشيطان إلى آية الكرسي لتكون له حرزا من الشيطان في مقابل فكه من الأسر ، قال صلى الله عليه وسلم : << صدقك وهو كذوب >> أخرجه البخاري . وهذا كله فيما إذا عرف مراد المتكلم وعرض على الكتاب والسنة فوافقهما ، فإن حصول الموافقة لهما يدل على أنه حق فيجب قبوله من أي جهة كان ويحكم له ، ولهذا كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول : << اقبلوا الحق من كل من جاء به ، وإن كان كافرا ـ أو قال : فاجرا ، واحذروا زيغة الحكيم . قالوا : كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق ؟ قال : إن على الحق نورا >> صحيح سنن أبي داود [ج3/120] .
ولهذا بين ابن تيمية ـ مجدد عصره رحمه الله ـ منهجه في التعامل مع المخالفين له من أهل الكلام وغيرهم بقوله : وليس كل من ذكرنا شيئا من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره ، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به . مجموع الفتاوى [ج5/1001] .
ومن هنا أردت أن تعلم أن منهج أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح وسط في كل باب من أبواب العلم حتى في باب الجرح والتعديل ، والكلام في الطوائف ، ومن تلك الطوائف القريبة من منهج أهل السنة والجماعة ، الأشاعرة ، وما أدق وأنصف عبارتهم فيهم . وقد علمت أن من عدل السلف السلف الصالح أنهم يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق ، ولا يتوقفون عن قبوله فالحكمة عندهم ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها ، فكيف لا يقبلون من علماء اجتهدوا في تنزيه الله فأخطئوا ، وهم أقرب الطوائف إلى أهل السنة والحديث ، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون فيها أهل البدع هم الروافض والمعتزلة ، والقدرية ، والخوارج .
وقد أنصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وهو من رموز المنهج السلفي ؛ بل من المجددين له في عصره بقوله : وأما الأشاعرة فلا يرون السيف ـ أي الخروج على الولاة ـ موافقة لأهل الحديث ، وهم بالجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب أهل السنة و الحديث .. مجموع الفتاوى [6/55] .
وقال أيضا رحمه الله : وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لايوجد في كلام عامة الطوائف ، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث ، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم ، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم . نقض التأسيس [ج2/82] .
وقال أيضا- رحمه الله- في معرض الكلام عن الأشاعرة : ثم إنه من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة ، وحسنات مبرورة ، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع ، والإنتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم ، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف ، لكن لما إلتبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء من المعتزلة ، وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه ، فلزمهم بسب ذلك من الأقوال ما أنكره من أهل العلم والدين ، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل ، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل ، وخير الأمور أوسطها ، وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء ، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين ، والله يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ، ويتجاوز عن السيئات ،. من كتاب درء تعارض العقل والنقل [ج2/102/103].
وقال أيضافي حقهم : ولهم حسنات وفضائل وسعي مشكور ، وخطؤهم بعد الاجتهاد مغفور . من كتاب النبوات {ص220}.
وهذا الشيخ الألباني رحمه –رحمه الله – برأه الله مما رميته به ، ورده عليك –إن شاء الله- جعل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة بالمفهوم العام ، وقد سمعت ذلك منه مرارا ، وذلك مسجل في أشرطته واضح للعيان ، وهو رحمه الله يأخذ من كتبهم ويستفيد منها ، فمن تتبع كتبه وجد نقولا كثيرة ككتب الشاطبي ، وابن حجر ، والبيهقي ، والنووي ، وغيرهم من علماء الأشارة رحمهم الله ، وهذا الموقف منه موافق لموقف شيخ الإسلام وغيره من علماء السلف في التعامل مع الطوائف الأخرى القريبة من منهج أهل السنة ، وقد دافع رحمه الله غير مرة عن الإمام النووي وابن حجر وغيرهم ممن تكلم فيهم ، ورد على من غمزهم وطعن فيهم كالحدادية وغيرهم ،وهذا شيخ مشايخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله قد سؤل عن الأساعرة في تأويل الصفات فقال: لاشك أن قصدهم تنزيه الله تعالى ، اجتهدوا فأخطئوا الصواب فالله يجازيهم على نياتهم ، ويغفر لهم خطأهم ، ويجمعنا وإياهم في دار كرامته .
فهل هناك إنصاف أفضل من هذا ، وهل مر بك قط عدل مثل هذا ؛ وأنت تقرأ للطوائف المختلفة المخالفة لأهل السنة والجماعة ، وهم يطعنون على علماء المنهج السلفي بشتى أنواع اللقاب المشعرة للذم واللمز ، والنبز ، ولكن السلفيون مؤدبون ، والله يجمع بين الخصوم ، ويأخذ الحق من الطالم للمظلوم .
واعلم الجناية على العلماء – وخاصة الذين أفضوا إلى ربهم – تعتبر خرقة في الدين ، فمن ثم قال الإمام الطحاوي - رحمه الله – في عقيدته : وعلماء السلف من السابقين ، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم من أهل الخير والأثر ، وأهل الفقه والنظر ـ لا يذكرون إلا بالخير ، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل ـ شرح الطحاوية بتحقيق الأرناؤووط [ ج2/140] .
وقال ابن المبارك : من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه ، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته ـ سير أعلام النبلاء [ ج8/408] .
وأخيرا اسمح لي أن أهمس في أذنك حتى لا يسمعني أحد فأقول : لقد تبين لي أنك حاطب ليل ، لا تدري من أين تأخذ ، وماذا تأخذ لذلك إلتبس عليك الحق بغيره ، ودفاعك المستميت عن أهل الباطل ، وحسدك لأهل الحق دخل عليك من هذا الباب الذي أوتيت منه ، واعلم أن الغيرة على الحق لا تسوغ لأحد العدوان على الفضلاء والعلماء ، واعلم إنما نحترمك ما احترمت الأئمة ، والله الموعد ، والسلام .

وكتب
محب العلم والإنصاف ***على طريق صالح الأسلاف
أبو بكر يوسف لعويسي
جيجل: عروس البحر حرسها الله من كل شر
25 رمضان 1428 هـ
يتبع - إن شاء الله - في حلقات متسلسلة تصل إلى عشر حلقات ...
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-27-2009, 07:58 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين[ الجزء الثالث ]

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :
أما بعد : فإن الله جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبدا بمعرفته ويجمع قلبه على محبته شرح صدره لقبول صفاته العلى ، وتلقيها من مشكاة الوحي ، فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول وتلقاه بالرضا والتسليم واذعن له بالانقياد فاستنار به قلبه ، واتسع له صدره وامتلأ به سرورا ومحبة ، فعلم أنه تعريف من تعريفات الله تعالى تعرف به على لسان رسوله ، فأنزل تلك الصفة من قلبه ، فجال من المعرفة في ميادينها ، واسام عين بصيرته في رياضها وبساتينها لتيقنه بأن شرف العلم تابع لشرف معلومه ، ولا معلوم أعظم وأجل ممن هذه صفته ، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وأن شرفه أيضا بحسب الحاجة إليه ، وليس قدر حاجة الأرواح إلى شيء أعظم منها إلى معرفة باريها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج إليه والزلفى عنده ، ولاسبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه ، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب ، ومنه أخوف ، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد ، والله تعالى ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه ، فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضا ، وعنها نافرا معرضا منفرا ، فالله له أشد بغضا ، وعنه أعظم إعراضا ، وله أكبر مقتا ، حتى تعود القلوب إلى قلبين : قلب ذكر الأسماء والصفات قوته وحياته ونعيمه وقرة عينه ، ولو فارقه ذكرها ومحبتها لحظة لاستغاث ، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
ومن المحال أن يذكر القلب من هو محارب لصفاته نافر عن سماعها معرض بكليته عنها ، زاعم أن العلم ، والحكمة والسلامة في تأويلها والاعراض عنها .كلا والله إن هو إلا الجهالة والخذلان ، والإعراض عن العزيز الرحيم الرحمن ، فليس للقلب الصحيح قدر إلى شيء أشوق منه إلى معرفة ربه تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه ، ولا أفرح بشيء قدر فرحه بذلك ، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يضرب الله على قلبه سرادق الإعراض عنها والنفرة والتنفير والاشتغال بما لو كان حقا لم ينفع إلا بعد معرفة الله والايمان به وبصفاته وأسمائه .
والقلب الثاني : قلب تغذى بلبن البدعة ، كالمردود عليه الذي تعدى وأبعد النجعة ، فعقله مضروب بسياط الجهالة ، فهو عن معرفة ربه ومحبته مصدود ، وطريق معرفة أسمائه وصفاته كما أنزلت عليه مسدود .
فقد قمش المسمى شمس الدين – وما هو -كذلك – بل هو شمس البدعة والضلالة ، شبها من الكلام الباطل ، والرأي العاطل وارتوى من ماء آجن غير طائل تعج منه آيات الصفات وأحاديثها إلى الله عجيجا ، وتضج منه إلى منزلها ضجيجا ، بما يسموها تحريفا وتعطيلا، ويؤول معانيها تغييرا وتبديلا ، وقد أعد لدفعها فيما كتب أنواعا من العدد ، وهيأ لردها ضروبا من القوانين والقواعد ، وإذا دعي إلى تحكيمها أبى واستكبر وقال: بما جاء به أسلافه : تلك أدلة لفظية وأحاديث آحادية لاتفيد شيئا من اليقين ، قد أعد التأويل جُنة يتترس بها من مواقع سهام السنة والقرآن ، وجعل أثبات صفات ذي الجلال تجسيما وتشبيها يصد به القلوب عن طريق العلم والإيمان ، فهو مزجي البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتم الرسل والأنبياء،ولكنه مليء بالشكوك والشبه ، والجدال والمراء ، خلع عليه كلام الباطل خلعه الجهل والتجهيل ، فهو يتعثر بأذيال التكفير لأهل الحديث ، وللعلماء بالتبديع والتضليل ، قد طاف على أبواب الآراء والكلام يتكفف أربابها ،فانثنى بأخسر المواهب والمطالب ، وعدل عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية المراد وغاية الإحسان ، فابتلى بالوقوف على الأبواب السافلة المليئة بالخيبة والحرمان ، وقد لبس حلة منسوجة من الجهل والتقليد ،والتعصب والشبه والعناد، وقد بذلنا له النصيحة ودعي إلى الحق فأخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد .
فما أعظم المصيبة به وبأمثاله على أهل الإيمان ، وما أشد الجناية به على السنة والقرآن ، وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن ، وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان ، والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان ، ولهذا أمر الله به في السور المكية حيث لاجهاد باليد انذارا وتعذيرا ، فقال : ﴿ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا [ الفرقان :52].
فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله ، وخاصته من عباده الموصوفين بالهداية والتوفيق ، ومن مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق .[1]
لهذا لبست للحرب لأمته ووقفت على ثغرة من ثغور أهل السنة والإيمان ، أجاهد بالحجة والبرهان كل من رماهم بالسوء والبهتان ، موجها سهام الحق إلى شمس الضلالة الفتان ،الواقف منهم موقف الخذلان ، كاشفا عن مقالاته وما فيها من الباطل والعدوان ، سائلا المولى النصرة والتأييد بالسنة والقرآن ، وأن يحشرني يوم القيامة مع سيد الثقلين الإنس والجان .آمين .
--------------------
1 – مقتبس من مقدمة النونية لابن القيم بتصرف .

الصفحة [2]
عملي في هذا الرد :
لقد كنت ناصحته ، وكتبت إليه الرد الأول والثاني ، عساه يرجع وينثني ، إلا أنه تمادى بالظلم والعدوان ؛ فكان لابد من التصدي له والبيان لما جاء به من الإفتراء والبهتان، فبدأت بهذه المقدمة بينت فيها أهمية التوحيد ومعرفة الله تعالى ، وأنواع القلوب تجاه الأسماء والصفات ، وذكرت السبب الذي دفعني لأكتب هذا الرد ، وأن رد الحق إلى نصابه ، والدفاع عنه بالحجة والبرهان يعتبر من أعظم الجهاد ، ثم عقبته بمدخل إلى الموضوع بينت فيه أهمية التوحيد بأنواعه، واختلاف أهل القبلة في توحيد الأسماء والصفات وأنهم على ستة أقسام في إجراء النصوص ، القسم الأول منهم هم السلف الصالح ، والثاني هم الممثلة ،والثالث هم المؤولة ، والرابع هم المفوضة ، والخامس هم الواقفة ، والسادس هم المعرضون عن هذه العقيدة ،على ما ذكره الشيخ محمد صالح بن عثيمين رحمه الله ، ثم بينت أن مذهب السلف هو المذهب المنصور ، وأن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لم يختلفوا في مسألة واحدة من مسائل الصفات مع اختلافهم في مسائل الأحكام ، بل أنهم تلقوها بالقبول والتسليم وقابلوها بالإيمان والتعظيم .كما ذكره المقريزي في كتابه الخطط ، وابن عبد البر في التمهيد .
وبعدها ذكرت عشرة قواعد لأهل السنة والجماعة تميّز منهج السلف عن غيره من المناهج الكثيرة المنتسبة للسنة ، وبها يعرف السلفي من الخلفي ، والسني من المبتدع ، وهذه القواعد هي : التقيد بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ، وعدم التفريق بينهما ، وتقديمهما على العقل ورفض التأويل الفاسد ، وأن لايوصف الله سبحانه وتعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ، وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، والقول في بعضها كالقول في البعض الآخر ، والاعتصام بالألفاظ الشرعية التي وردت بها النصوص ، والقطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تمثيل أو تشبيه لصفاته بصفات المخلوقين ، وقطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله سبحانه وتعالى ، وأن عقيدة أهل السنة والجماعة مطابقة للفطرة سهلة وبسيطة ، والأخيرة وسطية أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال ، ثم عدت إلى القسم الرابع منها وهم المفوضة الذين ينسبون ذلك إلى السلف الصالح كما نسبه صاحب المقال إليهم ، فبينت خطأهم كما بينت معنى التفويض الذي ينسب إلى السلف ، وأنه تفويض الكيفية ، وليس التفويض المطلق الذي يشمل المعنى والكيفية.




الصفحة [3]
ثم جئت إلى الأسئلة المصنوعة والمقصودة التي وجهت إلى شمس الدين ، فذكرتها كما هي؛ مع أجوبتها التي أجاب بها ، مبتدئا في ذلك بالألهم فالأهم ،وكان أهم هذه المسائل مسألة الأسماء والصفات، ومنها صفة الاستواء ،ومسألة مجيء الله تعالى يوم القيامة لفصل القضاء ، لأنهما من مسائل العقيدة ، فوقفت عند كل فقرة من فقرات جوابه ، وبينت تلبساته على القراء، وضلالاته ، ثم أوضحت منهج السلف الصالح في هذه القضية ، وبينت خطأ ما نسب لإمام المفسرين ابن جرير الطبري ،والإمام أحمد من التأويل .
وبعدها ذكرت وقفة وقفتها مع قوله بتوحيد الحاكمية فبينت معناه عند من أطلقه ،وأنه مصطلح للخوارج في القديم والحديث ، فهم الذين جعلوا الحاكمية من شرط الإيمان ، وكذلك الشيعة الإمامية الذين جعلوه أخص وأهم أصول الدين في أئمتهم ، وبعد هذا بينت أن دفاعه عن سيد قطب هو دفاع عن رأس الخوارج والهجرة والتكفير في هذا العصر ، وأن العلماء الذين انتقدوه ، على حق ، ولم يقولوا ذلك من عند أنفسهم بل مما خطه سيد رحمه الله بيده ، ثم وقفت معه وقفة طويلة مع مصطلح الحشوية الذي يردده كثيرا، فبينت معناه عند من أطلقه ثم بينت أن أول من أطلقه هم المعتزلة ثم أخذته عنهم الفرق الأخرى فنبزت به أهل السنة ، فبينت تلك الفرق ورددت عليهم وبينت أنه أحق بأن ينبز بذلك اللقب الشنيع من أهل العلم على منهج السلف ، ثم تطرقت إلى مصطلح جديد طالعنا به هذا المجتهد في الضلالة ، وهوقوله : احذروا النهاشون .. يقصد بهم علماء الجرح والتعديل ،قاتله الله من جويهل ..يريد بذلك أن نطمس هذا العلم، وأن يسكت العلماء عن كل مبتدع ضال ، أو عن كل ما ينسب إلى الدين مما ليس منه ، معتبرا ذلك من الغيبة المحرمة ، فرددت عليه؛ وبينت أن التعرض لحال الرواة جرحا وتعديلا ، أو لبيان حال المبتدعة ليس من باب الغيبة في شيء ، وذكرت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة ، ثم جئت على أخطائه في فقه السنة ، فبينت مسألة دعاء الاستفتاح ، وكذلك مسألة الوقوف في الصف ، وتسوية الصفوف وسد الخلل ، والفرج فيها ، مع بيان الأخطار المترتبة على تركها ، وكذلك تفويت االفضل والأجر العظيم في إغفالها وإهمالها ، كما بينت مسألة إخراج زكاة الفطر نقودا ، وأن في جوابه على ذلك اتهام للنبي صلى الله عليه وسلم ،ولم يفتني أن أبين مذهب مالك في المسألة ، وفي الخاتمة ذكرت فيها معنى السنة عند علماء السلف ، ليكون القارئ على بينة من أمر هذا الرجل ، وأنه هو الذي يفهم السنة فهما خاطئا بعيدا عن منهج السلف الصالح.

الصفحة [4]
تنبيه : لقد قمت بتصوير مقالاته التي نشرها على صفحات الجرائد وألحقتها بآخر هذا البحث لمن يريد أن يتأكد ، ويعلم أننا لم نقوله ما لم يقل ، بل كل ما نسبناه إليه من أقواله التي خطتها يمينه الآثمة ، وأنني رددت عليه بما يقتضي المقام مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة ،وفهوم علماء السلف الصالح ، وما تقتضيه اللغة العربية ،وقد كنت نصحته فيما سبق ورددت عليه بردين أرسلتهما إلى جريدة الشروق لينشرا حتى يعرف القراء الكرام المحق من المبطل ، ولكن القائمين عليها لم يفعلوا واكتفو بإعطاء المقالين إلى المردود عليه ، مما زاده غيضا وحنقا وتعنتا ،فكتب ردا آخر مشحونا بالطعن والشتم مرة ، وإشاعة الفاحشة والافتراء مرة أخرى ،فدفعني ذلك لأكتب هذا الرد في هذه المسأئل ليستدل بها على غيرها من المسائل الكثيرة التي خالف فيها منهج السلف ، وليظهر للقاريء جليا أنه جاهل ، وأنه جمع من كل الفرق نصيبا من الشر مما ليس تحته طائل، إلا الخير المتمثل في منهج أهل السنة والجماعة الأفاضل ، والله حسيبه ويتولاه بعدله .
وأخيرا :ذكرت فهرسا للمراجع التي استقيت منها البحث ، حتى التي أخذت منها ولم أعز إليها لبعدها عني أو لعدم تمكني من مراجعتها لضيق وقتي واشغتالي بأمور أخرى ،كما ذكرت فهرسا للموضوعات التي وردت في البحث ، هذا -والله أسأل- أن يتقبله مني خالصا لوجهه الكريم ، فإن أصبت فمن الله وحده ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وحسبي أني اجتهدت في إصابة الحق ، والدفاع عن المظلومين بالصدق ، وعند الله يلتقي الخلق ، ويقضي الله بينهم في كل ما عظم ودق .
وصلى اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
وكتبه :
أبو بكر يوسف لعويسي
حي الرمضانية بلدية الدويرة الجزائر العاصمة .
يوم :26/ربيع الأول 1429 هـ - الموافق 03/04/2008م



الصفحة [5]

مدخل:
أمابعد : إن أهم ما ينبغي أن تصرف فيه الأوقات وتفنى فيه الأعمار هو تحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة ، توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ،وتوحيد الأسماء والصفات ، لأن الفوز والنجاة يوم القيامة متوقف على تحقيقه على مراد الله ومراد رسوله والإخلاص فيه لله وحده ، وعدم صرف شيء من ذلك لغير الله أو الإلحاد فيه .
واعلم رحمك الله ، أن المسلمين مجمعون على توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، أي أنه يجب إفراد الله عز وجل بالربوبية كما يجب إفراده بالعبادة [1].
أما توحيد الأسماء والصفات فهو الذي اختلف فيه أهل القبلة اختلافا يمكن أن نقول : إنه على ستة أوجه في إجراء النصوص [2].
1 – القسم الأول: منهم من أجرى النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل : وهؤلاء هم السلف الصالح واتباعهم – أجروا النصوص على ظاهرها اللائق بالله وتركوا ما وراء ذلك .
ف﴿ الرحمن على العرش استوى [طه :5 ] . قالوا: إن ظاهره أن الله استوى على العرش أي علا عليه ، فنؤمن بأن الله سبحانه وتعالى نفسه علا على العرش كما يليق بجلاله ، ولانلتفت لما رواء ذلك . فلا نقول : أين الله قبل أن يخلق العرش ؟ وهل استواؤه على العرش بمماسة أو بانفصال ، أو كيف استوى ، أو إن استواؤه على العرش للحاجة إليه ، أو أن ذلك يستلزم أنه مفتقر إلى العرش وإذا كان كذلك فهو حادث ، أو أن ذلك يقتضي أن يكون جسما أو ليس بجسم ، لأن هذه المسائل لم ترد لا في القرآن ولا في السنة إثباتا ولانفيا ، وهؤلاء هم السلف ، وأن طريقتهم على هذا الوجه أسلم وأعلم وأحكم ، أسلم لأنهم ما تعرضوا لشيء وراء النصوص ، وأعلم لأنهم أخذوا عقيدتهم عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأحكم لأنهم سلكوا الطريق الواجب سلوكها : وهو إجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله عز وجل .
--------------------
1 - مقتبس من إقتضاء الصراط المستقيم [ج1/854].
2- أنظر أصناف الناس في [الأسماء والصفات عند شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية [ ج1/46].



