العودة   منتديات أهل الحديث السلفية > منتدى علمي > منبر النكت العلمية والمدارسة بين الطلاب
التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
منبر النكت العلمية والمدارسة بين الطلاب الفوائد والفرائد

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-10-2010, 08:58 PM
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: تلمسان _ الجزائر
المشاركات: 712
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبد المحسن زهير بن عبد الكريم التلمساني
افتراضي توقير العلماء وكيفية التعامل معهم (موضوع متجدد)

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


توقير العلماء والكبار وأهل الفضل


وتقديمهم على غيرهم ، ورفع مجالسهم ، وإظهار مرتبيهم

للشيخ العلامة العثيمين رحمه الله


قال الله تعالى: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) [الزمر: 9] .
1/348 ـ وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله و سلم : (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء ، فأعلمهم بالسنة ،فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء ، فأقدمهم سناً ، ولا يؤمَنَ الرجل الرجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه )) رواه مسلم (183) .
وفي رواية له : (( فأقدمهم سِلماً )) : بدل (( سِنا )) أو إسلاماً .
وفي رواية : (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، وأقدمهم قراءة ، فإن كانت قراءتهم سواء فيؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً )) .
والمراد (( بسلطانه )) محل ولايته ، أو الموضع الذي يختص به .
(( وتكرمته )) بفتح التاء وكسر الراء : وهي ما ينفرد به من فراش وسرير ونحوهما .
2/349 ـ وعنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : (( استووا ولا تختلفوا ، فتختلف ، قلوبكم ، لِيلِني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) رواه مسلم (184) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( لِيلِني )) هو بتخفيف النون وليس قبلها ياء ، وروي بتشديد النون مع ياء قبلها (( والنهى )) : العقول ، (( وأولو الأحلام )) هم البالغون ، وقيل : أهل الحلم والفضل .