الصفحة [6]
ومن هؤلاء السلف ؟ والحقيقة المتفق عليها بين جميع العلماء والعقلاء هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة وسفيان الثوري ، وابن عيينة ، والأوزاعي، والزهري، وحماد بن نعيم، والبخاري ومسلم وغيرهم ،وأصحاب السنن من أئمة المسلمين الذي لا يحصون كثرة، ويطلق عليهم أهل السنة والجماعة ، وأهل الحديث ، وأهل الأثر..
2 - القسم الثاني : أجروا النصوص على ظاهرها ، وقالوا : النصوص على ظاهرها لكنها من جنس صفات المخلوقين ، قالوا : إن لله يد كأيدنا ، ووجها كوجوهنا ، وهؤلاء هم الممثلة ، وهؤلاء بلا شك ضالون لم يقدروا الله حق قدره ، ولو قدروا الله حق قدره ما جعلوا صفاته كصفات خلقه .
وهم أيضا متناقضون لأنهم لم يجعلوا الذات الإلهية كالذات المخلوقة ، ومعلوم أن الصفات فرع عن الذات ، فإذا كانت الذات لا تماثل ذوات المخلوقين ، فالصفات أيضا لا تماثل صفات المخلوقين لأن صفة كل ذات تناسبها .
فإن قال قائل : عندي قَدَمَ جمل ، وقال الآخر عندي قدم نملة ، هل يفهم أحد من الناس عاقل أن الذي عند الثاني كالذي عند الأول ؟ أبدا ، لأن ذات الجمل غير ذات النملة ، إذن صفاتهما مختلفة لا محالة ، فقوة الجمل وقوة النملة كلاهما قوة ، وهل هما متماثلان ؟ غير متماثلين ، لأن قوة النملة بسيطة ، تعجز عن شيء يسير ، أما الفيل فقوته عظيمة يحمل الشيء الكثير والكبير .
فإذا قال الله عن نفسه عز وجل : ﴿ بل يداه مبسوطتان [ المائدة :64] أو ﴿ لما خلقت بيدي هل يمكن لعاقل أن يتصور أن يد الله عز وجل كيد المخلوق ؟ لايمكن أبدا .
وكيف يمكن ذلك والله عز وجل يقول: ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فمن من المخلوقات يستطيع أن يطوي السموات بيمينه ؟ [الزمر :67] ويقول : ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
إذن هؤلاء ضالون لم يقدروا الله حق قدره ، فالله يقول : ﴿ليس كمله شيء وهم يقولون بل مثله شيء ، وهذا تكذيب لخبر الله تعالى ، ولهذا قال : نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله شيخ البخاري : من شبه الله بخلقه فقد كفر؛ ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر؛ وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها[1 ].
--------------------
1- سير أعلام النبلاء للذهبي [ج10/610][13/ 299] وشرح العقيدة الطحاوية [ص117].

الصفحة 7
3 - القسم الثالث : من أجروا النصوص على خلاف ظاهرها إلى معان إبتكروها بعقولهم ، وهؤلاء الذين يدعون أنهم العلماء والحكماء .
ويقولون طريقة السلف طريقة الذين يقرؤون الكتاب أماني ولا يعرفون معانيها ، أما نحن فأهل العلم والحكمة ، ولهذا قالوا : طريقة الخلف [ أي طريقتهم ] أعلم وأحكم . لذلك هم يجرون النصوص على خلاف ظاهرها إلى معان عينوها بعقولهم ، فقالوا : ﴿ استوى على العرش أي : استولى على العرش ، يد الله : أي قوته أو نعمته ، وجه الله : ثوابه ، مجيء الله : ثوابه ، نزول الله ، نزول أمر ، ورحمته ، غضب الله انتقامه وهكذا ..
لماذا قالوا ذلك ؟ لأن المعنى الظاهر من هذه النصوص ممتنع على الله عز وجل ، وإذا كان ممتنعا فلنا عقول نتصرف فيها.
فيقال لهم بكل بساطة : إذا كان الأمر كما قلتم فلماذا يتكلم الله عن نفسه بعبارات غير مقصودة ؟ ويجعل الأمر موكولا إلى عقولنا .مما يجعل بعض العقول واقفة حائرة ، وبعضها تجرأ على القول على الله بلا علم بل بالهوى المختلف ، الذي يقول فيه فلان : هذا واجب ، ويقول الآخر هذا ممتنع على الله ، ويقول الثالث : هذا جائز ...
ويقال أيضا لماذا جعل الله الحديث عن صفاته بكلمات لا يراد بها ظاهرها؟وهل هذا إلا تعمية؟ خلاف البيان الذي قال الله : ﴿ يريد الله ليبين لكم [النساء :26]وقوله تعالى : ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا [ النساء :176] .
فالحاصل أن هؤلاء ضالون مخطئون مرتكبون لضلالات تتضمن كل ضلالة منها القول على الله بغير علم .فقولهم : إن الله لم يرد كذا .. ولكن أراد كذا .. فهذا قول على الله بلا علم ، كيف لايريد ذلك وهو ظاهر لفظه ؟فمن أين لكم أنه ما أراده ؟؟.
وقولهم : أنه أراد كذا .. فأولوا الصفة إلى تلك التي أرادوها لا ما أرادها ، فهذا أيضا قول على الله بلا علم ، لأنه إذا انتفت إرادة الظاهر بقي ما يخالف الظاهر قابلا لاحتمالات كثيرة ، فما الذي يجعل هذا الاحتمال الذي عينتموه وقلتم به هو المراد دون غيره من المحتملات ؟؟.
والضلالة الثالثة، أن يقال لهم لقد جعلتم كلام الله الغازا وأنه أوكل إلى عقولكم أن تحملوها على معان معينة ، ولو صح تأويلكم لما عينتموه لكان خطابا من عاجز عن الكلام على الحقيقة بما يفهم الخطاب، فلذلك لجأ الى الألغاز التي لا تفهم إلا بتأويلكم ، وكأن طرق الكلام ضاقت عليه سبحانه حتى تضيفوا إليه تلك التأويلات التي نسبتموها إليه بلا علم .

الصفحة [8]
4 - القسم الرابع : قسم قالوا : نفوض ولا نقول معناها كذا ولا كذا ، نقرأ القرآن والحديث وكأنما نقرأ لغة لانعرفها ولا نفهمها أو كأننا عامة لا يعلمون الكتاب إلا أماني . هؤلاء يقولون كل نصوص الصفات غير معلومة المعنى .
فيقال لهم : ما تقولون في قوله تعالى : ﴿ الرحمن على العرش استوى قالوا أجروها كما جاءت الله أعلم بمعناها . وكذلك قالوا في باقي الصفات .
فيقال لهم ، نعم كل شيء الله أعلم ، لكنه عز وجل أنزل علينا كتابا مبينا :﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب وقوله تعالى : ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبينا لكل شيء [ النحل : 89]أي فائدة لنا في قرآن لا نعرف معناه ؟ وهل يمكن أن نتمثل أمر الله الله عز وجل ونحن لا نفهم الخطاب ، وهل يمكن أن نعرف الله ونحن لا نفهم عنه ما خاطبنا به ليتعرف به إلينا ، وهل يمكن أن نعظم الله ونحن لا نعرف مراده ، وهل يمكن أن ننفي عنه النقائص والعيوب ونحن لا نعلم ما أراد بكلامه ؟ ما الجواب ؟ الجواب : لايمكن ذلك البتة ، ولا يقوله عاقل ، وإذا كنتم معنا تقولون : أن آيات الأحكام وأحاديث الأحكام معلومة المعنى ، فالناس يعرفون الصلاة والصيام والحج ، فلماذا لا تجعلون آيات الصفات – وهي أعظم – معلومة المعنى؟ لأنها تتعلق بذات الخالق عز وجل ، وآيات الأحكام تتعلق بعمل المخلوق ، فلذا لاتجعلون هذه أولى بالعلم ؟ وهؤلاء يسمون عند أهل السنة والجماعة : المفوضة.وهؤلاء يقولون إن التفويض هو مذهب السلف[1].
ويقولون : أهل السنة قسمان : قسم مؤولة ، وقسم مفوضة ، هذا واقع ، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : - وصدق فيما قال – قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد [2] .
ويعني قولهم ذلك أن الله أنزل إلينا كتابا ورسوله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأخبار فيما يتعلق بذات الرب عز وجل وصفاته ، كله ليس له معنى ولا يجوز أن نتكلم بمعناه ، هذا من أعظم ما يكون من إلالحاد والكفر ، وفيه من الاستهانة بالقرآن الكريم والذم له ما لايعلمه إلا من تأمل هذا القول الفاسد الباطل .
--------------------
1 - أنظر العقيدة النظامية لأبي المعالي الجويني [ص32 – 33] .
2 - درء تعارض العقل والنقل [ج1/205].

الصفحة [9]
يقول الشيخ عبد المحسن العباد في شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني [ص27]: فالسلف لايفوضون المعنى ، وإنما يفوضون الكيفية ، ومن زعم أن طريقة السلف من الصحابة ومن تبعهم تفويض في معاني الصفات ، فقد وقع في محاذير ثلاثة هي : جهله بمذهب السلف ، وتجهيله لهم ، والكذب عليهم .
أما جهله بمذهب السلف ، فلكونه لا يعلم ما هم عليه ، وهو الذي بينه الإمام مالك في كلامه المشهور في الاستواء . قلت : وسيأتي – إن شاء الله – .
وأما تجهيله لهم ، فذلك بنسبتهم إلى الجهل ، وأنهم لا يفهمون معاني ما خوطبوا به ، إذ طريقتهم - على زعمه- في الصفات أنهم يقولون : الله أعلم بمراده بها .
وأما الكذب عليهم ، فإنما هو بنسبة هذا المذهب الباطل إليهم ، وهم براء منه .
5 - القسم الخامس : قالوا : والله نحن ما نتكلم ، نقول : يجوز أن يكون المراد بها الظاهر اللائق بالله ، ويجوز أن يكون المراد بها الظاهر المماثل للمخلوقين ، ويجوز أن يكون المراد خلاف الظاهر ، ويجوز أن لايكون المراد بها شيء . كل هذا ممكن وجائز ، وما دامت الاحتمالات قائمة فالواجب الإمساك .والفرق بين المفوضة وبينهم أن المفوضة يقولون : لانقول شيء أبدا يعني لا يمكن أن تعلم المعنى ، وهؤلاء يقولون : يحتمل كذا ، ويحتمل كذا ولكن نكف عن القول ما دام هذه الاحتمالات واردة ، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال .ويسميهم البعض الواقفة .
6 - القسم السادس : قوم أعرضوا عن هذا كله وقالوا : أتركونا من الكلام في هذه الأمور ، لا تقولوا شيء في صفات الله تعالى ، فإن ذلك قد عفا عنه الزمان ، وذلك نبش للقبور ، وأن الكلام في ذلك لايخدم الدعوة ، ويأخرها ، فنحن نقرأ القرآن ونتعبد الله تعالى بقراءته ولا نتعرض لمعناه فيما يتعلق بالصفات إطلاقا ؟ لأن هذا سيفرق الأمة ، ولا يمكننا من الحكم .


الصفحة [10]
اعتقد ما شئت ، قل أن ظاهرها اللائق بالله مراد ، أو غير مراد ،أو أن المعنى يحتمل خلاف الظاهر؛ أو يحتمل كذا وكذا من التأويلات ، المهم أن تعتقد في نفسك أي شيء وتسكت ، لأن ذلك لا يناسب الوقت ، ولايصلح للدعوة في هذا العصر ، أو أنه غير مهم ، وهؤلاء الساكتون في الظاهر المميعون بقلوبهم ، ما عرفوا خطاب الله ، ولا عرفوا ما جاءت به الرسل .
فيقال لهم : ما فائدة خطاب الله تعالى لنا بهذه الآيات الكثيرة التي تعرف إلينا بها ، ووصف لنا بها نفسه ، أم أنزلها عبثا ؟ لنمر عليها مرور الكرم ، أو لنعتقد فيها ما نشاء بأهوائنا المختلفة وعقولنا القاصرة ، ونترك مأاراد الله منا ، أم نرجيها ولا نعتقد فيها شيئا إلى أن تتحق النتيجة المزعومة في الحكم المزعوم ، وأين أنتم من دعوة الرسل ، فما جاء رسول إلا كان أول ما يدعو إليه التوحيد بأنواعه ، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم بقي أكثر من ثلاثة عشر سنة يدعو إلى ذلك ، بل إنه لم يغفل الدعوة إلى التوحيد؛ ووصف الله تعالى بالصفات التي تليق به إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم فهذا القول من أبطل الباطل .. ومع ذلك هم يتكلمون في أشياء ليس من روائها طائل .
منهج السلف هو الحق وطريقتهم أعلم وأحكم وأسلم:
ولما إنقسم أهل القبلة المنتسبون للإسلام إلى هذه الانقسامات ، كان مذهب السلف هو المذهب المنصور ، والحق الثابت المأثور ، وأهله هم الفرقة الناجية والطائفة المرحومة المرضية ، التي هي بكل خير فائزة ، ولكل مكرمة راجية ، من الشفاعة والورود على الحوض ، ورؤية رب البرية ، وغير ذلك من سلامة الصدر لمن وصفوا بالخيرية ، والإيمان بالقدر والأفضلية، والتسليم لما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة خير البرية ..
يقول الشيخ العتيمين رحمه الله في كتابه شرح السفارينية : فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين ، كما يقوله بعض من لاتحقيق له بذلك ؛ ممن لا يقدر قدر السلف الموصوفين بالعدالة والتزكية، ولاعرف الله تعالى ؛ ولا رسوله ، ولا المؤمنين به ؛ حق المعرفة المأمور بها ؛ وهي أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم .
وهؤلاء إنما أوتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث؛ من غير فقه لذلك، وأنها بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات؛وغرائب اللغات ،والتحريفات والتأويلات،فكانت بذلك أعلم وأحكم ..
وهذا الظن الفاسد ؛ أوجب تلك المقالة التي مضمونها ؛ نبذ منهج السلف وراء ظهورهم ، وقد كذبوا وأَفِكُوا على طريقة السلف الصالح ، وضلوا في تصويب طريقة الخلف ،فجمعوا بين باطلين ، الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم ، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم من الخلف .
قال ابن رجب في كتابه [ بيان فضل علم السلف على علم الخلف ] وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ..

يتبع إن شاء الله ...
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-27-2009, 08:35 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [الجزء الرابع ]


يقول الشيخ عبد المحسن العباد في شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني [ص27]: فالسلف لايفوضون المعنى ، وإنما يفوضون الكيفية ، ومن زعم أن طريقة السلف من الصحابة ومن تبعهم تفويض في معاني الصفات ، فقد وقع في محاذير ثلاثة هي : جهله بمذهب السلف ، وتجهيله لهم ، والكذب عليهم .
أما جهله بمذهب السلف ، فلكونه لا يعلم ما هم عليه ، وهو الذي بينه الإمام مالك في كلامه المشهور في الاستواء . قلت : وسيأتي – إن شاء الله – .
وأما تجهيله لهم ، فذلك بنسبتهم إلى الجهل ، وأنهم لا يفهمون معاني ما خوطبوا به ، إذ طريقتهم - على زعمه- في الصفات أنهم يقولون : الله أعلم بمراده بها .
وأما الكذب عليهم ، فإنما هو بنسبة هذا المذهب الباطل إليهم ، وهم براء منه .
5 - القسم الخامس : قالوا : والله نحن ما نتكلم ، نقول : يجوز أن يكون المراد بها الظاهر اللائق بالله ، ويجوز أن يكون المراد بها الظاهر المماثل للمخلوقين ، ويجوز أن يكون المراد خلاف الظاهر ، ويجوز أن لايكون المراد بها شيء . كل هذا ممكن وجائز ، وما دامت الاحتمالات قائمة فالواجب الإمساك .والفرق بين المفوضة وبينهم أن المفوضة يقولون : لانقول شيء أبدا يعني لا يمكن أن تعلم المعنى ، وهؤلاء يقولون : يحتمل كذا ، ويحتمل كذا ولكن نكف عن القول ما دام هذه الاحتمالات واردة ، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال .ويسميهم البعض الواقفة .
6 - القسم السادس : قوم أعرضوا عن هذا كله وقالوا : أتركونا من الكلام في هذه الأمور ، لا تقولوا شيء في صفات الله تعالى ، فإن ذلك قد عفا عنه الزمان ، وذلك نبش للقبور ، وأن الكلام في ذلك لايخدم الدعوة ، ويأخرها ، فنحن نقرأ القرآن ونتعبد الله تعالى بقراءته ولا نتعرض لمعناه فيما يتعلق بالصفات إطلاقا ؟ لأن هذا سيفرق الأمة ، ولا يمكننا من الحكم .
اعتقد ما شئت ، قل أن ظاهرها اللائق بالله مراد ، أو غير مراد ،أو أن المعنى يحتمل خلاف الظاهر؛ أو يحتمل كذا وكذا من التأويلات ، المهم أن تعتقد في نفسك أي شيء وتسكت ، لأن ذلك لا يناسب الوقت ، ولايصلح للدعوة في هذا العصر ، أو أنه غير مهم ، وهؤلاء الساكتون في الظاهر المميعون بقلوبهم ، ما عرفوا خطاب الله ، ولا عرفوا ما جاءت به الرسل .
فيقال لهم : ما فائدة خطاب الله تعالى لنا بهذه الآيات الكثيرة التي تعرف إلينا بها ، ووصف لنا بها نفسه ، أم أنزلها عبثا ؟ لنمر عليها مرور الكرم ، أو لنعتقد فيها ما نشاء بأهوائنا المختلفة وعقولنا القاصرة ، ونترك مأاراد الله منا ، أم نرجيها ولا نعتقد فيها شيئا إلى أن تتحق النتيجة المزعومة في الحكم المزعوم ، وأين أنتم من دعوة الرسل ، فما جاء رسول إلا كان أول ما يدعو إليه التوحيد بأنواعه ، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم بقي أكثر من ثلاثة عشر سنة يدعو إلى ذلك ، بل إنه لم يغفل الدعوة إلى التوحيد؛ ووصف الله تعالى بالصفات التي تليق به إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم فهذا القول من أبطل الباطل .. ومع ذلك هم يتكلمون في أشياء ليس من روائها طائل .