الـشـرح


قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ : باب توقير العلماء ، وأهل الفضل ، وتقديمهم على غيرهم ، ورفع مجالسهم ، وإظهار مرتبتهم ، يعني وما يتعلق بهذا من المعاني الجليلة .
يريد المؤلف ـ رحمه الله ـ بالعلماء علماء الشريعة الذين هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ؛ لأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، فإن النبي صلى عليه وسلم توفي عن بنته فاطمة وعمه العباس ولم يرثوا شيئاً ؛ لأن الأنبياء لا يورثون إنما ورثوا العلم .
فالعلم شريعة الله فمن أخذ بالعلم ؛ أخذ بحظ وافر من ميراث العلماء .
وإذا كان الأنبياء لهم حق التبجيل والتعظيم والتكريم ، فلمن ورثهم نصيب من ذلك ، أن يبجل ويعظم ويكرم ، فلهذا عقد المؤلف رحمه الله لهذه المسألة العظيمة باباً ؛ لأنها مسألة عظيمة ومهمة .
وبتوقير العلماء توقر الشريعة ؛ لأنهم حاملوها ، وبإهانة العلماء تهان الشريعة ؛ لأن العلماء إذا ذلوا وسقطوا أمام أعين الناس ؛ ذلت الشريعة التي يحملونها ، ولم يبق لها قيمة عند الناس ، وصار كل إنسان يحتقرهم ويزدريهم فتضيع الشريعة .
كما أن ولاة الأمر من الأمراء والسلاطين يجب احترامهم وتوقيرهم تعظيمهم وطاعتهم ، حسب ما جاءت به الشريعة ؛ لأنهم إذا احتقروا أمام الناس ، وأذلوا ، وهون أمرهم ؛ ضاع الأمن وصارت البلاد فوضى ، ولم يكن للسلطان قوة ولا نفوذ .
فهذان الصنفان من الناس : العلماء والأمراء ، إذا احتقروا أمام أعين الناس فسدت الشريعة ، وفسدت الأمن ، وضاعت الأمور ، وصار كل إنسان يرى أنه هو العالم ، وكل إنسان يرى لأنه هو الأمير ، فضاعت الشريعة وضاعت البلاد ، ولهذا أمر الله تعالى بطاعة ولاة الأمور من العلماء والأمراء فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) [النساء: 59] .
ونضرب لكم مثلاً : إذا لم يعظم العلماء والأمراء ، فإن الناس إذا سمعوا من العالم شيئاً قالوا : هذا هين ، قال فلان خلاف ذلك .
أو قالوا : هذا هين هو يعرف ونحن نعرف ، كما سمعنا عن بعض السفهاء الجهال ، أنهم إذا جودلوا في مسألة من مسائل العلم ، وقيل لهم : هذا قول الإمام أحمد بن حنبل ، أو هذا قول الشافعي ، أو قول مالك ، أو قول أبي حنيفة ، أو قول سفيان ، أو ما أشبه ذلك قال : نعم ، هم رجال ونحن رجال ، لكن فرق بين رجولة هؤلاء ورجولة هؤلاء ، من أنت حتى تصادم بقولك وسوء فهمك وقصور علمك وتقصيرك في الاجتهاد وحتى تجعل نفسك نداً لهؤلاء الأئمة رحمهم الله ؟
فإذا استهان الناس بالعلماء كل واحد يقول : أنا العالم ، أنا النحرير ، أنا الفهامة ، أنا العلامة ، أنا البحر الذي لا ساحل له وصار كل يتكلم بما شاء ، ويفتي بما شاء ، ولتمزقت الشريعة بسبب هذا الذي يحصل من بعض السفهاء .
وكذلك الأمراء ، إذا قيل لواحد مثلاً : أمر الولي بكذا وكذا ، قال : لا طاعة له ؛ لأنه مخل بكذا ومخل بكذا ، وأقول : إنه إذا أخل بكذا وكذا ، فذنبه عليه ، وأنت مأمور بالسمع والطاعة ، حتى وإن شربوا الخمور وغير ذلك ما لم نر كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان ، وإلا فطاعتهم واجبة ؛ ولو فسقوا ، ولو عتو ، ولو ظلموا .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ))(185) .
وقال لأصحابه فيما إذا أخل الأمراء بواجبهم ، قال : (( اسمعوا وأطيعوا فإنما عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا )) (186).
أما أن نريد أن تكون أمراؤنا كأبي بكر وعمر ، وعثمان وعلى ، فهذا لا يمكن ، لنكن نحن صحابة أو مثل الصحابة حتى يكون ولاتنا مثل خلفاء الصحابة .
أما والشعب كما نعلم الآن ؛ أكثرهم مفرط في الواجبات ، وكثير منتهك للحرمات ، ثم يريدون أن يولي الله عليهم خلفاء راشدين ، فهذا بعيد ، لكن نحن علينا أن نسمع ونطبع ، وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين فتقصيرهم هذا عليهم . عليهم ما حملوا ، وعلينا ما حملنا .
فإذا لم يوقر العلماء ولم يوقر الأمراء ؛ ضاع الدين والدنيا . نسأل الله العافية .
ثم استدل المؤلف بقوله تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) [الزمر: 9] ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي) يعني لا يستوي الذين يعملون والذين لا يعملون ؛ لأن الجاهل متصف بصفة ذم ، والعالم متصف بصفة مدح ، ولهذا لو تعير أدنى واحد من العامة وتقول له : أنت جاهل ، غضب وأنكر ذلك ، مما يدل على أن الجهل عيب مذموم ، كلُ ينفر منه ، والعلم خير ، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون في أي حال من الأحوال .
العالم يعبد الله على بصيرة ، يعرف كيف يتوضأ ، وكيف يصلي ، وكيف يزكي ، وكيف يصوم ، وكيف يحج ، وكيف يبر والديه ، وكيف يصل رحمه .
العالم يهدي الناس ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) [الأنعام: 122] ، لا يمكن أن يكون هذا مثل هذا ، فالعالم نور يهتدي به ويرفع الله به ، والجاهل عالة على غيره ، لا ينفع نفسه ولا غيره ، بل إن أفتى بجهل ؛ ضر نفسه وضر غيره ، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .
ثم استدل المؤلف بحديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله )) يعني يكون إماماً فيهم أقرؤهم كاتب الله (( فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا بالسنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً )) أي إسلاماً ، وفي لفظ سناً أي أكبرهم سناً .
وهذا يدل على أن صاحب العلم مقدم على غيره ؛ يقدم العلم بكتاب الله ، ثم العالم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقدم من القوم في الأمور الدينية إلا خيرهم أفضلهم .
وهذا يدل على تقديم الأفضل فالأفضل في الإمامة ، وهذا في غير الإمام الراتب ، أما الإمام الراتب فهو الإمام وإن كان في الناس من هو أقرأ منه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث : (( ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه )) وإمام المسجد الراتب سلطان في مسجده ، حتى إن بعض العلماء يقول : لو أن أحداً تقدم وصلى بجماعة المسجد بدون إذن الإمام فصلاتهم باطلة ، وعليهم أن يعيدوا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الإمامة ، والنهي يقتضي الفساد ، والله الموفق .