الصفحة [2]


منهج السلف هو الحق وطريقتهم أعلم وأحكم وأسلم:
ولما إنقسم أهل القبلة المنتسبون للإسلام إلى هذه الانقسامات ، كان مذهب السلف هو المذهب المنصور ، والحق الثابت المأثور ، وأهله هم الفرقة الناجية والطائفة المرحومة المرضية ، التي هي بكل خير فائزة ، ولكل مكرمة راجية ، من الشفاعة والورود على الحوض ، ورؤية رب البرية ، وغير ذلك من سلامة الصدر لمن وصفوا بالخيرية ، والإيمان بالقدر والأفضلية، والتسليم لما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة خير البرية ..
يقول الشيخ العتيمين رحمه الله في كتابه شرح السفارينية : فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين ، كما يقوله بعض من لاتحقيق له بذلك ؛ ممن لا يقدر قدر السلف الموصوفين بالعدالة والتزكية، ولاعرف الله تعالى ؛ ولا رسوله ، ولا المؤمنين به ؛ حق المعرفة المأمور بها ؛ وهي أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم .
وهؤلاء إنما أوتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث؛ من غير فقه لذلك، وأنها بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات؛وغرائب اللغات ،والتحريفات والتأويلات،فكانت بذلك أعلم وأحكم ..
وهذا الظن الفاسد ؛ أوجب تلك المقالة التي مضمونها ؛ نبذ منهج السلف وراء ظهورهم ، وقد كذبوا وأَفِكُوا على طريقة السلف الصالح ، وضلوا في تصويب طريقة الخلف ،فجمعوا بين باطلين ، الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم ، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم من الخلف .
قال ابن رجب في كتابه [ بيان فضل علم السلف على علم الخلف ] وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ..
وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم ، فإنه حدث حوادث كثيرة ، وبدع عظيمة ، مثل كلام المتكلمين والفلاسفة فهو شر محض ، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم ، كما قال الإمام أحمد رحمه الله : لا يخلو من نظر في الكلام إلا تجهم .
فإذا تأمل العاقل الفهيم نهاية ما يكره من أهل النظر والفلسفة والكلام من جميع طوائف المبتدعة يجد الذي في القرآن أكمل منه وأوضح بيانا مع سلامته من المراء والجدال ، وزبالات أفهام الرجال ، ومن لم يكن علمه متلقى من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة فهو غير نافع في نفسه ولا منتفع به ، بل ضرره أكثر من نفعه ، وعلامة هذا – كما قال الحافظ ابن حجر – أن يكتسب صاحبه الزهو والفخر ، والعجب والخيلاء ، وطلب مباهاة العلماء ، ومماراة السفهاء ، وصرف وجوه الناس إليه .


الصفحة [3]


واعلم أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تنازعوا في كثير من المسائل الأحكام ، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأئمة إيمانا بلا انفصام ، ولكن - بحمد الله تعالى – لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال .
بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة الصحيحة ، وعلى كل حال فكلمتهم واحدة ، من أولهم إلى آخرهم ، لم يسموها تأويلا ، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا ، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا ، ولا ضربوا لها مثالا ، ولم يدفعوا في صدورها ، وأعجازها ، ولم يقل أحد منهم : يجب صرفها عن حقائقها ، وحملها على مجازها .
بل تلقوها بالقبول والتسليم ، وقابلوها بالإيمان والتعظيم ، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع ، حيث جعلوا القرآن عضين ، فأقروا ببعض آيات الصفات ، وأنكروا بعضها من غير فرقان بيّن ، ومع أن اللازم لهم فيما أنكروه ، كاللازم لهم فيما أقروا به وأثبتوه .
فأهل الإيمان إذا تنازعوا في شيء من القرآن ، ردوه إلى الله ورسوله ، فكل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين ودقه وجله جليه وخفيه ، ردوه إليهما .
فلو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بيان ما تنازعوا فيه ، لم يأمر الله بالرد إليه .إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند التنازع إلى من لايوجد عنده فصل النزاع .
وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حايته ، وإلى سنته بعد وفاته [1].
---------
1- مختصر لوامع الأنوار البهية [ ص08 ]. لمحمد بن علي بن سلوم ، حققه وضبطه محمد زهري النجار .


الصفحة [4]


وقد قعد علماء السلف قواعد في فوائد هامة تبين منهج أهل السنة والجماعة في إثبات العقيدة الصحيحة التي يجب أن يعتقدها كل مسلم ويتعبد الله بها حتى يسلم ولا يزيغ فيضيع بين تلك الفرق الهالكة التي خالفت منهج السلف أو ادعت الانتساب إليه جهلا وكذبا وزورا ،كالمردود عليه الذي جمع بين شر كل الفرق ، وإليك هذه القواعد ..
1- اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح :
اعلم أن عقيدة السلف الصالح مبنية على الدليل من كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، قال الله عز وجل :﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون [الأعراف:3] وقال : ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا[الأحزاب :36] وقال :﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب [الحشر :7].
وقال﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصبيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [النور :63]وقال: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصييرا[النساء :115] فقوله : سبحانه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين أي الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ،يبين هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية :<< ... فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسسكوا بها وعضوا عليها بالواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلاله >>[1]. وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: << إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مله ، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة >>[2].
---------
1 - رواه أبو داود [4607] وهذا اللفظ له، والترمذي [2676] وقال: حديث حسن صحيح .
2 - رواه أحمد [ح16937]وأبو داود [4597] وفي رواية : << ما أنا عليه اليوم وأصحابي >> .


الصفحة [5]


وهذا موضع الشاهد منه لأن كل هذه الفرق التي اختلفت وخالفت لايمكن أن تنكر الانتساب للكتاب والسنة ،بل كل منهم تدعي أنها على السنة، وأنها على الحق وغيرها على الباطل ، ولكنهم ينكرون فهم السلف الصالح؛ ويقولون هم رجال ونحن رجال ، أو أن ذلك عصر ونحن لنا عصرنا ، أو ينسبون إليهم أنهم لايفهمون ما خطبوا به من نصوص الكتاب والسنة فيقولون طريقة السلف أسلم ، وطريقتهم أعلم وأحكم ،وهذا بيّن البطلان لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى التمسك بطريقة أصحابه مبتدئا بما كان عليه خلفاؤه الراشدون ثم صحابته الكرام وهذا ما امتاز به أتباع منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة ،{{ التقيد بالكتاب والسنة على فهم الصحابة }} فهو المنهج الأعلم والأحكم والأسلم .والأدلة على ما نقول أكثر من تحصى وقد جمعت في ذلك مؤلفات، ولكن تغني الإشارة عن العبارة ، والتلميح عن التصريح ،بما ذكرنا من التوضيح .
وقد أوضح ما كان عليه الصحابة والتابعون في صفات الله عز وجل الشيخ أبو العباس أحمد بن علي المقريزي في كتابه الفذ{ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار }[1 ]وعنه عبد المحسن العباد في شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني [ص13].فليراجع، وكذلك نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه العظيم الفتح عند شرحه باب قول الله تعالى:﴿ ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة : 67] كلاما نفيسا لأبي المظفر السمعاني ، استدل به هذا الأخير على فساد طريقة المتكلمين وصحة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته[2].
2 - عدم التفريق بين الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضوان الله عليهم :
يقول محمد آمان الجامي رحمه الله : في كتابه :{ الصفات الإلهية في الكتاب والسنة }:يرى السلف أن السنة تبين الكتاب وتوضحه ، بل السنة خير تفسير يفسر به القرآن بعد القرآن ، بل قد يتوقف فهم بعض ما أجمل في القرآن إلا بواسطة السنة ، وقد ترد بعض صفات الله تعالى في السنة غير مذكورة في الكتاب ، فيجب الأخذ بها مع القرآن دون محاولة تفريق بينهما ، لأنها وحي من عند الله قال عز وجل :﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم :2-3] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< .. لاألفين أحدكم جالسا على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول : دعونا من هذا وهاتوا كتاب الله ، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليا الحوض >>.[3]
--------------------
1 - [ ج 2/ 356].
2 – الفتح [ج13/507]. 3- رواه أبو داود وغيره .


الصفحة [6]


قلت: وقوله : << لن يفترقا حتى يردا علي الحوض >> أي إلى يوم القيامة ، وهذا فيه استمرارية تلازمهما وحجيتهما ؛وأنهما صالحان لكل زمان ومكان، وعليهما صَلُحَ حال الرعيل الأول من هذه الأمة ولن يصلح آخرها إلا عليهما بذلك الفهم الصالح لخير القرون على الإطلاق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،فما كان السلف رضي الله عنهم يفرقون بين الأحاديث ويقولون هذه أحاديث متواترة قطعية الثبوت ؛ قطعية الحجية، وهذه أحاديث آحاد ظنية الثبوت ، ظنية الحجية ، وعليه لانثبت بها عقيدة من العقائد إلاإذا كانت ثابتة بالتواتر؛ بل كانوا يأخذون بكل ثابت عنه صلى الله عليه وسلم ويقولون نؤمن به كل من عند ربنا .
3 – تقديم النقل على العقل ورفض التأويل الفاسد :
ونقدم النقل -ونقصد به الوحي من الكتاب والسنة الثابتة - لأن مايجب أن يعتقد هو من علم الغيب ، ولايمكن معرفة ذلك إلا بالوحي كتابا وسنة ، وأن ماجاء فيهما فإن العقل السليم يوافقه ولا يعارضه ، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاب واسع جيد ،أثبت فيه صحة القاعدة التي تقول أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح واسمه{درء تعارض العقل والنقل}وقد طبع .
يقول محمد أمان الجامي في كتابه المذكور آنفا : وتقريرنا بأن النقل مقدم على العقل لاينبغي أن يفهم منه أن السلف ينكرون العقل ، والتوصل به إلى المعارف ، والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة ، فهم لايعطلون العقل ، ولكنهم لا يسلكون في استعماله الطريقة التي سلكها علماء الكلام في الاستدلال بالعقل وحده في المطالب الإلهية من محاولة الاكتفاء به أحيانا ، وتقديسه بحيث يقدمونه على كلام الله خالق العقل والعقلاء وعلى سنة رسوله التي هي وحي أوتيه مع القرآن ...
وباختصار : إن السلف إنما يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية إيمانا منهم بأن الله أرسل الرسل ، وأنزل عليهم الكتب من عنده ، وكلفهم ببيان ما يحتاج إلى بيان "لأمر له شأنه " وهو أنه ما جاء في هذه الكتب وبلغته الرسل يغني عن كل شيء . وأما غيره فلا يغني عنه . هذه النقطة هي "سر المسألة " فلا يسع الخلف إلا اتباع السلف على أساس أنهم أعلم؛ وطريقتهم أحكم وأسلم .
ولذلك رفضوا التأويل الفاسد الذي قصده أهل الكلام ،فلفظ التأويل قد صار مستعملا في ثلاثة معان على ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد الاصطلاحات :


الصفحة [7]


أحدها : وهو اصطلاح كثير من المتأخرين – من المتكلمين – أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل النصوص ، وهو الذي يرفضه أتباع السلف الصالح قديما وحديثا ، لأنه يؤدي إلى القول على الله بغير علم .
النوع الثاني : التأويل الذي هو بمعنى التفسير والبيان ، وهو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن الكريم كابن جرير الطبري رحمه الله في كتابه تأويل آي القرآن وغيره من المتقدمين ، والقاسمي من المتأخرين وله كتاب اسمه محاسن التأويل .
النوع الثالث : التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، كما قال تعالى :﴿ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق[البقرة :210] وأمثلة هذا النوع كثيرة في القرآن لاسيما ما يتعلق بأخبار المعاد .أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية الكبرى ، وتصرفت في شيء منه.
فالتأويل في اصطلاح المتكلمين إنما يعني اتخاذ العقل أصلا حتى يكون النقل تابعا له ؛ فإذا ظهر تعارض بينهما– في زعمهم – فينبغي تأويل النص حتى يوافق العقل.ولذلك قعدوا قاعدة لهم فقالوا : وكل نص أوهم التشبيها *** أوله أو فوضه ورم تنزيها .
ومن هنا كانت جناية التأويل بهذا المعنى على العقيدة الإسلامية الصحيحة جناية عظيمة ،أدت إلى افتراق الأمة { أيدي سبأ } ومزقتها كل ممزق ،وكل ما حصل في الأمة من شر كان بسب التأويل الفاسد [1].
4 – أن لايوصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه ، أو وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث : قاله شيخ الاسلام ابن تيمية في الحموية .
فمن وصفه بما لم يصف به نفسه ، أو لم يصفه به رسوله فقد ضل ، وقال على الله بلا علم ، ومن ذلك صنيع الفلاسفة الذين سموه العقل الفعال ، والمعتزلة الذين جعلوا القِدم أخص صفاته ، وهذا الاسم إلى كونه ليس في كتاب الله فإنه لا يؤدي المعنى الذي أناطوه به . واللفظ الشرعي الوارد في قوله تعالى :﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد:3] أدل على المعنى المطلوب وأرضى للرب .
--------------------
1 – أنظر كتاب جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية ، لمؤلفه الدكتور أحمد لوح ، طبع دار عفان للنشر والتوزيع السعودية / الطبعة الأولى :1418هـ/1997م فإنه كتاب قيم ومفيد .


الصفحة [8]


فالسلف رضي الله عنهم أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه سلم ، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه ، وما نفاه عنه رسوله ،على ما يليق بجلاله وكماله ، ويقولون : لا أحد أعلم من الله بنفسه ، ولا أحد أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم .ودستورهم في ذلك قوله تعالى :﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
قال الأوزاعي : كنا –والتابعون متوافرون- نقول : إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات . أنظر الأسماء والصفات للبيهقي .
5 – الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر .
أهل السنة والجماعة يقولون إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، فكما أننا نثبت لله ذات لا تشبه ذوات المخلوقين ، فيجب أن نثبت كل ما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة من الصفات دون أن يكون فيها مشابهة للمخلوقين ،فكما قلتم أن إثبات الذات إنما هو إثبات وجود لا كيفية ، فكذلك ينبغي عليكم أن تقولوا في الصفات إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية . ويقولون لمن أثبت بعض الصفات وأوّل بعضها ، وهم الأشاعرة ومن وافقهم : القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر ؛ فإن ما أثبتم من الصفات على وجه يليق بالله عز وجل ، يلزمكم إثبات الباقي على هذا الوجه اللائق بالله [1].
6 – الاعتصام بالألفاظ الشرعية :
الاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في هذا الباب نفيا وإثباتا ،والتوقف في الألفاظ التي لم يرد نص بذكرها نفيا ولاإثباتا كلفظ الجسم ، والحيز والجهة ، والمكان ونحو ذلك ، والاستفصال عن مراد من أطلقها فإن كان المعنى الذي أراده صحيحا قُبل وعبر عنه باللفظ الشرعي ، وإن كان معنى باطلا لم يقبل .
يقول شيخ الإسلام في هذا المعنى : فالواجب أن ينظر في هذا الباب ، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه ، وما نفاه الله ورسوله نفيناه ، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي ، فنثبت ماأثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني .
-----------
1 - انظر توضيح هذين الأصلين في كتاب التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية [ ص31 /46].


الصفحة [9]


7– القطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تمثيل أو تشبيه لصفاته بصفات المخلوقين:
فينبغي أن يقطع النظر والاعتقاد يقينا بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم تمثيل أو تشبيه ،ومن شبه الله بخلقه أو مثله بهم فقد كفر كما قال نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله : من شبه الله بخلقه كفر ، ومن جحد شيئا مما وصف الله به نفسه كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه أو تمثيل [1].
8 – قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله سبحانه .
فهذه القاعدة كسابقتها، يجب الاعتقاد الجازم أنه يستحيل أن يدرك العقل مهما بلغ من العلم كيفية الصفات؛ وعليه يجب أن يسلم ويؤمن بها كما وردت بلا كيف ، ومن حاول إدراك شيء من ذلك خرج إلى ضروب من التشبيه والتمثيل ، والإلحاد [2].
9 – عقيدة أهل السنة والجماعة مطابقة للفطرة :
عقيدة أهل السنة والجماعة بسيطة لا تعقيد فيها ولا غموض ، فهي موافقة للفطرة ،قال النبي صلى الله عليه وسلم:<< كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..>>[3].وفي صحيح مسلم [ح2865] عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه قال :<<.. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم بأن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا.. >> .
وفي صحيح مسلم [ح 537] حديث الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله ؟ قالت في السماء . هذه الجارية بفطرتها أجابت بأن الله في السماء .
-----------
1 - اللالكائي ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة [ ج3 / ص532 ].
2 - أنظر : الشيخ الأمين الشنقيطي ، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات [ص28] نشر الجامعة الإسلامية .
3 - البخاري [ح1385] ومسلم [ح2658].


الصفحة [10]


قال أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين في نصيحته لمشايخه من الأشاعرة : فمن تكون الجارية الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال مظلم القلب ، لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان [1]. وفي ترجمة الرازي ، وهو من كبار المتكلمين الذين رجعوا في آخر حياتهم إلى معتقد أهل السنة والجماعة قال: من إلتزم دين العجائز فهو الفائز [2].


يتبع إن شاء الله ...
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-27-2009, 08:39 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين ]الجزء الخامس [
قال أبو محمد الجويني والد إمامالحرمين في نصيحته لمشايخه من الأشاعرة : فمن تكون الجارية الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال مظلم القلب ، لا يستنير بأنوار المعرفةوالإيمان [1]. وفي ترجمة الرازي ، وهو من كبار المتكلمين الذين رجعوا في آخر حياتهمإلى معتقد أهل السنة والجماعة قال: من إلتزم دين العجائز فهو الفائز [2].
10 – وسطيةأهل السنة والجماعة بين فرق الضلال :
من تأمل هذه القواعد علم يقينا أن منهج أهل السنة والجماعةأتباع السلف الصالح وسط بين فرق الضلال ، كوسطية هذه الأمة بين الأمم ، فكل خيروعدل ، وشرف ، وفضل حازت عليه هذه الأمة التي جعلها الله وسطا بين الأمم شاهدةعليهم بقوله سبحانه : ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا ..فكل ذلك حاصل لأهل السنة والجماعة ، فهم وسط في باب أسماءالله وصفاته بين المعطلة والمشبهة ، ووسط في باب الأسماء والأحكام بين الخوارجوالمعتزلة ، وبين المرجئة ،ووسط في باب القدر بين القدرية نفاة القدر وبين الجبرية، ووسط في باب الصحابة رضي الله عنهم بين الخوارج والمعتزلة من جهة ، وبين الشيعةالروافض ، وهم وسط في باب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من أمته ، بينالغلاة في تعظيمه وتعظيم الصالحين ، وبين من فرطوا وقصروا في حقه وحق الصالحين منأتباعه المتمسكين بالكتاب والسنة.وقد أجمل شيخ الإسلام ابن تيمة –رحمه الله – هذهالأمور التي أهل السنة هم وسط فيها بين كل فرق الضلال في كتابه العقيدة الواسطية [ص107-113].فلتنظر .
لقد ذكرت في القسم الرابع من أقسام الناس اتجاه الأسماء والصفات وقلت : أن هذا القسم هم المفوضة الذين ينسبون هذا المعتقد إلى السلف الصالح والآن أعود إلى ذلك لأني رأيت أن صاحب المقال الذي أنا بصدد الرد عليه وتفنيد أباطله أنه منهم ، ولم يكتف بذلك حتى نسبه إلىالسلف الصالح، وهذا كذب وافتراء عليهم، فالعقيدة السلفية ليست هي التفويض المطلق،كما يظن الكثير وليست هي تلك الحيرة التي يسمونها الوقوف ، كما يظن البعض الآخر ،بل هي شيء آخر وراء ذلك، ولكنها سهلة وواضحة كل الوضوح إذا فهمت على حقيقتها ، إذليس فيها أدنى غموض وهي بريئة من التعقيد والتفلسف .
--------------------
1 - مجموعة الرسائل المنيرية [ج1/185].
2 - لسان الميزان [4/ 427].

الصفحة [2]
وهي أنيفهم التالي لكتاب الله تعالى معاني نصوص الصفات التي تصف الله سبحانه وتعالى بأنهسميع بصير- مثلا - ويثبتها على ظاهرها كما يليق بالله ، ويثبت له كلاما حقيقيايُسمع ، ووجها كريما يُرى يوم القيامة ؛ويدين مبسوطتين ، إلى آخر الصفات التي وصفالله بها نسفه وتعرف بها إلى خلقه يثبتها ولا يؤولها فيحرفها بالتأويل مفوضا إلىالله عز وجل حقيقتها وكيفيتها ، كيلا يتوهم أن حقيقة سمعه وبصره كحقيقة سمع المخلوقوبصره ؛لأن لوازم صفات المخلوق لا تلزم صفات الخالق ، كما أن لوازم ذوات المخلوق لمتلزم ذاته سبحانه ، إذ لا مناسبة بين الخالق والمخلوق فالله﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.فيفهم أن السلف لا يفوضون في المعنى ، وإنما يفوضون فيالكيفية . فالواحب إثبات هذه الصفات على الوجه الذي يليق بالله عز وجل دون تمثيل ،لأنه تعالى له يد حقيقية ، يقبض ويبسط ، يعطي ويمنع ، يطوي بها السموات كما يليق بهسبحانه على كيفية لانعلمها .وفي هذا البيان المختصر لعقيدة السلف يلزم كل من يريدأن يفهمها أن يفرق بين التفويضين اللذين سبق أن أشرنا إليهما .
أحدهما:تفويض المعنى والحقيقة والكيفية معا بحيث يكون حظ التاليلكلام الله مجرد سرد النصوص دون فهم لمعانيها بالنسبة لنصوص الصفات ، وكأن اللهتعالى تعرف إلى عباده بألغاز لا يفهمونها ، وخاطبهم بغير ما يعلمون من خطاباتهم،وهذا هو التفويض المطلق ، ونسبة هذا التفويض إلى السلف خطأ بين ،وجهل بمنهج السلف، وتجهيل لهم ، ومنشأ هذا الخطأ أن هذه العقيدة ليست محل عناية ودراسة عند هؤلاء ،وإنما يتحدثون عنها حديثا عابرا وعاديا ، ولايشغلون أنفسهم بها .
وأما النوعالثاني من التفويض :فهو تفويضالحقيقة والكيفية مع فهم معاني النصوص وتدبرها وتعقلها، وهذا ما يدين الله به السلفقديما وحديثا ، فليفهم جيدا ، حتى نفرق بين التفويضين ويظهر جليا أن عقيدة صحابنا [ شمس الضلالة ] هي عقيدة التفويض بالمعنى المطلق ، الذي قال فيه شيخ الإسلام ابنتيمية : أن قول أهل التفويض هو أشر أقوال أهل البدع والإلحاد[1] .
-----------
1 - درءتعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية [ج1/205].

الصفحة [3]
ولقد سئل صاحبنا هذاالسؤال:هل ورد في اللغةالعربية استوى بمعنى استولى؛ فقد قرأت إحدى المطويات يقول صاحبها إن استوى لم تردفي لغة العرب بمعنى استولى ، بينما وجدت بعض علماء التفسير يفسرون استوى بمعنىاستولى فما هو رأيكم ؟.
فأجاب بقوله :يكفينا في هذا ما قاله إمام أهلالتفسير الإمام الطبري في تفسيره لسورة البقرة عند قوله تعالى:﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماواتالاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه فذكر وجوها ثم قال : ومنها الإحتياز والاستيلاء كقولهم استوى فلان على المملكة بمعنى احتوى عليها وحازها .انتهى كلام ابن جرير .
وقال العلامة اللغوي الشيخ أحمد ابن حجر العسقلاني المجد الفيروزبادي [1]في [ القاموس المحيط ] في مادة }سوا {واستوى اعتدل ، والرجل بلغ أشده أو أربعين سنة ، وإلى السماءصعد أو عمد أو قصد أو أقبل عليها أو استولى .انتهى .
وكذا قال الإمام المحدث اللغوي الزبيدي في تاج العروس شرح القاموس:[10 / 189]وقال الإمام الفخر الرازي في تفسيره[14/ 122] والوجه الثاني : في الجواب أن يقال : استوى بمعنى استولى ... وقال الإمام المفسر اللغوي الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات صفحة [251] واستوى أمر فلان ، ومتى عدي بعلى اقتضىمعنى الاستيلاء كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصيرفما يزعمه بعض - الحشويةمن أن استوى لم تأت في لغة العرب بمعنىاستولى باطل ، أقول هذا معناها في لغة العرب ، ولا ننكر على من فسرها بذلك إذا كانمن أهله ،أما في خاصة نفسي فأنا أجري فيها مجرى السلف رضي الله عنهم من الإيمان بها وإمرارها كما جاءت وترك تحديد معناها لله تعالى . وأقول : آمنت بما جاء عن الله تعالى على مراد الله تعالى . انتهى جوابه .
أقول هذه هي عقيدة هذا الضال التي جاءت ممزوجة بالتأويل الفاسد مرة وبالتفويض المطلق أخرى، مما يبين أنه بعقيدة السلف من الجهال ، أو مفتر عليهم قوّال ، وإليك البيان بالتفصيل والبرهان ليحق الحق ويزهق الباطل ويظهر في كلامه البهتان .
1– أولا:ورود اللغة بمعنى من المعاني المحتملة المرجوحة لا يعني عند أهل العلم بالحق أنها هي الصواب إلا إذا كانت قرينة راجحة تدل على ذلك، فحينئذ يجوز حمل ذلك المعنى على المعنى المرجوح ، أما إن لم يكن الأمر كذلك فلا يجوز حمله على المعنى المرجوح،ويكون ذلك من قبيل التأويل الفاسد .
-----------
1- هكذاوردت هذه الجملة في جوابه .

الصفحة [4]
والحق الذي يجب اعتقاده ، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بأسماء الله وصفاته أنه لا يجوز تأويل صفة من صفات الله بالعقل أو اللغة المحتملة ،لأن الأمر في إثباتها توقيفي ولا مدخل للعقل فيها كما أنه لا يجوز حمل الصفة على معنى من معاني اللغة التي لا تليق بجلال الله وكماله ، ومنه هذا اللفظ استولى فإنه لا يليق به سبحانه ،لأنه يدل على أن الذي استولى وحاز كان مغلوبا وغير مالك ؛ فغلب وحاز ملكه ، والله منزه عن ذلك عند جميع العقلاء وأصحاب الفطر السليمة ،وإنما حمل السلف لفظ { استوى} الذي ورد في القرآن الكريم على المعنى اللائق بجلال الله وكماله ، ولا يجوز أن يحمل على غيره حتى لووردت به اللغة .
قال ابن عبد البر رحمه الله في معرض رده على المعتزلة في ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل : { استوى { استولى – قال: فلا معنى له ؛ لأنه غير ظاهر في اللغة ، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة ، والله لا يغالبه ولايعلوه أحد ، وهو الواحد الصمد ، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز ، إذ لاسبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك ، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم ، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مبتدع ماثبت شيء من العبارات ، وجل الله عز وجل على أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها ، مما يصح معناه عند السامعين .[1]
قلت :يقال لهؤلاء المتأولين : هل تتصورون أن تضيق طرق الكلام على الله ورسوله حتى تضيفوا إليهما هذا التأويل الفاسد الذي يصفه من يصفه بأنه ملجأ العاجزين كما يقوله الشريف الرضى من المعتزلة حيث قال : إن للمتكلم أن يعدل عن الحقائق إلى المجازات إذا ضاق عليه بعض طرق الكلام ، فيقال لهؤلاء المتأولين ، هل تتصورون أن تضيق طرق الكلام على الله ورسوله حتى تضيفوا إليهما هذا التأويل الذي وصفتموه بأنه ملجأ العاجزين؟؟
2- ثانيا:الرجل تصرف في كلام ابن جرير الطبري فنقل عنه أن الإستواء في كلام العرب منصرف على وجوه ، ثم لم يذكر تلك الوجوه التي ذكرها ابن جرير وإنما ذكر ما يوافق هواه؛ وليس اختصارا كما يظنه البعض لأن ابن جرير رحمه الله ذكر تلك الأقوال ورجح ما كان عليه السلف الصالح من المعنى اللائق بالله تعالى في مسألة الاستواء ، ورد على من حمله على غير ذلك ، وفند شبه الذين فروا من التشبيه فوقعوا في التعطيل ، وهذا كلامه رحمه الله أنقله بحرفه حتى يتبين لك تلاعب هذا الدعي الأفاك .

الصفحة [5]
قال ابن جرير الطبري رحمه الله :[ 1 ] الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه .
منها :انتهاء شباب الرجل وقوته ، فيقال إذا صار كذلك قد استوى الرجل .
ومنها: استقامة ماكان فيه أود من الأمور والأسباب ، يقال منه استوى لفلان أمره ، إذا استقام له بعد أود .
ومنها:الإقبال على الشيءبالفعل ، كما يقال استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه .
ومنها:ومنها الاحتياز والاستيلاء، كقولهم استوى فلان على المملكة بمعنى احتوى عليها وحازها .
ومنها:العلو والارتفاع كقول القائل استوى فلان على سريره يعني علوّه عليه .
قال ابن جريرامرجحا المعنى اللائق بالله : وأولى المعاني بقول الله عز ثناؤه:﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماواتعلا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات،ثم قال : والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله:﴿ثم استوى إلى السماءالذي هو معنى العلو والارتفاع هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك أنيكون علا وارتفع بعد أن كان تحتها إلى أن تأوله بالمحمول من تأويله المستنكر ، ثم لم ينج مما هرب منه فيقال له : زعمت أن تأويل قوله تعالى {استوى} :أقبل أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير ، قيل له فكذلك فقل ، علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال ... إلى أن قال : ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفا ، وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله .
قلت :أنظر إلى ابن جرير كيف رجح معنى الاستواء قائلا : وأولى الأقوال هو العلو والارتفاع وهذا ماكان عليه السلف الصالح، فقد أثبت المعنى وفسره باللائق بجلال الله وكماله .ولميتعرض إلى الكيفية .
-----------
1 – التمهيد لابن عبد البر
2 – تفسير ابن جريرالطبري [ ج1/ ص191 – 192].

الصفحة [6]
فقارن أخي القاريء بين كلام ابن جرير وكلامه التالي:{ أما في خاصة نفسي فأنا أجري فيها مجرىالسلف رضي الله عنهم من الإيمان بها وإمرارها كما جاءت وترك تحديد معناها لله تعالى .{ فابن جرير علم المعنى وفسره باللائق بالله ، وهو فسر الاستواء أولا بالاستيلاء ، ثم لم ينكره على من فسره بذلك مخالفا للسلف ثم ناقض نفسه بترك المعنى المراد لله تعالى بالتفويض المطلق ، ثم بين أن ذلك عقيدته وهي التفويض المطلق ،ونسب ذلك للسلف ليوهم القارئ أن مذهب السلف الصالح تفويض المعنى والكيفية معا، وهذا افتراء عليهم وكذب كما سأبينه.
3- ثالثا:والرجل متلاعب، فقد حذف رد ابن جرير الطبري على من أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل الاستواء بأنه العلو والارتفاع ، ولم يرتض كلامه مع أنه أثني عليه وشاد به أنه إمام أهل التفسير- ونحن نوافقه على ذلك- وأن ابن جرير كذلك؛ وهو من علماء السلف الصالح الذين ينبغي أن يؤخذ قولهم الذي نقلوه عن العلماء قبلهم بالأسانيد الثابتة . فلماذا هذا التلاعب أيها المشاغب ؟
4- رابعا:استشهد بما ذهب إليه ببعض أقوال المفسرين واللغويين من الأشاعرة وأهل الاعتزال ممن يخالفون منهج السلف الصالح كالرازي والراغب الأصفهاني والفيروزبادي ولم يأتي بنص واحد عن علماء السلف الصالح ممن ورد عنهم تفسير الاستواء بمعناه الصحيح [ علا وارتفع ]كأبي العالية ، ومجاهد ،والإمام مالك؛ وشيخه ربيعة بن عبد الرحمن وغيرهم من أئمة المسلميين؛ مع أنه اطلع على ما في فتح الباري لابن حجر من النقول عنهم ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه لا يرتضي منهج السلف؛ وإنما يرتضي منهج الخلف ويسميهم السلف ، أي السلف له . ونسبته تفسير الاستواء بالاستيلاء إلى ابن حجر العسقلاني غير صحيح لذلك لم يذكر الجزء والصفحة التي استقى منها قول الحافظ ابن حجر كما فعل في نقله عن ابن جرير والفخر الرازي والاصبهاني وغيرهم ،وهذ فتح الباري فليأتنا به إن كان يستطيع ، وإنمانقل الحافظ ابن حجر قول من فسره بذلك غير مرجح له [1].
------------------
1 -[الفتح ج 13/ ص416 ]الطبعة الرابعة سنة 1408هـ طبعالمكتبة السلفية القاهرة.

الصفحة [7]
5 – خامسا: تفسير الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة ومن وافقهم من الأشاعرة ، قال ابن بطال كما في الفتح[1]: اختلف الناس في الاستواء المذكور هنا﴿ثم استوى إلى السماء﴾﴿والرحمن على العرش استوىفقالت المعتزلة معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة واحتجوا بقول الشاعر : قد استوى بشر على العراق منغير سيف ودم مهراق.
وهذا الذي يقولون أنه في اللغة وأنها وردت به رده بعض أهل العلم وقالوا أنه لا يوجد في لغة العرب فقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب[ الفاروق] من طريق محمد بن أحمد بن النصر الأزدي قال : سمعت ابن الأعرابي –وهو إمام في اللغة يقول: أرادني أحمد ابن أبي داود أن أجد له في لغة العرب﴿الرحمن على العرش استوىبمعنى استولى فقلت:والله ما أصبت هذا.أي لم أجده ولن تجده . وذكر الخطيب في تاريخ بغداد ]:ج5/284] حادثة أخرى له أنظرها هناك .وأبطل تأويل هذا البيت بمعنى استولى ، أبومنصور عبد القاهر البغدادي في كتابه أصول الدين [ص112].
ويظهر فساد هذا القول من تخريج هذا البيت فقد ذكره الجويني في لمع الأدلة [ص95] والنسفي في تبصرة الأدلة [ج1/ 184] والرازي في أساس التقديس ]ص202]والعز بن عبد السلام في الإشارة إلى الإيجاز [ص110]والقاضي عبد الجبارالمعتزلي في شرح الأصول الخمسة [ص226]وزاد فيه : فالحمد للمهيمن الخلاق ، وفيالمختصر في أصول الدين [1/ 216] له ضمن رسائل العدل والتوحيد ، والأيجي في المواقف ]ص297] ولكن فيه : قد استوى عمرو .ولم يتعقبه الجرجاني في شرحه له [ج3/150]وابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة [ج1/359]ولكن بلفظ : بشر قد استولى على العراق .. وكلهم ذكروه مجهول النسبة .
ولكن ذكرالزبيدي في شرحه للإحياء [ج2/173] أنه منسوب إلى الأخطل النصراني ،وأرجع هذا القول إلى الجوهري ، وفي الصحاح للجوهري لم ينسبه لأحد .
وأنظر لسان العرب لابن منظور [ج6/ 447] وجعله محقق ديوانه ضمن ما نسب إليه وليس من أصل ديوانه [ص557].
-----------
1- [فتح الباري ج13/417]
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 09-27-2009, 08:43 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [الجزء 6]
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية وهو إمام في اللغة [1] : أنه لم يثبت أن لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى ؛ إذا الذين قالوا ذلك عمدتهم هذا البيت المشهور : ثم استوى بشر على العراق .. البيت قال : ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا : أنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة ، وقد علم أنه لو احتج من احتج لهذا القول بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج ذلك إلى صحته وثبوته ؛ فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده ،وقد طعن فيه أئمة اللغة ؛ وذكر عن الخليل بن أحمد كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال : سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى ؟ فقال: هذا ما لاتعرفه العرب ؛ ولا هو جائز في لغتها ، وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله؛ فحينئذ حمله على ما لايعرف حمل باطل .
وقال ابن القيم رحمه الله : [2] إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة ، وأهل التفسير المقبول .
فالرجل يورد تفسير المعتزلة ومن وافقهم للاستواء بمعنى الاستيلاء بما لا يعرف أنه من لغة العرب،كما رأيت في كلام كبار علماء اللغة كإبن عبد البر ، وابن الأعرابي ، والخليل ابن أحمد وأبو منصور ، وابن تيمية وغيرهم ، ثم يعقبه بقوله : ولا ننكر على من فسره بذلك إذا كان من أهله.
قلت : وكأن علماء السلف الذين فسروه بالعلو والارتفاع ليسوا من أهله لما فسروه باللائق بجلال الله وكماله .حتى أتى أؤلئك المخالفون لهم ففسروه بذلك التأويل الذي لا يليق بالله .
فهو لا يرد ولا ينكر على من خالف منهج السلف ؛ مع أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة ردوا ذلك التأويل بقوة وأنكروا بشدة على من فسره بذلك أو عطله وعدوه مبتدعا ، كما ثبت عن الإمام مالك رحمه الله وغيره ،وهذه بعض النقول عنهم :قال ابن بطال وهو من كبار علماء المالكية كما في الفتح : [ج13/ص417]فأما قول المعتزلة استوى بمعنى استولى ففاسد ..

--------------------
1 - مجموع الفتاوى [ج5/ 146].
3 - مختصر الصواعق المرسلة[ص318].

الصفحة [2]
ونقل ابن حجر في الفتح [ج13/ ص417]عن أبي إسماعيل الهروي في كتابه [ الفاروق] بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال : كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل : ﴿ الرحمن على العرش استوى فقال هو على العرش كما أخبر، قال يا أبا عبد الله إنما معناه استولى ، فقال : اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد.
وقد ذكرت في المقدمة عن ابن جرير الطبري كيف رد على من فسره بالاستيلاء ، وذكرت أيضا عن ابن عبد البر المالكي شيئا من ذلك . وسيأتي قول الإمام مالك وكيف رد على السائل وزجره وعده رجل سوء ، وأن ما قاله مالك يعتبر قاعدة في جميع الصفات ؛وذلك قول علماء السلف قاطبة قبله، وفي عصره ومن بعده يعدون من نفى صفة من صفات الله أو أولها بتأويل فاسد –أي كان- مبتدعا ضالا خارجا عن منهج الطائفة المنصورة والفرقة الناجية المرضية .
6-سادسا: ومع عدم إنكاره على من خالف منهج السلف الصالح في المسألة و ترضيه عليهم وعدم دفاعه عنهم - لأن دينه مميع - أثبت عقيدته الفاسدة بقوله :[ أما في خاصة نفسي فأنا أجري فيها مجرى غالبية السلف رضي الله عنهم من الإيمان بها وإمرارها كما جاءت وترك تحديث معناها لله تعالى ].فقوله : وترك تحديد معناها لله تعالى ، هذا تفويض للمعنى المعلوم ، وإنما يفوض السلف الصالح الكيفية ، فإمرارها كما جاءت على المعنى المعلوم لذا العرب، فالله لا يخاطب العرب بالألغاز وإنما خاطبهم بما يفهمون من لغتهم ، لذلك لم يرد عن الصحابة تفسير هذه النصوص لأنهم لم يكونوا يحتاجون إلى تفسيرها ، وإنما آمنوا بها على مراد الله ومراد رسوله على المعنى اللائق بالله تعالى مما يفهمونه من لغتهم ،ومعهود خطابهم، أما الكيفية فهي التي يفوضونها، لأنه لا يبلغن كنه وصف الله واصفه ولا يحيط به علما من افتكرا ، فتبين من هذا أن الرجل مفوض مرة ومؤول مرة أخرى كما سنذكر عقيدته في المجيء والإتيان – إن شاء الله – ونسبته تفويض المعنى إلى السلف الصالح خطأ بين وفاحش ،إلا إذا كان يقصد بالسلف سلفه هو ممن قصرت عقولهم عن إدراك منهج السلف الصالح ، من ذلك الخليط الذي ينتسب إليهم ويدافع عنهم من أهل وحدة الوجود ، والأشاعرة والكرامية والمفوضة، والماتردية ، والمرجئة والحزبيين من قطبيين تكفيريين وطرقيين صوفيين وغيرهم...ممن يرتضيهم ويدافع عنهم ، ولم نجده نقل عن واحد من علماء السلف تفسير الاستواء ولا دافع عن عقيدة السلف الصالح ولو مرة واحدة، بل طعن فيهم بطريق غير مباشر مرة ، ومباشرة مرات لأن الطعن في علماء السلف طعن في المنهج .
الصفحة [3]
عقيدة السلف في الاستواء ، وأنهم يثبتون المعنى ويفوضون الكيفية ، وإليك بيان ذلك .
صفة الاستواء لله على عرشه من الصفات الفعلية التي ورد ذكرها في القرآن في سبعة مواضع وهي :
1- قال تعالى : ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [ الأعراف :54].
2 – وقال تعالى : ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [يونس : 3].
3 - وقال تعالى : ﴿ الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ﴾ [الرعد :2].
4 – وقال تعالى : ﴿ الرحمن على العرش استوى [ طه :5].
5 – وقال تعالى : ﴿ الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا [ لفرقان :59].
6 – وقال تعالى: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ..[ السجدة :04]
7 – وقال تعالى : ﴿ هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش [ الحديد : 04]
وهذه الآيات السبع تدل دلالة صريحة على أن الله تعالى مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ففي سبعة مواضع ذكر الله الاستواء على العرش نصا صريحا واضحا ، فأضاف الاستواء على العرش بعلى الدالة على العلو أي علوت عليه واستقررت عليه ، ودليل هذا في كاتبه الكريم وهو قوله تعالى : ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره الزخرف :12-13 ] أي تعلوا عليها وتستقروا عليها ، واعلم أخي المؤمن أن الاستواء يرد في اللغة العربية على أربعة وجوه :
1- مطلق . - 2 – مقيد بإلى . - 3 – مقيد بعلى . - 4 – ومقيد بالواو .
فإذا كان مطلقا فالمراد به الكمال والخروج عن طور الشباب كما قال الله تعالى : ﴿ ولما بلغ أشده واستوى القصص : 14] أي كمل .
وإذا ورد مقرونا بإلى صار معناه الانتهاء إلى الشيء في كمال ،كقوله تعالى : ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فصلت : 11] .
وإذا كان مقيدا بعلى كان معناه العلو والاستقرار ، كهذه الآيات السبع التي ذكرناها في قوله تعالى : ﴿ ثم استوى على العرش ففي جميع مواقعها في اللغة العربية لا تقتضي إلا العلو والاستقرار .
وإذا اقترن بالواو صار معناه المساواة كقولهم : استوى الماء والخشبة ، أي ساوى الماء الخشبة.