* * *



3/350 ـ وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لِيلِني مِنكم أولو الأحلام والنهي ، ثم الذين يلونهم )) ثلاثا ًً (( وإياكم وهيشاتِ الأسواق )) رواه مسلم (187) ،
4/351 ـ وعن أبي يحيى وقيل : أبي محمد سهل بن أبي حثمة ـ بفتح الحاء المهملة ، وإسكان التاء المثلثة الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال انطلق عبد الله ابن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح ، فتفرقا ، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دَمِهِ قتِيلاً ، فدفنه ، ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال : (( كبر كبر )) وهو أحدث القوم ، فسكت ، فتكلما فقال : (( أتحلفون وتستحقون قاتلكم ؟ )) وذكر تمام الحديث . متفق عليه (188) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( كبر كبر )) معناه : يتكلم الأكبر .
5/352 وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد يعني في القبر ، ثم يقول : (( أيهما أكثر أخذاً للقرآن ؟ )) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد . رواه البخاري (189).
6/353 ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( أراني في المنام أتسوك بسواك ، فجاءني رجلان ، أحدهما أكبر من الآخر ، فناولت السواك الأصغر ، فقيل لي : كبر ، فدفعته إلى الأكبر منهما )) رواه مسلم مسنداً ، والبخاري تعليقاً (190) .
7/354 ـ وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله وعليه : (( إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه ، والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط )) حديث حسن رواه أبو داود (191) .