الصفحة [4]
ومعنى الاستواء العلو والارتفاع .قال أبو العالية : استوى على السماء ،أي ارتفع. وقال مجاهد : استوى : علا على العرش .فتح الباري :[ج13/ص414].
وذكر ابن القيم رحمه الله في النونية [1/233 ] شرح خليل هراس ، أنه ورد عن السلف في ذلك أربعة معاني:
1 – علا 2 – واستقر .
3 – وارتفع . 4 – وصعد .
هذا هو الذي يعلم من معنى الاستواء في لغة العرب ، وأما الكيفية فلا أحد يعلم بذلك إلا الله وهذا هو الذي عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى ، في هذه الصفة وفي غيرها من الصفات إمرارها كما جاءت بفهم المعنى من غير وصف للكيفية .
كما قال السفاريني رحمه الله في عقيدته :
سبحانه قد استوى كما ورد من غير كيف قد تعالى أن يحد
وقد تواتر القول عن علماء السلف الصالح رحمهم الله في القول بهذه الصفة والإيمان بها على الحقيقة ؛ وبغيرها من الصفات دون الكلام على كيفيتها .
قال علي بن الحسن بن شقيق : قلت لابن المبارك : كيف نعرف ربنا ؟ قال : على السماء السابعة على عرشه ، بائن من خلقه . رواه الدارمي في الرد على الجهمية [ص41-42] وعبد الله بن أحمد في السنة [1/307].
وقال الشافعي:إن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء .ذكره الذهبي في كتابه العلو [ص120]وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية [165].
وقال عبد الله بن أحمد : قيل لأبي :ربنا تبارك وتعالى – فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه ، وقدرته وعلمه بكل مكان ؟ قال : نعم . شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي [3/401-402]واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم [ص200].
وقال الأوزاعي :كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته . رواه البيهقي في الأسماء والصفات [ص515]والحافظ في الفتح [ج13/ص417] وقال أخرجه البيهقي بسند جيد .
أما الإمام مالك رحمه الله تعالى فقد اشتهر وتواتر عنه المقالة المشهورة في إثبات الاستواء لله عز وجل، وتلك المقولة تعتبر قاعدة جليلة في الإيمان بالصفات عموما والاستواء على وجه الخصوص . وقد نقلها غير واحد.
قال سحنون :أخبرني بعض أصحاب مالك أنه كان قاعدا عند مالك فأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله مسألة : فسكت عنه ، ثم قال له : مسألة ؛ فسكت عنه ، ثم عاد فرفع إليه مالك رأسه كالمجيب له، فقال له السائل: يا أبا عبد الله ، ﴿ الرحمن على العرش استوى فكيف كان استواؤه ؟ قال: فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم رفعه فقال: سألت عن غير مجهول ، وتكلمت في غير معقول ، ولا أراك إلا امرأ سوء أخرجوه .[البيان والتحصيل 16/367-368].
وقال جعفر بن ميمون: سئل مالك بن أنس عن قوله تعالى:﴿ الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟قال: الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالا ، وأمر به أن يخرج من مجلسه .[عقيدة السلف للصابوني : ص17]وذكره في العتبية كما في البيان والتحصيل [11/ 367-368 ].
وقال عبدالله بن نافع : قيل لمالك : ﴿ الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ فقال رحمه الله : استواؤه معقول ، وكيفيته مجهولة ، وسؤالك عن هذا بدعة وأراك رجل سوء. التمهيد لابن عبد البر : [ج7/151].
وقد أورد هذه المقولة عن مالك كل من جعفر بن عبد الله، رواها عنه الصابوني في عقيدة السلف [ص17/19]وأبو نعيم في الحلية [ج6/326 ]وذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع [ ص123] والدارمي في الرد على الجمهية [ص55-56] وذكره ابن قدامة في إثبات صفة العلو [ص172/ رقم 88].
الصفحة [5]

وعبد الله بن وهب ، أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات [ج2/150] وعنه الذهبي في كتابه العلو وقال إسنادها صحيح [ص103] وكذلك أوردها الحافظ ابن حجر في فتح الباري [ج13 /417] وكذلك يحي بن يحي التميمي ، ذكرها عنه أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات [ج2/ 150-151] وابن عبد الهادي في إرشاد السالك [ص56] .
وكذلك نقلها مهدي بن جعفر ، ذكرها عنه ابن عبد البر في التمهيد [ج7/151]وسفيان بن عيينة ذكرها عنه القاضي عياض في ترتيب المدارك[ج2/ص39]والذهبي في السير[ج8/106-107] وجعفر بن ميمون ذكره عنه الصابوني في عقيدة السلف [ص17 رقم 24]وغير هؤلاء كثير ولو جئت لأحصي الذين نقلوا هذه القاعدة عن الإمام مالك بأسانيد صحيحة ثابتة لجمعت في ذلك مجلدا .وأن كل من رواها ذكرها على سبيل اعتقاد مذهب السلف .
ومقولة الإمام مالك روي نحوها عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتج [ج13/414] عن اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت :الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإقرار به إيمان ، والجحود به كفر . وسكت عنها . إلا أن هذه الرواية لا تصح عنها؛ كما قاله الذهبي في كتابه العلو [ص65] وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ليس إسنادها مما يعتمد عليه. الفتاوى [ج5/ص365].
وجاء عن ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك نحوه، فقد سئل عن قوله تعالى ﴿ الرحمن على العرش استوى كيف استوى ؟ قال : الإستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، ومن الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التصديق. أخرجه اللالكائي في شرح السنة [ج3/ 398/رقم 665] والبيهقي في الأسماء والصفات [ج2/150] والذهبي في العلو [ص98].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك .الفتاوى [ج5/365] . وقال في الفتوى الحموية : روى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة فذكر نحوه ..[ص24] قال ابن قدامة في ذم التأويل بعد ذكره لقول أم سلمة وربيعة ومالك : وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى واللفظ ، فمن المحتمل أن يكون ربيعة ومالك بلغهما قول أم سلمة فاقتديا بها فقالا مثل قولها لصحته وحسنه وكونه قول أحد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأقتديا بها ، ومن المحتمل أن يكون الله تعالى وفقهما للصواب وألهمهما من القول السديد ما ألهمها [ص26]. ولمزيد من الفائدة في مسألة العلو وما ورد فيها من آثار السلف أنظر كتاب العلو للعلي العظيم للحافظ الذهبي .فإنه مفيد .
الصفحة [6]
فأقول له: هذه أقوال سلفنا الصالح بأن الاستواء معناه العلو والارتفاع ،وأزيدك هنا بعضا منها قال ابن بطال وهو من علماء المالكية كما في الفتج [ج13/ص417] وأما تفسير استوى بمعنى علا فهو صحيح وهو المذهب الحق . وأن الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، وفي بعض الروايات : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة أي السؤال عن الكيفية . كما مر في قول مالك وشيخه ربيعة .
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك بن عبد الله وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون ، ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف . قال : أبو داود وهو قولنا . قال البيهقي وعلى هذا مضى أكابرنا . فتح الباري للحافظ ابن حجر [ج13/418].
ومن طريق الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي ومالكا والثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف . الفتح [ج13/ ص418] . قال ابن حجر بعد ما نقل عن غير واحد من أهل العلم قولهم أمروهم كما جاءت بلا كيف : وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. الفتح : [ج 13/418].
وقال ابن عبد البر وهو يشدد النكير على أهل الكلام : الذي أقول : إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، وسعد ، وعبد الرحمن ، وسائر المهاجرين والأنصار ، وجميع الوفود الذين دخلوا في الإسلام أفواجا ، علم أن الله عز وجل لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة ، لا من قبل حركة ، ولا من باب الكل والبعض ، ولا من باب كان ويكون ، ولو كان النظر في الحركة والسكون واجبا ، وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازما ، ما أضاعوه ، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم ، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم ، ولو كان ذلك من عملهم مشهورا أو من أخلاقهم معروفا ، لاستفاض عنهم ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< ينزل ربنا إلى السماء الدنيا >> عندهم مثل قوله عز وجل : ﴿ فلما تجلى ربه للجبل ﴾ [ الأعراف :143].

الصفحة [7]
ومثل قوله : ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر :22]ومثل قوله : ﴿ الرحمن على العرش استوىفي سبع مواضع من القرآن الكريم كلهم يقول : ينزل ويتجلى ويجيء ، ويستوي ، بلا كيف ، لا يقولون كيف يستوي ؟ وكيف يجيء ؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء ؟ ولا من أين تجلى ؟ ولا من أين ينزل ؟ لأنه ليس كشيء من خلقه ، وتعالى عن الأشياء ، ولا شريك له .
قلت : أرأيت قولهم أيها الدعي الأفاك أمروها بلا كيف ، ولم يقولوا نترك معناها لله تعالى لأن ذلك معلوم عند العرب في معهود خطاباتها .فهؤلاء كلهم عندك حشوية ،من رذالة الأمة عاملك الله بما تستحق .
وأما تأويلك استوى بمعنى استولى فهو باطل من عدة وجوه :
1 – أنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، فظاهراللفظ﴿ الرحمن على العرشاستوى فلا يوجد استولى في أي موضع من المواضع التي ورد فيها الاستواء .معنى الإستلاء.
والسلف مجمعون على أن استوى معنى علا .ولعل قائل يقول : ما الذي أعلمكم بأنهم مجمعون ؟ نقول له : لأن هذا هو معنى استوى على الشيء في اللغة العربية ، والسلف لغتهم عربية ، وقد بيّنا قول كبار علماء العربية بأن استولى لم ترد بها اللغة ، ولو كان مراد الله في الآية سوى ما تقتضيه لغتهم لبينوه غاية البيان ،لأنهم فهموا مراد الله من لغتهم التي خاطبهم بها؛ فلما لم يأت عنهم ما يخالف مقتضى اللغة العربية بهذه الكلمة علم أنهم يقولون فيها بمقتضى لغتهم ، وذلك يعد إجماعا منهم على أن استوى بمعنى علا على العرش واستقر .
2 – أننا إذا قلنا : استوى بمعنى استولى ، لصح أن يقال : إنه استوى على الأرض وعلى الشمس وعلى السماء وما أشبه ذلك مما هو ملك لله ، ولا يمكن أن يقول به قائل ، لا يمكن أن تقول : إن الله استوى على الشمس وعل السماء وعلى الأرض وما أشبه ذلك .
3 – أن نقول : من أين لكم في العربية أن استوى تأتي بمعنى استولى ، والقرآن نزل بلسان عربي مبين ؟وهاتوا موضعا واحدا من السبعة المواضع ، ذكر الله فيه أنه استولى على العرش ، فإذا قالوا :عندنا دليل ، وهو قول القائل :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق .
ومعنى استوى بشر على العراق : يعني استولى على العراق .
فالجواب عن ذلك من وجوه :
أولا – أن هذا البيت قائله كجهول،ولا يمكن أن يستدل على شيء من العقيدة المتعلقةبالله ببيت شعر مجهول قائله،ولا يعرف أنه من الشعر العربي ، فالاحتجاج به مردود من الأصل. انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية :[5/146] ومختصر الصواعق المرسلة ابن القيم [2/359]
ثانيا : أنتم لا تأخذون بأحاديث الآحاد في العقيدة ، فكيف صاغ لكم أن تأخذوا ببيت من الشعر مجهول صاحبه ، ولا يعرف إسناده ، وصفة الاستواء من مسائل العقيدة ؟
ثالثا : نقول : فرضا لو ثبت أن قائله من العرب العرباء الذين لم تغيرهم اللكنة ولا العجمة ، فإن المانع من جعل الاستواء هنا بمعنى العلو ؛ قرينة ظاهرة وهو أن بشرا لم يكن يرتفع على العراق حتى يكون العراق تحته كالكرسي ، فيكون لدينا قرينة تمنع من إرادة العلو ، ولم توجد هذه القرينة في قوله تعالى : ﴿ الرحمن على العرش استوى. مختصر الصواعق المرسلة [ج2/359].
رابعا : يمكن أن نجعل استوى بمعنى علا، فنقول: قد علا بشر على العراق، لكنه علو معنوي كقوله تعالى : ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون[ محمد : 35] أي علو معنوي ، هذا إن صح أن قائل هذا البيت من العرب العرباء ، مع أنه لم يصح لا سندا ولا متنا ، فبطل الاستدلال بهذا البيت على أن استوى بمعنى استولى والحمد لله رب العالمين .
يتبع إن شاء الله ...
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09-27-2009, 08:45 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [ج7]
وسئل صاحبنا هذا السؤال : ما معنى قوله تعالى: ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴾ [سورة الفجر آية رقم 66] .هل نثبت بها صفة الله تعالى تسمى المجيء؟
فأجاب بقوله : لقد أولها الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة بمجيء ثوابه ، وهذا التأويل ثابت عن الإمام أحمد حتى قال الحافظ البيهقي : هذا إسناد لا غبار عليه أنظر البداية والنهاية لابن كثير[ م10 /ص419]، وقال الشوكاني في تفسيره فتح القدير [ج5/ص440] أي جاء أمره وقضاؤه وظهرت آياته ...أ.هـ وقد خالف الحشوية معتقد السلف رضي الله عنهم فكن منهم على حذر .انتهى جوابه .
ولي على هذا تنبيهان وعدة وقفات معه ليظهر للقارئ الكريم من هو الحشوي ... ومعناه الرجل السوء في القوم ..هو أم العلماء الذين هم من أشرف القوم وعليتهم ؟.
التنبيه الأول : الخطأ في رقم الآية / فالآية رقمها [22] من سورة الفجر ، وهو جعلها [66]
التنبيه الثاني : خطأ في قوله: هل نثبت صفة الله تعالى تسمى المجيء ، والصحيح هل نثبت لله تعالى صفة تسمى المجيء .ولعل الخطأ الأول من أصحاب الجريدة ، والخطأ الثاني مطبعي .
الوقفة الأولى : لقد عد ابن جرير الطبري إمام المفسرين في جوابه الأول وأشاد به لما نقل عنه ما نقل هو عن غيره في تفسير الاستواء بالاستيلاء ورأيتم كيف بتر كلام ابن جرير وأخذ عنه ما يوافق هواه فقط ،وهنا في هذه الصفة لم يرجع إليه لأنه لم يجد عنده ما يوافق عقيدته الفاسدة ، بل وجد ما يثبت عقيدة السلف الصالح الذين ينبزهم بأنهم حشوية عامله الله بما يستحق .
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: التأويل في قوله تعالى: ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴾ 0يقول تعالى ذكره : وجاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفا ؛ صفا بعد صف .. ثم ذكر رحمه الله أحاديث تدل على مجيء الله تعالى يوم القيامة لفصل الحساب [1].
وقال ابن كثير رحمه الله : ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴾ يعني لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم بعدما يأتون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد فكلهم يقول لست صاحب ذاكم ؛ حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول :<< أنا لها أنا لها >>.
--------------------
1 - أنظر : تفسير ابن جرير الطبري [ج30/ص185-188 ] ط3 1388هـ الموافق 1968م مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده مصر .

الصفحة الثانية [2]
فيذهب فيشقع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك ، وهي أول الشفاعات ، وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في [سورة سبحان] فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا [1].
وهذا معتقد ابن كثير في المجيء غير ما نقل عنه في البداية والنهاية ، لأنه ليس بالضرورة إذا نقل أحد علماء السلف الصالح قولا يحتمل خلاف معتقدهم أنه يرتضيه أو يقول به، إنما هو قصده حكاية ما عليه القوم فيرويه بالسند تبرأة للذمة ؛ ويبقى على القاريء أن يحقق ويدقق فيما نقله وخاصة كتب التاريخ والسير، وهذا منها .
وقال ابن أبي زيد القيراوني الذي يلقب بمالك الصغير وهو من كبار علماء المالكية الذين ينتسب إليهم هذا المبتدع الضال ظلما وزورا : قال رحمه الله في مقدمة رسالته القروانية : وأن الله تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها ..[2]
الوقفة الثانية : نسبة تأويل صفة المجيء إلى الإمام أحمد ، لا تثبت لاعتبارات ...
منها:أن ولده عبد الله بن أحمد قال:حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله عز وجل:﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ﴾ [ البقرة /آية 210 ]قال : يأتيهم الله في ظلل من الغمام وتأتيهم الملائكة عند الموت[3] .
ومنها: أن مذهب الإمام أحمد رحمه في الصفات هو مذهب السلف الصالح، قال العلامة الطوفي في قواعد الاستقامة والاعتدال ونقله عنه صاحب لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة الناجية [ج1/243]:وأقاويل الثقات [ص200] المشهور من مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه وأصحابه أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة ، كالمجيء والإتيان والنزول ، والدنو ، والتدلي كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح ، قال : وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه .. إلى أن قال: قال أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي : حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ، وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟.
--------------------
1 - تفسير ابن كثير [ج4/3091]الطبعة الولى لدار ابن حزم 1423هـ 2002م .
2 - قطف الجنى الداني شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني [ص131].
3 - كتاب السنة [ص187/رقم 992] طبع دار الكتب العلمية بيروت ، ط 01 / 1405هـ 1985م

الصفحة [3]
قال: نعم .فقال له : بعض قواد الأمير يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة ؟ قال: نعم. قال: وكيف ينزل: قال له إسحاق: أثبت الحديث حتى أصف لك النزول. فقال له الرجل: أثبته. فقال : إسحاق ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا ﴾ فقال الأمير عبد الله بن طاهر : يا أبا يعقوب ، هذا يوم القيامة ، فقال :إسحاق : أعز الله الأمير ، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم ؟ ذكره أبو عبد الله الحاكم ، وابن تيمية [1].
وقد ذكر ابن قدامة المقدسي في كتابه ذم الـأويل [ص08]قال: وقال أبو بكر الخلال أخبرنا المروذي قال : سألت أبا عبد الله [أي أحمد بن حنبل ]عن أخبار الصفات فقال : نمرها كما جاءت .
قال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا... وأن الله يرى... وإن الله يضع قدمه في النار... وما أشبهه ، فقال أبو عبد الله : نؤمن بها ونصدق بها بلا كيف ، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح ولا نرد على رسول الله قوله ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه أو صفه به رسوله ، بلا حد ولا غاية ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ [ الشورى: 110] ولا يبلغ الواصفون صفة منه . ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصف كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ؛ولا نزيل عنه صفة من صفاته...
فهذا هو مذهب الإمام أحمد ، وهو الذي قال : أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس ، فالتأويل في الأدلة السمعية والقياس في الأدلة العقلية .
ومنها: أن هذه الرواية التي فيها نسبة تأويل المجيء إلى الإمام أحمد والتي وردت من طريق أبي عمرو ابن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى : ﴿ وجاء ربك .. ﴾ أنه جاء ثوابه. وأن البيهقي قال : هذا إسناد لا غبار عليه .... فهي لا تصح من جهة السند لأن حنبل وإن كان ثقة فقد أغرب في مسائل عن الإمام أحمد ومنها هذه، وقد ردها جمع من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فقد جاء في مجموع الفتاوى [ج 5/397]:قال شيخ الإسلام:
--------------------
1 - أنظر لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة الناجية [ج1/243]ومختصرها [ص87]وأقاويل الثقات [201].

الصفحة [4]
وقد تأول قوم – من المنتسبين إلى السنة والحديث – [ حديث النزول ] وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم : كالإتيان والمجيء ، والهبوط ،ونحو ذلك ، ونقلوا في ذلك قولا لمالك ، ولأحمد بن حنبل حتى ذكر المتأخرون من أصحاب أحمد – كأبي الحسن بن الزاغوني وغيره – عن أحمد في تأويل هذا الباب روايتين ؛ بخلاف غير هذا الباب ، فإنه لم ينقل عنه في تأويله نزاعا .
وقال [ص398]من نفس الجزء: وأيضا وقع النزاع بين أصحابه .هل اختلف اجتهاده في تأويل المجيء والإتيان ، والنزول ونحو ذلك ؟ لأن حنبلا نقل عنه في المحنة أنهم لما احتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم :<< تجيء البقرة ، وآل عمران ، كأنهما غمامتان أو غيايتان ، أو فرقان من طير صواف >> ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه ، وقالوا له : لا يوصف بالإتيان والمجيء إلا مخلوق . فعارضهم أحمد بقوله :- وأحمد وغيره من أئمة السنة – فسروا هذا الحديث بأن المراد به مجيء ثواب[ البقرة وآل عمران ]، كما ذكر مثل ذلك من مجيء العمل في القبر وفي القيامة ، والمراد منه ثواب الأعمال .
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: << اقرؤوا البقرة وآل عمران فإنهما يجيئان يوم القيامة كانهما غيايتان ، أو غمامتان ، أو فرقان من طير صواف ، يحاجان عن أصحابهما >> وهذا الحديث في الصحيح . فلما أمر بقرائتمها وذكر مجيئهما يحاجان عن القاريء ، علم أنه أراد بذلك قراءة القاريء لهما وهو عمله ، وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها ، كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال .
والمقصود هنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القاريء التي هي عمله ، وذلك هو ثواب قاريء القرآن ؛ ليس المراد به أن نفس كلامه الذي تكلم به ، وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين ، فلم يكن في هذا حجة للجهمية على ما ادعوه ، أيها الجهمي الضال ..
ثم إن الإمام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾ قال: قيل : إنما يأتي أمره هكذا نقل حنبل ؛ ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته في المحنة كعبد الله بن أحمد ، وصالح بن أحمد ، والمروذي وغيرهم ؛ فاختلف أصحاب أحمد في ذلك .
فمنهم من قال غلط حنبل ، ولم يقل أحمد هذا ، وقالوا حنبل له غلطات معروفة وهذا منها ومنهم من قال : بل أحمد قال ذلك على سبيل الإلزام لهم . يقول : إذا كان أخبر عن نفسه بالمجيء والإتيان ، ولم يكن ذلك دليلا على أنه مخلوق ، وأنتم تأولتم ذلك على أنه جاء أمره ، فكذلك قولوا : جاء ثواب القرآن ، لاأنه نفسه هو الجائي ، فإن التأويل هنا ألزم ، فإن المراد هنا الإخبار بثواب قاريء القرآن وثوابه عمل له، لم يقصد به الإخبار عن نفسه القرآن لأن القرآن كلام الله غير مخلوق . فإن كان الرب قد أخبر بمجيء نفسه ثم تأولتم ذلك بأمره فإذا أخبر بمجيء قراءة القرآن فلأن تتأولوا ذلك بمجيء ثوابه بطريق الأولى والأحرى .
وإذا قاله لهم على سبيل الإلزام لم يلزم أن يكون موافقا لهم عليه ، وهو لا يحتاج إلى أن يلتزم هذا .فإن هذا الحديث له نظائر كثيرة في مجيء أعمال العباد ، والمراد مجيء قراءة القاريء التي هي عمله ، وأعمال العباد مخلوقة وثوابها مخلوق . ولهذا قال أحمد ، وغيره من السلف : أنه يجيء ثواب القرآن ، والثواب إنما يقع على أعمال العباد لا على صفات الرب وأفعاله .
ثم قال رحمه الله في [ص401]: ولا ريب أن المنقول المتواتر عن أحمد ينقض هذه الرواية ، ويبين أنه لا يقول : أن الرب يجيء ويأتي وينزل أمره ، بل هو ينكر على من يقول ذلك .
وكذلك ذكرت هذه الرواية عن مالك ، رويت من طريق كاتبه حبيب بن أبي حبيب ، لكن هذا كذاب باتفاق أهل العلم بالنقل ، لايقبل أحد منهم نقله عن مالك .
وقال رحمه الله في [ص 409] : قلت : وتأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك – بمعنى القصد والإرادة ونحو ذلك – هو قول طائفة . وتأولوا ذلك في قوله تعالى : ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ وجعل ابن الزاغوني وغيره ذلك : هو إحدى الروايتين عن أحمد .
والصواب : أن جميع هذه التأويلات مبتدعة ، لم يقل أحد من الصحابة شيئا منها ، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان ؛ وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث :أحمد بن حنبل وغيره من ائمة السنة .
ولكن بعض الخائضين بالتأويلات الفاسدة – كصاحبنا – يتشبث بألفاظ تنقل عن بعض الأئمة ، وتكون إما غلطا أو محرفة ؛ كما تقدم ....
والمقصود هنا : أنه ليس شيء من هذه الأقوال المتأولة قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا قول أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة – أئمة السنة والجماعة وأهل الحديث – كالأوزاعي ، ومالك بن أنس ، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ، وعبد الله بن المبارك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه وأمثالهم ممن لا يحصون كثرة ، بل أقوال السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ومن سلك سبيلهم من أئمة الدين وعلماء المسلمين عامة موجودة في الكتب التي ينقل فيها أقوالهم بألفاظها بالأسانيد المعروفة عنهم .
كما يوجد ذلك في كتب كثيرة ، مثل كتاب السنة ، وكتاب الرد على الجهمية لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري ؛ ولأبي داود السجستاني ، ولعبد الله بن أحمد بن حنبل ، ولأبي بكر الأثرم ، ولحنبل بن إسحاق ، ولحرب الكرماني ، ولعثمان بن سعيد الدارمي ، ولنعيم بن حماد الخزاعي ، ولأبي بكر الخلال ، وأبي بكر بن خزيمة ، ولعبد الرحمن بن أبي حاتم ، ولأبي القاسم الطبراني ، ولأبي الشيخ الأصبهاني ، ولأبي عبد الله بن منده ، ولأبي عمرو الطلمنكي وأبي عمر بن عبد البر، وغيرهم .
وفي كتب التفسير المسندة قطعة كبيرة من ذلك ، مثل تفسير عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ودحيم، وسنيد، وابن جرير الطبري ، وأبي بكر بن المنذر، وتفسير عبدالرحمن بن أبي حاتم، وغير ذلك من كتب التفسير ، التي ينقل فيها ألفاظ الصحابة والتابعين في معاني القرآن الكريم بالأسانيد المعروفة الثابتة .
فإن معرفة مراد الرسول ومراد الصحابة هو أصل العلم ، وينبوع الهدى ، والا فكثير ممن يذكر مذهب السلف ويحكيه لا يكون له خبرة بشيء من هذا الباب ، كما يظنون أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها أنه لا يفهم أحد معانيها ، لا الرسول ولا غيره ، ويظنون أن هذا معنى قوله : ﴿ لايعلم تأويله إلا الله ﴾ فيجعلون مضمون مذهب السلف أن الرسول بلغ قرآنا لا يفهم معناه ؛ بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها وأن جبريل كذلك ، وأن الصحابة والتابعين كذلك، وهذا ضلال عظيم ، وهو أحد أنواع الضلال في كلام الله والرسول صلى الله عليه وسلم . أ – هـ
قلت : وقد جعل أهل التخييل ، وأهل التحريف والتبديل ، والتجهيل ، ومنهم صاحب المقال: إثبات الصفات حشوا ولازم ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته حشوية ،لأنه بلغ أيات وأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها ، وهذا من أعظم الضلال والعياذ بالله تعالى .
والخلاصة فيما نًُسب إلى الإمام أحمد أنها لاتثبت ، لأنها تخالف ماتواتر عنه، ولأن حنبل غلط عليه في كثير من المسائل منها هذه ، وهو وإن كان ثقة فقد خالف جمع من الثقات في النقل عن الإمام أحمد ، فتعتبر هذه الرواية شاذة ، لأن القاعدة تقول : والشاذ ما يخالف ثقة فيه الملا ، أي إذا خالف الثقة جمعا مثله أو أوثق منه وأكثر عددا فروايته تعتبر شاذة وهذه منها .
وكذلك فإن هذه الرواية مضطربة فمرة رواها بقوله : يجيء ثوابه ،كما في المستدرك للحاكم والذي نقله البيهقي عنه – ومرة رواها بمجيء الأمر ،والأمر غير الثواب ، ومرة ثالثة أنه روى عنه ما يوافق مذهب السلف ، كما نقله ابن قدامة المقدسي في كتابه ذم التأويل وقد مر قريبا ، والمعروف أيضا أن البيهقي وشيخه الحاكم متساهلان في التوثيق والتصحيح ، وعلى فرض التسليم له دون تحقيق ولا تدقيق أن الرواية ثابتة عن الإمام أحمد فهو قالها على سبيل الإلزام في المحنة ولم يرد بها تأويل صفة المجيء إطلاقا لأن ذلك يخالف معتقده ،فبان بذلك بطلان نسبة التأويل للإمام أحمد ، وبان بذلك كذب هذا المفتري الضال .والحمد لله رب العالمين .
يتبع إن شاء الله...
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 09-27-2009, 08:48 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [ج8]

الوقفة الثالثة: بيان مذهب السلف في صفة المجيء والإتيان .
وقوله تعالى: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وقوله : ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك وقوله تعالى: ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا ﴾.
هذه الآيات وما أشبهها دليل لمذهب السلف أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات والأفعال الاختيارية كالاستواء والنزول والمجيء ونحو ذلك من الصفات التي أخبر تعالى بها عن نفسه أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فيثبتونها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تمثيل ،ولا تعطيل خلافا للمعطلة من جهمية أو معتزلة أو أشاعرة ونحوهم من نفات الصفات أو يتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي ولا عقلي .
فأما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة ظاهرها بل صريحها دال على مذهب السلف أهل السنة والجماعة وأنها لا تحتاج لدلالتها على مذهب المبتدعة الباطل أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص وهذا – أعني مذهب المبتدعة – لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتباع .


أما العقلي ، فليس في العقل ما يدل على نفي الصفات بل دل العقل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه قيل لهم الكلام على الصفات يتبع الكلام على الذات ، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات؛ فله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته وصفات خلقه تبع لذواتهم فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه ، ويقال أيضا لمن أثبت بعض الصفات ونفى بعضا منها؛ أو أثبت الأسماء ونفى الصفات إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم لأن القول في جميعها واحد ،وإما أن تنفي الجميع وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك ونفيك لبعضه فهذا تناقض ففرق بين ما أثبته وما نفيته ولن تجد إلى ذلك سبيلا .
أنواع الإتيان والمجيء والرد على من أوله بالأمر والثواب :
الإتيان والمجيء المضاف إلى الله نوعان مطلق ومقيد ، فإذا كان مجيء رحمته وعذابه ونحو ذلك قيد بذلك كما جاء في الحديث :<< حتى جاء الله بالرحمة والخير >> وكقوله تعالى : ﴿ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم.
والنوع الثاني : الإتيان والمجيء المطلق فهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه كقوله: ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله وقوله: ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا .
أما الرد على من أول النزول والمجيء بمجيء الأمر والثواب ، وأنه من مجاز الحذف فهذا باطل من وجوه : كما قاله ابن القيم رحمه الله .
1 – إحداها أنه إضمار ما لايدل عليه اللفظ لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ، وإدعاء حذف ما لادليل عليه يرفع الوثوق من الخطاب، وهو طريق كل مبطل على إدعاء إضمار ما يصحح باطله .
2 – الثاني : أن صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار ؛ فإضماره مجرد خلاف الأصل فلا يجوز .
3 – الثالث : أنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تعيين المحذوف كان تعيينه قولا على المتكلم بلا علم وإخبار عنه بإرادة ما لم يقم دليل على إرادته وذلك كذب عليه .
4– الرابع : في السياق ما يبطل هذا التقدير وهو قوله تعالى : ﴿ وجاء ربك والملك فعطف مجيء الملك على مجيئه سبحانه يدل على تغاير المجيئين وأن مجيئه حقيقة كما أن مجيء الملك حقيقة بل مجيء الرب أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك؛ وكذلك قوله : ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدا فتأمله .أ.هـ
قال أيضا: وأما من قال: يأتي أمره وينزل رحمته وأمره فإن أراد أنه سبحانه إذا نزل وأتى حلت رحمته وأمره فهذا حق وإن أراد أن النزول والمجيء والإتيان للرحمة والأمر ليس إلا ذلك فهو باطل من وجوه عديدة قد تقدمت ونزيدها وجوها أخر.
1 – منها أن يقال : أتريدون برحمته وأمره صفته القائمة بذاته أم مخلوقا منفصلا سميتموه رحمة ؟ فإن أردتم الأول فنزوله يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعا ، وإن أردتم الثاني كان الذي ينزل لفصل القضاء مخلوقا محدثا لا رب العالمين ، وهذا معلوم البطلان قطعا ، وهو تكذيب صريح فإنه يصح معه أن يقال : لاينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي لفصل القضاء وإنما ينزل ويأتي غيره .
2 – ومنها : كيف يصح أن يقول ذلك المخلوق لا أسأل عن عبادي غيري ويقول من يستغفرني فأغفر له ؟ ونزول رحمته وأمره مستلزم لنزوله سبحانه ومجيئه وإثبات ذلك للمخلوق مستلزم للباطل الذي لايجوز نسبته إليه سبحانه مع رد خبره صريحا .
3 – ومنها : أن نزول رحمته وأمره لا يختص بالثلث الأخير من الليل ، بل أمره ورحمته في كل وقت من ليل أو نهار . أنتهى من كلام ابن القيم ، وعنه صاحب شرح الواسطية محمد السلمان.
قال الإمام الجويني والد إمام الحرمين ، في رسالته [إثبات الاستواء ] ضمن مجموعة الراسائل المنيرية [ج1/181-183]: والذي شرح الله صدري في حال المتكلمين الذين أولوا الاستواء بالاستلاء والنزول بنزول الأمر ، والمجيء بمجيء الأمر والثواب ،واليدين بالنعمتين والقدرتين أنهم ما فهموا في صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوقين ، فما فهموا عن الله تعالى استواء يليق به ولا نزولا يليق به ،ولا مجيئا يليق به ، ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وعطلوا ما وصف الله به نفسه ، أو صفه به رسوله .
قال : ولا ريب أنا نحن وهم متفقون على إثبات صفة الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله تعالى ، ونحن قطعا لا نعقل من الحياة والسمع والبصر والعلم إلا أعراضا تقوم بجوارحنا، فكما يقولون : حياته تعالى وعلمه وسمعه وبصره ليست بأعراض ،بل هي صفات كما تليق به ، لا كما تليق بنا ، فمثل ذلك بعينه : فوقيته واستواؤه ، ونزوله ، ومجيئه ونحو ذلك ، فكل ذلك ثابت معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق ، بل كما يليق بعظمته وجلاله ، فإن صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت ، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد ، ولا فرق بين الاستواء والنزول والمجيء والسمع والبصر ، الكل ورد في النص .فإن قالوا في الاستواء والنزول والمجيء شبهتم ، فنقول لهم في السمع والبصر شبهتم ، فالكل ورد به النص فما دليل التفريق . نقلته بتصرف يسير .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله في العقيدة الواسطية أربع آيات لأثبات صفة المجيء والإتيان لله تعالى وهي: قوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور [البقرة : 210 ].وقوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام :158].وقوله تعالى : ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر / 21 / 22].قوله تعالى : ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا [الفرقان : 25].
وفي شرح هذه الآيات قال الشيخ العتيمين رحمه الله : قوله : ﴿ هل ينظرون هل استفهام بمعنى النفي ؛ يعني ما ينظرون ،وكلما وجدت إلا بعد الاستفهام فالاستفهام يكون للنفي. هذه قاعدة قال النبي صلى الله عليه وسلم :<< هل أنت إلا أصبع دميت >> أي ما أنت . أخرجه البخاري [ح2802] ومسلم [ح6146]وأحمد [ح18]والترمذي [ح3345].
ومعنى {{ ينظرون }} هنا : يُنظرون ، لأنها لم تتعد ب[ إلى ] ؛ فلو تعدت ب[ إلى ] لكان معناها النظر بالعين غالبا ، أما إذا تعدت بنفسها ؛ فهي بمعنى : ينتظرون . أي : ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وذلك يوم القيامة . وما قيل في هذه الآية يقال في الآية التي بعدها ، أما قوله تعالى : ﴿ كلا إذا كدت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا فكلا هنا للتنبيه مثل ألا .
وقوله : دكت الأرض دكا دكا ، هذا يوم القيامة . وأكد هذا الدك لعظمته لأنها تدك الجبال والشعاب وكل شيء يدك ، حتى تكون الأرض كالأديم ، والأديم هو الجلد ؛ قال الله تعالى : ﴿ فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا [ طه :106 ، 107] ويحتمل أن يكون تكرار الدك تأسيسا لا تأكيدا ، ويكون المعنى دكا بعد دك .
أما قوله تعالى : ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا يعني جاء ربك حقيقة يوم القيامة بعد أن تدك الأرض وتسوى ويحشر الناس يأتيهم الله للقضاء والفصل بينهم .
وقوله :{{ والملك }} [ أل ] هنا للعموم ؛ يعني : وكل ملك من الملائكة يأتي يوم القيامة وينزل إلى أرض المحشر {{ صفا صفا }} أي صف من وراء صف ؛ كما جاء في الأثر :<< تنزل ملائكة السماء الدنيا فيصفون ، ومن ورائهم ملائكة السماء الثانية ، ومن ورائهم ملائكة السماء الثالثة..>> وهكذا . أخرجه ابن المبارك في الزهد [ح354]والطبري في التفسير [30/186]من كلام الضحاك ابن مزاحم .
وأهل السنة والجماعة اتباع السلف الصالح يثبتون أن الله يأتي بنفسه هو ؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك عن نفسه ، وهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا من غيره وأحسن حديثا ؛ فكلامه مشتمل على أكمل العلم والصدق والبيان والإرادة ؛ فالله عز وجل يريد أن يبين لنا الحق وهو أعلم وأصدق وأحسن حديثا .
والسؤال الذي يبقى مطروحا عند بعض الناس هو : هل نعلم كيفية هذا المجيء ؟
الجواب : لانعلمه ؛ لأنه الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه يجيء ، ولم يخبرنا كيف يجيء ، ولأن الكيفية لا تعلم إلا بالمشاهدة أو مشاهدة النظير أو الخبر الصادق عنها ، وكل هذا لا يوجد في صفات الله تعالى ، ولأنه إذا جهلت الذات ، جهلت الصفات ، أي كيفيتها ؛ فالذات موجودة وحقيقية ونعرفها ونعرف ما معنى الذات وما معنى النفس ، وكذلك نعرف ما معنى المجيء ، لكن كيفية الذات أو النفس وكيفية المجيء غير معلومة لنا .فنؤمن بأن الله تعالى يأتي حقيقة ويجيء حقيقة على كيفية تليق به مجهولة لنا معلومة له سبحانه وتعالى .
وخالف أهل السنة والجماعة في هذه الصفة أهل التحريف والتعطيل فقالوا : إن الله لايأتي ؛ لأنك إذا أثبت أن الله يأتي ؛ ثبت أنه جسم ، والأجسام متماثلة .
وكذلك قالوا :أن القائل بجهة العلو والاستواء هو من المجسمة لأنهم يتوهمون أن من لازم ذلك التجسيم . وقد رد عليهم أهل السنة : قال السفريني في منظومته الموسومة [ الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية ].
وليس ربنا بجوهر ولا عرض ولا جسم تعالى ذو العلا
وقولهم ذلك وهم فاسد وظن كاذب ،لأن أهل السنة والجماعة أهل الإثبات المتبعين للمنصوص من الأخبار والآيات ينزهون الله تعالى عن التكييف والحد ، ويعتقدون أن من وصفه تعالى بالجسم ، وكيف ، فقد زاغ وألحد .
وأهل السنة يقولون لا يجوز أن نثبت ولا أن ننفي أن الله جوهر أو عرض أوجسم لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنة ما يثبت ذلك أو ينفيه ، والمعتمد في صفات الله تعالى هو الوحي فإذا لم يرد به إثبات ولا نفي ذلك وجب علينا أ ن لا نقول بالإثبات ولا بالنفي . ولأن أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العليا توقيفية وأن العقل قاصر عن إدراكها ، لذلك نقف حيث ورد النص بها ولا نزيد .ومن قواعدهم كما مر أنهم يتقيدون بألفاظ الشرعية .
فأهل السنة يقولون أن الله سبحانه أخبرنا أنه يجيء ولم يخبرنا كيف يجيء ، ولأن الكيفية لا تعلم إلا بالمشاهدة أو مشاهدة النظير أو الخبر الصادق عنها ، وكل هذا لا يوجد في صفات الله تعالى ولأنه إذا جهلت الذات ؛ جهلت الصفات ، أي كيفيتها ؛ فالذات موجودة وحقيقية ونعرفها ونعرف معنى الذات وما منعى النفس ، وكذلك نعرف ما معنى المجيء ، ولكن كيفية الذات أو النفس أو المجيء غير معلوم لنا، فنؤمن بأن الله يأتي حقيقة وعلى كيفية تليق به مجهولة لنا ، ثم نقول ما المانع أن يأتي الله تعالى بنفسه على الكيفية التي يريدها ؟ وأن لا يسأل عما يفعل ، وأنه يفعل ما يشاء ؟ يقولون : المانع أنك إذا أثبت ذلك فأنت ممثل .
فالجواب : هذا خطأ ؛ فإننا نعلم أن المجيء والإتيان يختلف حتى بالنسبة للمخلوق ، فالإنسان النشيط الذي يأتي كأنما ينحدر من مرتفع من نشاطه ، لكنه ليس يمشي مرحا ، وإن شئت فقل : إنه يمشي مرحا، هل هذا كالإنسان الذي يمشي على عصا ولا ينقل رجلا من مكانها إلا بعد تعب ومشقة.
والمجيء يختلف من وجه آخر ، فالحيوان منه ما يأتي على أربع ومنه ما يأتي على رجلين ، ومنه من يأتي ويجيء يزحف ، ومنه من يأتي طائرا ، وهكذا ، فإذا كان هذا المخلوق يختلف فعلى أي الإتيان والمجيء من هذه المخلوقات يتعين التمثيل ، ونحن نقول ليس كمثله شيء ، وهو يأتي ويجيء على كيفية تليق به .
ويقولون : وماذا تقولون في قوله تعالى : ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه النحل :1 ] فيجب أن نفسر كل إتيان أضافه الله إلى نفسه بهذه الآية ، ونقول المراد أمر الله .
فيقال لهم : إن هذا الدليل الذي أوردتموه هوعليكم وليس لكم .لو كان الله تعالى يريد إتيان أمره في الآيات الأخرى ؛ فما الذي يمنعه أن يقول : أمره ؟ فلما أراد الأمر عبر بالأمر ، ولما لم يرده ، لم يعبر به، وقال بما يريد .
وهذا في الواقع دليل عليكم ؛ لأن الآيات الأخرى ليس فيها إجمال حتى نقول : إنها بُينت بهذه الآية . فالآيات الأخرى واضحة ، وفي بعضها تقسيم يمنع إرادة مجيء الأمر : ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك [الأنعام :158] هل يستقيم لشخص أن يقول : ﴿ يأتي ربك أي أمره في مثل هذا التقسيم ؟ أي إتيان الملائكة وإتيان الله تعالى ..فإذا قالوا ما تقولون في قوله تعالى : ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده [المائدة :52] .
فالجواب : أن المراد بذلك إتيان الفتح أو الأمر ، لكن أضاف الله الإتيان به إلى نفسه ، لأنه من عنده ، وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية ؛ فالإتيان إذا قيد بحرف جر مثلا ؛ فالمراد به ذلك المجرور ، وإذا أطلق وأضيف إلى الله بدون قيد ، فالمراد به إتيان الله نفسه .
الوقفة الرابعة : مع قوله في بعض مقالاته : توحيد الحاكمية ..
وهذه المرة لم يسأل ، بل نشر مقالا في جريدة الشروق في خانة قناديل- اسغفر الله - بل قنابيل عنقودية بهتانية يكتبها شمس الضلالة : تحت عنوان: سيد قطب والعمائم الأمريكية بتاريخ22سبتمبر 2007/ الموافق10/رمضان1428 هـ العد 2104. يدافع فيه دفاعا مستميتا عن سيد قطب رأس الخوارج في القرن العشرين ،فقد كان سببا في ظهور فكر الخوارج المتمثل في جماعة الهجرة والتكفير التي نشأت في سجون مصر بقيادته بعد انشقاقه عن جماعة الإخوان المسلمين ، ثم منه إلى العالم الإسلامي الذي يعاني اليوم من ويلات هذا الفكر عند هذه الطائفة الضالة التي شوهت جمال هذا الدين كغيرها من الفرق التي خالفت المنهج السني السلفي بحق ، وسأعود إلى هذه النقطة لأبين خلطه وضلاله فيها – إن شاء الله- .
قال: يتعرض سيد رحمه الله تعالى إلى هجمة شرسة من طرف بعض العمائم الأمريكية الذين كلفوا بمهمة نيابة عن الإدارة الأمريكية ولصالحها ، سيد الذي نادى بتوحيد الحاكمية الواضح الأدلة من القرآن الكريم ..وللرد عليه على هذا الضلال أقول:
إن مصطلح الحاكمية : مصطلح يراد به معنيان عند من أطلقه .
المعنى الأول : إن الحكم إلا لله ، وهذا أطلقه الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤنين علي بن أبي طالب ، وذلك لما انتهت معركة صفين بالتحكيم ، أي توقف الجيشان عن القتال ورفعت المصاحف على الرماح ، ورضي علي رضي الله عنه بالتحكيم ، ورجع إلى الكوفة ، ورجع معاوية رضي الله عنه إلى الشام على أن يكون التحكيم في رمضان ، وأرسل علي أبا موسى الأشعري ، وأرسل معاوية عمرو بن العاص ، فلما التقيا قال عمرو لأبي موسى : ما ترى في هذا الأمر ؟ قال: أبو موسى : أرى أنه من النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم – يقصد عليا - .
فقال عمرو بن العاص : فأين تجعلني أنا ومعاوية ؟. قال أبو موسى : إن يستعن بكما ففيكما المعونة ، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما. كما رواه البخاري بسند صحيح في تاريخه ثم انتهى الأمر على هذا ، فرجع عمرو بن العاص إلى معاوية بهذا الخبر ، ورجع أبو موسى إلى علي به .فخرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورفضوا التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله وبدؤوا يشغبون على علي في المسجد يقومون ويصيحون : لاحكم إلا لله ، لاحكم إلا لله ، -كحال الخوارج اليوم ، والتاريخ يعيد نفسه – وكان علي يقول : كلمة حق أريد بها باطل .
ثم بعد ذلك قتلوا الصحابي الجليل عبد الله بن خباب وقتلوا زوجته ، وبقروا بطنها وكانت حاملا متمة في شهرها التاسع، فلما بلغ الأمر عليا أرسل إليهم ، من قتله؟ فردوا عليه كلنا قتلناه ، فخرج إليهم علي رضي الله عنه بجيش قوامه عشرة آلاف ؛ فقاتلهم في النهروان .
وأخرج الإمام أحمد قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثني يحي بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ، ونحن عندها جلوس ، مرجعه من العراق ، ليالي قتل علي ، فقالت له : يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه ؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي ؟ قال: ومالي لا أصدقك ؛ قالت: فحدثني عن قصتهم .


قال: فإن عليا لما كاتب معاوية ، وحكم الحكمان خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس ، فنزلوا بأرض يقال لها : حروراء من جانب الكوفة ، وأنهم عتبوا عليه وفارقوه عليه ، أمر مؤذنا فأذن ألا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن ، فلما امتلئت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه ، فجعل يصكه بيده ويقول : أيها المصحف ، حدث الناس ،فناداه الناس فقالوا : يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه؟ إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما رويناه منه، فماذا تريد ؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا ، بيني وبينهم كتاب الله ، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا [ النساء :25].فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل .
ونقموا علي أن كاتبت معاوية باسمي مجردا عن اسم الإمارة وقد جاءنا سهيل بم عمرو ، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وذكر باقي ما حصل لرسول الله في صلح الحديبية . والقصة بطولها في البخاري .
ثم إن عليا أرسل إليهم عبد الله بن عباس فناقشهم ورجع منهم أربعة ألاف كلهم تائب ، وبقي النصف الآخر أرسل إليهم علي يهادنهم ، ولم يبدأهم بالقتال حتى قطعوا السبيل ، وسفكوا الدم ، واستحلوا أهل الذمة ..
فهؤلاء رفضوا تحكيم الحكمين مع أن أمير المؤمنين كان محكما لكتاب الله ، ولم يخرج عليه ، وأراد بذلك حقن دماء المسلمين ، وأولئك قالوا كلمتهم الباطلة متأولين بها الحق ، لينكروا إمامته ، وإمامة معاوية ، وكان لهم ذلك فخرجوا وقتلوا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه غدرا ،وكذلك اليوم والتاريخ يعيد نفسه ، فهؤلاء جماعة الهجرة والتكفير من القطبيين وممن تأثر بهم أوتوا من هذا الباب حيث أولوا النصوص في الحكم بما أنزل الله ، ونادوا بالحاكمية لله وحده متأثرين بما خطه سيد في كتبه .
يتبع إن شاء الله ...
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-27-2009, 08:53 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [بروبي] [ج9]
الوقفة الرابعة : مع قوله في بعض مقالاته : توحيد الحاكمية ..
وهذه المرة لم يسأل ، بل نشر مقالا في جريدة الشروق في خانة قناديل- اسغفر الله - بل قنابيل عنقودية بهتانية يكتبها شمس الضلالة : تحت عنوان: سيد قطب والعمائم الأمريكية بتاريخ22سبتمبر 2007/ الموافق10/رمضان1428 هـ العد 2104. يدافع فيه دفاعا مستميتا عن سيد قطب رأس الخوارج في القرن العشرين ،فقد كان سببا في ظهور فكر الخوارج المتمثل في جماعة الهجرة والتكفير التي نشأت في سجون مصر بقيادته بعد انشقاقه عن جماعة الإخوان المسلمين ، ثم منه إلى العالم الإسلامي الذي يعاني اليوم من ويلات هذا الفكر عند هذه الطائفة الضالة التي شوهت جمال هذا الدين كغيرها من الفرق التي خالفت المنهج السني السلفي بحق ، وسأعود إلى هذه النقطة لأبين خلطه وضلاله فيها – إن شاء الله- .
قال: يتعرض سيد رحمه الله تعالى إلى هجمة شرسة من طرف بعض العمائم الأمريكية الذين كلفوا بمهمة نيابة عن الإدارة الأمريكية ولصالحها ، سيد الذي نادى بتوحيد الحاكمية الواضح الأدلة من القرآن الكريم ..وللرد عليه على هذا الضلال أقول:
إن مصطلح الحاكمية : مصطلح يراد به معنيان عند من أطلقه .
المعنى الأول : إن الحكم إلا لله ، وهذا أطلقه الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤنين علي بن أبي طالب ، وذلك لما انتهت معركة صفين بالتحكيم ، أي توقف الجيشان عن القتال ورفعت المصاحف على الرماح ، ورضي علي رضي الله عنه بالتحكيم ، ورجع إلى الكوفة ، ورجع معاوية رضي الله عنه إلى الشام على أن يكون التحكيم في رمضان ، وأرسل علي أبا موسى الأشعري ، وأرسل معاوية عمرو بن العاص ، فلما التقيا قال عمرو لأبي موسى : ما ترى في هذا الأمر ؟ قال: أبو موسى : أرى أنه من النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم – يقصد عليا - .
فقال عمرو بن العاص : فأين تجعلني أنا ومعاوية ؟. قال أبو موسى : إن يستعن بكما ففيكما المعونة ، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما. كما رواه البخاري بسند صحيح في تاريخه ثم انتهى الأمر على هذا ، فرجع عمرو بن العاص إلى معاوية بهذا الخبر ، ورجع أبو موسى إلى علي به .فخرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورفضوا التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله وبدؤوا يشغبون على علي في المسجد يقومون ويصيحون : لاحكم إلا لله ، لاحكم إلا لله ، -كحال الخوارج اليوم ، والتاريخ يعيد نفسه – وكان علي يقول : كلمة حق أريد بها باطل .
ثم بعد ذلك قتلوا الصحابي الجليل عبد الله بن خباب وقتلوا زوجته ، وبقروا بطنها وكانت حاملا متمة في شهرها التاسع، فلما بلغ الأمر عليا أرسل إليهم ، من قتله؟ فردوا عليه كلنا قتلناه ، فخرج إليهم علي رضي الله عنه بجيش قوامه عشرة آلاف ؛ فقاتلهم في النهروان .
وأخرج الإمام أحمد قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثني يحي بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ، ونحن عندها جلوس ، مرجعه من العراق ، ليالي قتل علي ، فقالت له : يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه ؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي ؟ قال: ومالي لا أصدقك ؛ قالت: فحدثني عن قصتهم .
قال: فإن عليا لما كاتب معاوية ، وحكم الحكمان خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس ، فنزلوا بأرض يقال لها : حروراء من جانب الكوفة ، وأنهم عتبوا عليه وفارقوه عليه ، أمر مؤذنا فأذن ألا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن ، فلما امتلئت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه ، فجعل يصكه بيده ويقول : أيها المصحف ، حدث الناس ،فناداه الناس فقالوا : يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه؟ إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما رويناه منه، فماذا تريد ؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا ، بيني وبينهم كتاب الله ، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل : ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا [ النساء :25].فأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل .
ونقموا علي أن كاتبت معاوية باسمي مجردا عن اسم الإمارة وقد جاءنا سهيل بم عمرو ، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وذكر باقي ما حصل لرسول الله في صلح الحديبية . والقصة بطولها في البخاري .
ثم إن عليا أرسل إليهم عبد الله بن عباس فناقشهم ورجع منهم أربعة ألاف كلهم تائب ، وبقي النصف الآخر أرسل إليهم علي يهادنهم ، ولم يبدأهم بالقتال حتى قطعوا السبيل ، وسفكوا الدم ، واستحلوا أهل الذمة ..
فهؤلاء رفضوا تحكيم الحكمين مع أن أمير المؤمنين كان محكما لكتاب الله ، ولم يخرج عليه ، وأراد بذلك حقن دماء المسلمين ، وأولئك قالوا كلمتهم الباطلة متأولين بها الحق ، لينكروا إمامته ، وإمامة معاوية ، وكان لهم ذلك فخرجوا وقتلوا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه غدرا ،وكذلك اليوم والتاريخ يعيد نفسه ، فهؤلاء جماعة الهجرة والتكفير من القطبيين وممن تأثر بهم أوتوا من هذا الباب حيث أولوا النصوص في الحكم بما أنزل الله ، ونادوا بالحاكمية لله وحده متأثرين بما خطه سيد في كتبه .
والمعنى الثاني : أن الحاكمية هي أعظم أبواب الملة وأهم أصول الدين إذا ذكر التوحيد فيسمونها بتوحيد الحاكمية ، ولايدندنون إلا حولها ، وهذا عند علماء السنة ،مشابهة لعقائد الشيعة الشنيعة الذين جعلوا الإمامة أعظم أصول الدين ، وهو لاشك قول باطل ورأي عاطل رده عليهم بقوة شيخ الإسلام ابن تيمة ، أنظر منهاج السنة النبوية [ج1/ 20/29].
وهذا الفهم الخاطئ والتأويل الفاسد هو الذي دفع بالخوارج إلى أن يجعلوا الحاكمية شرطا في الإيمان ، ومعنى للتوحيد ، أي أن معنى " لاإله إلا الله " في – زعمهم – : لا حاكمية إلا الله " .
يقول الشيخ محمد علي فركوس خفظه الله –وهو من علماء الجزائر- : وقد انتشرت هذه الدعوة التي ابتدع مفهومها ومسماها سيد قطب ، وهي مؤلفة بين عقيدة الإمامية والبهنسية ، ولا شك أن تفسير " لاإله إلا الله " ب: "" الحاكمية لله " مخالف لتفسير السلف لها ومعناها عندهم : " "لا مبعود بحق إلا الله "لقوله تعالى : ﴿ ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير [ الحج :62].
والتوحيد رأس التشريع ، وهو من أوليات الدعوة إلى الله تعالى ، قال الله عز وجل : ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ﴾ [ الشورى : 13 ].
ولا يخفى على كل ذي لب أن وجوب عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له :هو حكم بما أنزل الله ، وهو أول ما أوصى به الرسل والأنبياء في نزع عوالق الشرك من صدور المتشبثين به ، وتطهير أرض الله ومساجده من أدران الأوثان والأضرحة ، فسبيل الدعوة إلى الله يبدأ من التوحيد أولا وقبل كل شيء : ﴿ قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أن ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [يوسف :108].
والمراد بالآية الكريمة ، الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له لا شريك له . وفي حديث معاذ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن : << إنك تأتي قوما من أهل الكتب ، فادعهم إلى شهادتي أن لاإله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ..>> متفق عليه .
هذا وينبني على جعل الحاكمية شرط الإيمان : تكفير الداعي الحاكم الذي يخالف الحكم بما أنزل الله مطلقا ، وتكفير رعيته على حد سواء ولو كانوا منكرين على الحاكم بقلوبهم ، ولو بألسنتهم .
ولا شك أن هذا الاعتقاد فاسد إذ يلزم من اشتراط الحاكمية إخراج توحيد الإلهية وكثيرا من الأصول والأركان كالصلاة وغيرها من الحكم بما أنزل الله تعالى ، ومن عرى الدين الذي شرع المولى عز وجل .
فمثل هذا الاشتراط ناقص ومخالف لقوله صلى الله عليه وسلم :<< لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، فكلما انتقضت عروة ، تشبث الناس بالتي تليها ، فأولهن نقضا الحكم ، وآخرهمن الصلاة >> أخرجه أحمد وهو في صحيح الجامع تحت رقم [5354]وفي صحيح الترغيب والترهيب [1/396]. مجالس تذكيرية على مسائل منهجية [ص60-62].
وقال في[ صفحة 195] من نفس الكتاب بعد تحقيق القول في أقسام التوحيد : أما توحيد الحاكمية فلا يمكن تعداده قسما رابعا من أقسام التوحيد ، لأنه إن قصد بالحاكمية هو التحكيم بالكتاب والسنة أو تجريد المتابعة لهما ، فلا يخرج عن توحيد الألوهية والعبادة ؛ ولأن قبول العبادة يتوقف على شرطين وهما : الإخلاص والاتباع كما جاء في قوله تعالى : ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [ الكهف : 110 ].
أما إن كان المقصود بتوحيد الحاكمية حق التشريع وحده فأنه يدخل في توحيد الربوبية إذ التشريع من أمور الربوبية ؛ ذلك لأن اعتقاد حق التشريع لغير الله تعالى – كمن أحل القوانين الوضعية محل الشريعة – فإن هذا ينافي توحيد الربوبية ، بخلاف من عمل بغير الكتاب والسنة من غير اعتقاد جواز إحلالها محل شرع الله فهذا ينافي توحيد الألوهية والعبادة .
وعليه فإن توحيد الحاكمية بمعنييه لا يخرج عن توحيدي : الربوبية والألوهية ، وكما قدمنا أن توحيد الربوبية جزء من معنى توحيد الألوهية .
ولا يخفى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعيا ، في دعوتهم إلى الله تعالى إنما بدءوها بإخلاص العبادة لله ونبذ الشرك كما هو مفصل في آيات قرآنية عديدة ، وهو توحيد الألوهية والعبادة ، وهذا معروف عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى ؛ فإنما قاموا بتطبيق شرع الله والقضاء على ما يخالفه بعد تصحيح عقيدة الناس وتمكين التوحيد في أنفسهم وإزالة عنها شوائب الشرك ومتعلقاته .
والدعاة إلى الله تعالى امتداد للأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – في دعوتهم وينتهجون منهجهم ويسلكون سبيلهم .
ومن هنا تعلم أخي القاريء أن دفاعه عن سيد قطب هو دفاعه عن شيخ التكفيرين في هذا العصر ، وليست هذه المرة الأولى ، بل دافع عن حزب التحرير وهو حزب تكفيري ، كما دافع عن جبهة الإنقاذ وهي كذلك حزب تكفيري أيضا ... وغيرهم ،وبهذا يظهر جليا أن الرجل يتبني أفكار سيد قطب الذي يصف المجتمعات الإسلامية بالمجتمعات الجاهلية الأولى ، وكذلك تكفير الحكام المسلمين بالجملة ،ويقول بالمفاصلة الشعورية ،وغير ذلك ..من الضلالات.
ودفاعه عن سيد قطب في مقاله المذكور لينفي عنه القول :{ بوحدة الوجود } ويطعن في العلماء الذين انتقدوا سيد قطب في ذلك من كتبه التي خطها بيمينه، فالرجل إما أنه لايعرف تراكبيب اللغة العربية ،وإما أنه يتجاهلها ، ليضرب بأقوال أهل الحق ممن ينبزهم بلقب العمائم الأمريكية عرض الحائط ،ويدعم ما ذهب إليه بنقل واحد عن سيد قطب لتفسيره آية [116- 117 ] من سوة البقرة وهي قوله تعالى : ﴿ سبحانه بل له ما في السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ثم يذكر رأي سيد في الآية ويعقبه بقوله : وهكذا يوضح سيد ويصرح انتفاء وحدة الوجود ..
ولتوضيح هذه المسألة أقول:
أولا: إنني لم أتمكن من مراجعة تفسير الظلال ، وقول سيد في الآية ، لأنني وأنا أكتب هذا الرد كنت بعيدا عن مكتبتي ...
وثانيا : إن العلماء الذين تكلموا في سيد قطب وبينوا المؤاخذات عليه إنما تكلموا بعد الاستقراء لأقواله في تفسيره ، وللحكم على الرجل ومعرفة كلامه لابد من الاستقراء ومعرفة السابق واللاحق حتى يحمل كلامه على اللائق من حاله ، وهو لم يفعل ذلك .
ثالثا : وعلى فرض صحة ما نقل عن سيد فأقول : إن ذلك كان منه في أول أمره لأن الآية المذكورة موجودة في سورة البقرة وتفسيرها متقدم ، ثم اهتدى إلى القول بوحدة الوجود في آيات أخرى ، واكتفي بمثال واحد مما يصرح فيه سيد قطب بوحدة الوجود ولايفهم منه إلا ذلك ، فقد قال في تفسير سورة الإخلاص عند قوله تعالى : ﴿ قل هو الله أحد وهي من آخر ما فسر : إنها أحدية الوجود ؛ فليس هناك حقيقة إلا حقيقته ، وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده ، وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي .
قال العلامة الشيخ العثيمين رحمه الله : قرأت تفسيره –يعني : ظلال القرآن لسيد – لسورة الإخلاص ، وقد قال قولا عظيما فيها ، مخالفا لما عليه أهل السنة والجماعة ؛ حيث إن تفسيره لها يدل على أنه يقول بوحدة الوجود . براءة علماء الأمة [ص42].
وقال الشيخ المحدث الألباني رحمه الله : نقل سيد قطب كلام الصوفية ولا يمكن أن يفهم منه إلا أنه يقول بوحدة الوجود . المصدر السابق [ص37].
وكتب رحمه الله بخط يده على فاتحة كتاب " العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم " للشيخ ربيع بن هادي حفظه الله [ص3/ط الثانية1421هـ هذه العبارة : " كل ما رددته على سيد قطب حق وصواب ، ومنه يتبين لكل قاريء مسلم على شيء من الثقافة الإسلامية أن سيد قطب لم يكن على معرفة بالإسلام بأصوله وفروعه ، فجزاك الله خير الجزاء أيها الأخ الربيع على قيامك بواجب البيان والكشف عن جهله وانحرافه عن الإسلام .أ ه .وقد نشر هذا المقال في المجلة السلفية العدد السابع 1422هـ ً [ص46].
فانظر رعاك الله إلى هؤلاء الفطاحلة من العلماء الذين أطبقت الدنيا على فضلهم وعلمهم حتى شهد لهم الأعداء قبل الأصدقاء على ذلك ، فقد أذاعت الإذاعة البريطانية في سنة 1975 –أو 1978 الشك مني على أن أعلم العلماء بالسنة في ذلك العصر هو الشيخ الألباني ، ويأتي هذا الجويهل الضال ليمتطي ظهور هؤلاء الكبار ليظهر ويبرز للناس على أنه أعلم منهم ، فيكذبهم ويطعن فيهم ويغمزهم بما هم منه براء .
وأخيرا إن كان هؤلاء – وهم من خيرة هذه الأمة – أصحاب عمائم أمريكية فأنت من عمائم الموصاد اليهودية الخبيثة ، الذين كلفوك بتتبع عورات العلماء الذين تخافهم الإدارة الصهيونية الإمريكية أن يكثر أتباعهم ويعم خيرهم ، فأمريكا واليهود والنصارى ، يعلمون علم يقين أن هؤلاء على الحق ، وأن منهجهم هو المنهج الحق الذين يخافون أن يشكل عليهم خطرا مستقبلا ،فاعلم أن إرهاصات النصر تلوح في الأفق ، وأن قافلة الحق تسير بخط ثابتة ، ولن يضر السحاب نبح الكلاب .، كما لايضر الطائفة الظاهرة بالحق المنصورة بالصدق من خالفها أو خذلها ، والله متم نوره ولو كره الكافرون .
يتبع إن شاء الله ...

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 09-27-2009, 08:55 PM
جمال البليدي جمال البليدي غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 136
افتراضي رد: مجموع ما انتقض على شمس الدين بوربي الجزائري

القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [الجزء 10]

الوقفة الخامسة : مع قوله : وقد خالف الحشوية معتقد السلف رضي الله عنهم ..
فنقول له: إن كان يقصد بالسلف سلفه من أهل وحدة الوجود كابن عربي وسيد والأشاعرة كالفخر الرازي والماتريدية والمرجئة ، والحزبيين من الطرقيين ،والتكفيريين ممن ورد ذكرهم في مقاله ممن يدافع عنهم فالأمر كذلك؛لأن مذهب السلف الصالح يخالف مذهب سلفه من الخلف الذين يذوذ عنهم ؛ يؤكد هذا أنه نبز علماء السلف الصالح بالحشوية ، على طريق أسلافه المعتزلة ، والرافضة ، والأشاعرة ، والماتريدية والخوارج وسأنقل لك أخي القارئ عن كل هؤلاء نماذج لتعلم من هم الذين يشنعون على أهل السنة أتباع السلف الصالح بهذا اللقب القبيح الشنيع ، وإن كان يقصد بالسلف الصالح فهم براء من هذا التأويل، ومنهم الإمام أحمد كما بينّاه ؛ومع ذلك نقول له أيضا : إن الإمام أحمد يعتبر عندك حشويا لأنه وُصف بذلك وصفه به المأمون فكيف تأخذ عنه التأويل وأنت تصفه بما وصفه به المأمون من أنه حشوي..ألا عاملك الله بما تستحق .
وإليك أخي القارئ بعض أقوالهم كما وعدتك والرد عليها ولكن بعد أن أذكر لك معنى ذلك اللفظ لغة واصطلاحا حتى تعرف من هو الذي أحق بذلك اللقب القبيح ؟.
أما لغة : فالحشو : هو أن يودع الشيء وعاء باستقصاء ، يقال : حشوته أحشوه حشوا ... ويقال : فلان من حشوة بني فلان أي : من رذالهم ، وإنما قيل ذلك لأن الذي تحشى به الأشياء لا يكون من أفخر المتاع بل أدونه .معجم مقاييس اللغة لابن فارس [ج2/ص74].
وقال في اللسان[ج3/ 180] : والحشو من الكلام : الفضل الذي لايعتمد عليه ، وكذلك هو من الناس ، وحشوة الناس رذالتهم .. وفلان من حشوة بني فلان بالكسر : أي من رذالهم . وفي اصطلاح من أطلقه يراد به أحد المعاني الآتية :
1- يراد به العامة الذين هم حشو الناس.أنظر ابن تيمية منهاج السنة[ج2/ 415-416] ورذالتهم وجمهورهم ، وهم غير الأعيان والمتميزين ، وهم عند الشيعة والروافض السواد الأعظم من هذه الأمة ، كما جاء في فرق الشيعة :للنوبختي [ ص06]طبع استانبول931 م .حيث نبز كل من لم يقل بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الحشو :وهذا كلامه :<< فلما قتل علي رضي الله عنه – التفت الفرقة التي كانت معه والفرقة التي كانت مع طلحة والزبير وعائشة فصاروا فرقة واحدة مع معاوية بن أبي سفيان ؛ إلا القليل منهم من شيعته ومن قال بإمامته بعد النبي صلى الله عليه وسلم – وهم السواد الأعظم وأهل الحشو واتباع الملوك وأعوان كل من غلب ؛ أعني الذين التقوا مع معاوية ...>>أنظر إليه كيف يصف الصحابة بأنهم أهل حشو ..

2 – يراد به : رواة الأحاديث من غير تمييز لصحيحها من سقيمها :
قال ابن الوزير : فإن الحشوية إنما سموا بذلك ؛ لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أي يدخلونها فيها وليست منها .
قلت : كأنهم لا يعرفون ما يحدثون به ..وقد بين ابن الوزير براءة أهل الحديث والسنة من هذا اللقب فقال : [.. فأكثر عامة المسلمين لايدرون من الحشوية ؟ ولا يعرفون أن هذه النسبة غير مرضية ... ومن كان له أدنى عرف أنّ نقاد الحديث وأئمة الأثر هم أعداء الحشوية وأكره الناس لهذه الطائفة الغوية . أنظر الروض الباسم في الذم عن سنة أبي القاسم [ج1/120].
3 – يراد به التجسيم : كما نقل التهاوني عن السبكي أنهم سموا بذلك لأن منهم المجسمة أو هم أنفسهم . والجسم حشو .كشاف اصطلاحات الفنون [ج2/167] محمد علي الفاروقي ، تحقيق د . لطفي عبد البديع .
ونسب ابن القيم لجهلة الجهمية أنهم لقبوا أهل السنة بذلك لأنهم بزعمهم – جعلوا ربهم حشو هذا الكون بإثباتهم له صفة الفوقية والاستواء وأنه في السماء . نونية ابن القيم بشرح خليل هراس [1/333-334]. فهذه المعاني الثلاثة أو أحدها هي المسوغات التي اعتبرها مخالفوا أهل السنة وهم ينبزونهم بهذا اللقب الجائر .فعند الرافضة كل من لم يقل بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد رسول الله فهو حشوي ،وعند المعتزلة كل من أثبت الصفات ، وأثبت القدر فهو من حشو الناس وعند الأشاعرة والماتريدية كل من أثبت الصفات الخبرية ولم يؤولها ويصرفها عن ظاهرها فهو حشوي ، وإليك بعض أقوالهم :
يعد هذا اللقب [الحشوية ] من أكثر الألقاب ذيوعا وورودا في كتب مخالفي أهل السنة أتباع السلف الصالح ، وذلك لكثرة الفرق التي رمت أهل السنة به ، فلا أدرى أهو مما تواصوا به أم تشابهت قلوبهم ، فاتفقت أقوالهم على وصم أهل السنة والأثر به ؟وسأذكر طائفة من أقوال الفرق التي رمت أهل السنة بذلك .
المعتزلة : وهم أول من تولى كبر ذلك ، إذ أول من عرف أنه تكلم في الإسلام بهذا اللفظ هو عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة قال يصف بعض الصحابة بذلك : < كان ابن عمر حشويا ..> قال ابن العماد في ترجمته : وكانت له جرأة فإنه قال عن ابن عمر : هو حشوي . قال : فانظر هذه الجرأة والافتراء عامله الله بعدله .شذرات الذهب في أخبار من ذهب [ج1/221].


وذكر ابن جرير الطبري عن الخليفة العباسي المأمون الذي تبنى قول المعتزلة في خلق القرآن الكريم أنه نبز مخالفيه بأنهم حشو رعاع فقال في كتابه إلى إسحاق بن إبراهيم الخزاعي في امتحان القضاة والمحدثين :[.. وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ..]تاريخ الأمم والملوك [ج8/632] بتحقيق أبي الفضل إبراهيم .
وهاهو القاضي عبد الجبار رأس من رؤوس المعتزلة يقول في كتابه شرح الأصول الخمسة : < فقد ذهبت الحشوية والنوابت من الحنابلة إلى أن هذا القرآن المتلو في المحاريب ، والمكتوب في المصاحف غير مخلوق ولا محدث ..>[ص527]وقال:< .. ولسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف >[ص737].
الرافضة : قد تقدم نقل كلام النوبختي في ذلك ، وهذا كلام أحمد بن حمدان بن أبي حاتم الرازي قال: ومن ألقابهم أي – أهل السنة الحشوية – حشوية لقبوا بذلك ؛ لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة المتناقضة .. حتى قال فيهم بعض المحلدين : يروون أحاديث ثم يروون نقيضها ، ولروايتهم أحاديث كثيرة مما أنكره عليهم أصحاب الرأي وغيرهم من الفرق في التشبيه وغير ذلك ..فلقبوهم الحشوية بذلك .كتاب الزينة ملحق بكتاب الغلو والفرق الغالية : للدكتور عبد الله سلوم السامرائي [ص267].
ويقصد بقوله : من الفرق في التشبيه أحاديث الصفات، وأهل السنة لم يقولوا إلا بما صح عندهم منها فآمنوا به واعتقدوا ما دل عليه ، وماأنكر ذلك عليهم إلا معروف ببدعة .
الأشاعرة : فقد تلقوا هذه التركة عن المعتزلة ، فتراهم يتابعونهم على ما درجوا عليه من نبز أهل السنة والأثر بهذا اللقب الجائر ، وهذه بعض أقوالهم :
يقول أبو المعالي الجويني : وذهب الكرامية وبعض الحشوية إلى أن الباري تعالى متحيز مختص بجهة فوق ...الإرشاد [ص39] .
وقصد بالحشوية من أثبت الفوقية لله عز وجل وهم أهل السنة والحديث أتباع السلف الصالح وإن أهل السنة والحديث لم ينطقوا بلفظ التحيز والجهة نفيا ولا إثباتا كما هو منهجهم ، وإنما أثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الفوقية ، ﴿ يخافون ربهم من فوقهم .
الإمام الغزالي أبو حامد فقد جعل من أثبت رؤية الله عز وجل في جهة حشويا .أنظر الاقتصاد [ص48].
الآمدي :يقول : < .. وبهذا يتبين فساد قول الحشوية : إن الإيمان هو : التصديق بالجنان ، والإقرار باللسان ، والعمل بالأركان ...> أنظر غاية المرام في علم الكلام بتحقيق حسن محمود عبد اللطيف [ص311 ] .فقد عد من قال بقول أهل السنة في الإيمان حشويا .
الماتريدية :وهي صنو الأشعرية وشريكتها في إرث تركة المعتزلة ، ورمي أهل السنة بألقاب السوء ، وها هو شيخ الماتريدية ومؤسسها الأول أبو منصور الماتريدي يصم من يعد الأعمال داخلة في مسمى الإيمان بأنه حشوي فيقول في تعريف الإرجاء : ثم اختلف في المعنى الذي سمي به من سمي مرجئا بعد اتفاق أهل اللسان على الإرجاء أنه التأخير ..
قالت الحشوية : سميت المرجئة بما لم يسموا كل الخيرات إيمانا .. كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي [ص381] بتحقيق د. فتح الله خليف ، المكتبة الإسلامية تركيا .
الخوارج : نسب ذلك إليهم الإمام أحمد بن حنبل فقال في كتاب السنة :في معرض حديثه عما أحدثه أهل الأهواء والبدع والخلاف من أسماء شنيعة قبيحة سموا بها أهل السنة : فقال: وأما الخوارج فيسمون أهل السنة : نابتة وحشوية .
وللرد على هذا المبتدع وأمثاله نقول :
1 - إن هذا اللقب لقب مبتدع ما أنزل الله به من سلطان ، فليس هو في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ، ولا نطق به أحد من سلف الأمة وأئمتها نفيا ولا إثباتا ، فالذم به ذم للناس بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان بل هو من قبيل التنابز بالألقاب المنهي عنه .أنظر ابن تيمية ، الفتاوى [ج4/146].
2 – إن الطائفة إنما تتميز باسم رجالها أو بنعت أحوالها فالأول كما يقال : الجهمية ، نسبة للجهم بن صفوان ، والكلابية نسبة لابن كلاب ، والأشعرية نسبة للأشعري ، والثاني : كما يقال : الرافضة لرفضهم زيد بن علي ، والقدرية لقولهم بالقدر ، والمرجئة لقولهم بالإرجاء في الإيمان ، أما لفظ الحشوية فليس فيه ما يدل على شخص معين ولا مقالة معينة .أنظر منهاج السنة لابن تيمية :[ج2/ 414] بتصرف .
3 – أنكم نبزتم أهل السنة بهذا اللقب ؛ لأنهم بزعمكم يروون الأحاديث بلا تمييز ولا إنكار . وهذا خلاف الواقع ، فإن أهل الحديث والسنة هم الذين اختصوا بالذب عن السنة ، وميزوا صحيحها من سقيمها ، ثم إنكم أيها المخالفون المبتدعون أحق بهذا اللقب ، لنترك القراء الكرام العقلاء يحكمون من هو أحق بهذا اللقب القبيح فأنتم تستشهدون لمذهبكم بما يؤيده من الأحاديث وإن كان ضعيفا أو موضوعا عند أهل الحديث ، ولكنكم تحشون أقوالكم ومصنفاتكم بالكلام الذي لا تعرف صحته ، بل يعرف بطلانه لمخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذه أقوالكم مطابقة لما عليه تلك الفرق المخالفة لأهل السنة ، فبان بهذا أنكم أحق بهذا اللقب القبيح من المتمسكين بمنهج السلف الصالح .
4– أما معنى التجسيم الذي نبزتم أهل السنة بالحشو لأجله ، فإنه ليس في قول أهل السنة تجسيم ، لأنهم إنما أثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من الصفات ، مع نفي المشابهة والمماثلة للمخلوقات ، ثم إن لفظ التجسيم عندهم من الألفاظ المبتدعة فلم ينطقوا به نفيا ولا إثباتا .
5 – أنه ينبغي أن ينظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به أيهما أحق ، وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة ، كما ذكر العلماء – كأبي حاتم وغيره – أن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية .أنظر ابن تيمية الفتاوى [ج4/ 88].
ويكفي أن نعرف أن أول الواسمين به عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة كما تقدم ، وأن أول الموسومين به هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الصحابي الجليل ،والصحابة أيضا كما في وصف ذلكم الشيعي ، ثم أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة رحمه الله ، لتعلم منزلة الواسم والموسوم .فتبين بهذا أن الرجل يترضى قول المعتزلة والرافضة والزنادقة والفرق الأخرى التي تبنته ونطقت به في طعنها على أهل السنة أتباع السلف الصالح . ويصف به أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد الذي نسب إليه التأويل دون نظر ولا تحقيق في المسألة .
قال الشيخ خليل هراس في شرح النونية لابن القيم [ج1/335]: فهذا عمرو بن عبيد رأس في البدعة والاعتزال ، وعبد الله بن عمر صحابي ابن صحابي ، من أكثر الصحابة رواية وحفظا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك نقم عليه ابن عبيد ، وعده حشويا لكثرة روايته ؛ لأن المعتزلة أعداء الحديث والأثر ، والإمام أحمد هو من هو في الإمامة والتقدم في العلم والسنة .
ثم ورث كلا من الواسم والموسوم أتباعه ومن على منهجه ، فورث عمرو بن عبيد في نبز أهل السنة بهذا اللقب ، أهل البدعة والخلاف ، وورث عبد الله بن عمر والأمام أحمد أهل السنة والجماعة وأنى يستوى الإرثان، هذا إرث هدى وسنة ، وذاك إرث ضلالة وبدعة .فانظر لنفسك أيها الرذال الجاهل أي الإرثين ورثت .
يتبع إن شاء الله ....
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:53 PM.