الـشـرح


هذه الأحاديث فيها الإشارة إلى ما سبق عن المؤلف ـ رحمه الله ـ من إكرام أهل العلم وأهل الفضل الكبير ، فمن ذلك حديث عبد الله ين مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليلني منكم أولو الأحلام والنهي ، ثم الذين يلونهم )) قال ذلك ثلاثاً ، (( وإياكم وهيشات الأسواق )) وفي قوله : (( ليلني منكم )) اللام لام الأمر ، والمعنى أنه في الصلاة ينبغي أن يتقدم أولو الأحلام والنهي .
وأولو الأحلام : يعنيالذين بلغوا الحلم وهم البالغون ، والنهي جمع نهية وهي العقل ، يعني العقلاء فالذي ينبغي أن يتقدم في الصلاة العاقلون البالغون ؛ لأن ذلك أقرب إلى فهم ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يفعله ، من الصغار ونحوهم ، فلهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم أن يتقدم هؤلاء حتى يلوا الإمام .
وليس معنى الحديث لا يلني إلا أولو الأحلام والنهي ، بحيث نطرد الصبيان عن الصف الأول ، فإن هذا لا يجوز . فلا يجوز طرد الصبيان عن الصف الأول إلا أن يحدث منهم أذية ، فإن لم يحدث منهم أذية ؛ فإن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد أحق به .
وهناك فرق بين أن تكون العبارة النبوية : لا يلني إلا أولو الأحلام ، وبين قوله : ليلني أولو الأحلام ، فالثانية تحث الكبار العقلاء على التقدم ، والأولى لو قدر أنها هي نص الحديث لكان بنهى أن يلي الإمام من ليس بالغاً ، أو ليس عاقلاً .
وعلى هذا فنقول : إن أولئك الذين يطردون الصبيان عن الصف الأول أخطئوا من جهة أنهم منعوا ذوي الحقوق حقوقهم ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له )) (192) .
ومن جهة أخرى أنهم يكرهون الصبيان المساجد ، وهذا يؤدي إلى أن ينفر الصبي عن المسجد إذا كان يطرد عنه.
ومنها أن هذه لا تزال عقدة في نفسه من الذي طرده فتجده يكرهه ، ويكره ذكره ، فمن أجل هذه المفاسد نقول : لا تطردوا الصبيان من أوائل الصفوف .
ثم إننا إذا طردناهم من أوائل الصفوف ؛ حصل منهم لعب ، لو كانوا كلهم في صف واحد كما يقوله من يقوله من أهل العلم ، لحصل منهم من اللعب ما يوجب اضطراب المسجد ، واضطراب أهل المسجد ، ولكن إذا كانوا مع الناس في الصف الأول ومتفرقين ؛ فإن ذلك أسلم من الفوضى التي تحصل بكونهم يجتمعون في صف واحد .
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( ليلني منكم أولو الأحلام والنهي )) يستفاد منه أن الدنو من الإمام له شأن مطلوب ، ولهذا قال : ليلني أي يكون هو الذي يليني .
وعلى هذا نقول : إذا كان يمين الصف بعيداً ، وأيسر الصف أقرب منه بشكل واضح ، فإن الصف الأيسر أفضل من الأيمن ، من أجل دنوه من الإمام ؛ ولأنه لما كان الناس في أول الأمر إذا كان إمامهم واثنان معه ، فإنهما يكونان عن يمينه واحد ، وعن شماله واحد ، ولا يكون كلاهما عن اليمين ، فدل هذا على مراعاة الدنو من الإمام ، وتوسط الإمام من المأمومين .
ولكن هذا الأمر أي كون الإمام واثنان معه يكونان في صف واحد ، هذا نسخ ، وصار الإمام إذا كان معه اثنان يصفان خلفه ، ولكن كونه ـ حين كان مشروعاً ـ يجعل أحدهما عن اليمين والثاني عن اليسار ؛ يدل على أنه ليس الأيمن أفضل مطلقاً ، بل أفضل من الأيسر إذا كان مقارباً أو مثله ، أما إذا تميز بميزة بيّنة ؛ فاليسار مع الدنو من الإمام أفضل .
وفي حديث الرؤيا التي رآها الرسول صلى الله عليه وسلم ، أنه كان صلى الله عليه وسلم أنه كان صلى الله عليه وسلم يتسوك بسواك فجاءه رجلان فأراد أن يعطيه الأصغر ، فقيل له : كبّر كبّر . فيه دليل أيضاً على اعتبار الكبر ، وأنه يقدم الأكبر في إعطاء الشيء .
ومن ذلك إذا قدمت الطعام مثلاً أو القهوة أو الشاي فلا تبدأ باليمين ، بل ابدأ بالأكبر الذي أمامك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يعطيه الأصغر قيل له كبّر ، ومعلوم أنه لو كان الأصغر هو الأيسر لا يذهب الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيه إياه فالظاهر أنه أعطى الأيمن من أجل التيامن ، لكن قيل له كبّر : يعني أعطه الأكبر ، فهذا إذا كان الناس أمامك تبدأ بالكبير ، لا تبدأ باليمين ، أما إذا كانوا جالسين عن اليمين وعن الشمال فابدأ باليمين .
وبهذا يجمع بين الأدلة الدالة على اعتبار التكبير أي مراعاة الكبير ، وعلى اعتبار الأيمن ، أي مراعاة الأيمن ، فنقول : إذا كانت القصة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان معه إناء يشرب منه ، وعلى يساره الأشياخ وعلى يمينه غلام وهو ابن عباس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء)) فقال الغلام : لا والله ، لا أوثر بنصيبي منك أحداً . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم (193) . فإذا كان هكذا فأعطه من على يمينك ، أما الذين أمامك فابدأ بالكبير، كما تدل عليه السنة ، وهذا هو وجه الجمع بينهما .
ثم إن الإنسان إذا أعطاه الكبير فمن يعطي بعده ؟ هل يعطي الذي على يمين الكبير ويكون عن يسار الصاب ، أم الذي عن يمين الصاب ؟
نقول : يبدأ بالذي عن يمين الصاب وإن كان على يسار الكبير ؛ لأننا إذا اعتبرنا التيامن بعد مراعاة الكبر ، فالذي على يمينك هو الذي عن يسار مقابلك فتبدأ به ، ما لم يسمح بعضهم لبعض ، ويقول : أعطه فلاناً .. أعطه فلاناً ؛ فالحق لهم ، ولهم أن يسقطوه ، والله أعلم .

----------------------

(183) رواه مسلم ، كتاب المساجد ، باب من أحق بالإمامة ، رقم ( 673 ) .
(184) رواه مسلم ، كتاب الصلاة ، باب تسوية الصفوف . . . ، رقم ( 432 ) [ 122 ] .
(185) رواه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين . . ، رقم ( 1847 ) [ 52 ] .
(186) رواه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق ، رقم ( 1846 ) .
(187) رواه مسلم ، كتاب الصلاة , باب تسوية الصفوف . . ، رقم ( 432 ) [ 123 ] .
(188) رواه البخاري ، كتاب الجزية والموادعة ، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال ، رقم ( 3173 ) ، ومسلم ، كتاب القسامة ، باب القسامة ، رقم ( 1669)
(189) رواه البخاري ، كتاب الجنائز ،باب الصلاة على الشهيد ، رقم ( 1343 ) .
(190) رواه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب السواك ، رقم (246 ) ، ومسلم ، كتاب الرؤيا ، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم ( 2271 ) .
(191) رواه أبو داود ، كتاب الأدب في تنزيل الناس منازلهم ، رقم ( 4843 ) .
(192) رواه أبو داود ، كتاب الخراج والإمارة ، باب في إقطاع الأرضين ، رقم ( 3071 ) .
(193) رواه البخاري ، كتاب المساقاة ، باب من رأى صدقة وهبته ووصيته جائزة . . . ، رقم ( 2351 ) ، ومسلم ، كتاب الأشربة ، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما . . ، رقم ( 3030 ) .
__________________
قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله


إذا رأيتم أنفسكم متخلفين عن رتب السابقين مقصرين غاية التقصير عن أحوال المتقين, أوجب لكم الخوف والخشية من رب العالمين , فرأيتم التفريط ملازما لكم في جميع أحوالكم , والنقص مستوليا عليكم في أقوالكم وأفعالكم , والذنوب واقعة منكم في ليلكم ونهاركم , فذلك يدعوكم إلى التوبة والاستغفار وملازمة الندم والخوف والانكسار , وأن تفتقروا إلى ربكم غاية الافتقار , لعل ربكم أن يفتح لكم من رحمته أبوابا.

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد المحسن زهير بن عبد الكريم التلمساني ; 03-10-2010 الساعة 09:02 PM.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-10-2010, 08:59 PM
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: تلمسان _ الجزائر
المشاركات: 712
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبد المحسن زهير بن عبد الكريم التلمساني
افتراضي رد: توقير العلماء وكيفية التعامل معهم (موضوع متجدد)


توقير العلماء
والاستفادة من علمهم


لفضيلة الشيخ:
عبد المحسن بن حمد العباد البدر
(حفظه الله تعالى)




الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلّم وبارك على عبد ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمّا بعد:
فإنَّ العلم الشرعي المستمد من كتاب الله عزّ وجلّ وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم هو العلم الحقيقي الذي يُراد عند الإطلاق والذي يُذكر الحاملون له ويوصفون بأنَّهم العلماء والرسول صلى الله عليه وسلَّم أرسله الله عزّ وجلّ رحمةً للعالمين وأنزل عليه الكتاب والحكمة وبلَّغ للناس كل ما يحتاجون إليه ودلَّ على كلِّ خير وحذَّر من كل شر صلى الله عليه وسلَّم وقد هيَّأ الله عزَّ وجلَّ له أصحاباً كراماً شرَّفهم الله عزَّ وجلَّ بصحبته وتلقي الشريعة عنه، فصاروا هم طليعة العلماء وهو مقدّمتهم الذين تلقوا مباشرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ذلك الحق والهدى، وكانوا رضي الله عنهم وأرضاهم معنيين بتلقي هذا العلم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام غاية العناية فكانوا يُلاَزمون مجالسه صلى الله عليه وسلَّم ويسمعون حديثه ويحضر منهم في بعض المجالس من يحضر ويغيب عنها من يغيب، ويحضر من غاب في مجالس أخرى يغيب عنها من حضر في المجالس الأخرى، فتلقوا كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم وكانوا رضي الله عنهم وأرضاهم يتناوبون على المجيء إليه عليه الصلاة والسلام، بحيث يوفقون بين مصالحهم الدنيوية وبين تحصيل العلم النافع المتلقى من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلَّم، فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنَّه قال إنَّه كان له جار من الأنصار وكان هو وإيَّاه يتناوبان النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، هذا يحضر يوماً، وهذا يحضر يوماً، فإذا حضر صاحب النوبة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما سمع في ذلك اليوم، فإذا رجع إلى بيته وإلى منزله التقى بجاره الأنصاري فأبلغه ما كان سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام وهكذا الأنصاري إذا نزل في نوبته وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما سمع من الحق والهدى ثمَّ رجع إلى منزله أخبر جاره عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه بما حصَّله وبما سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام من العلم في هذا اليوم. وكذلك عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه وأرضاه جاء عنه كما في صحيح مسلم أنه قال: كنّا نتناوب رعاية الإبل فلمّا جاءت نوبته أتى بها بعشي ثمَّ جاء وحضر بقية مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وسمع ما سمع منه.
فهذا شأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد جاء عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنَّه قال: كنَّا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتجاوزهنَّ حتى نتعلَّم معانيهنَّ والعمل بهنَّ فتعلَّمنا العلم والعمل جميعا. هذا شأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، حرصوا غاية الحرص وبذلوا ما يستطيعون في تحمُّل هذه الشريعة وتلقيها عن المصطفى صلى الله عليه وسلَّم وقد قاموا بما يجب عليهم نحوها تحملاً وتأديةً على التمام والكمال وكان هذا من أسباب فضلهم وشرفهم ونُبلهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم لأنَّ كلَّ من جاء بعدهم لا يعرف الحق والهدى إلاَّ من طريقهم ولم يبلغه الكتاب والسنَّة إلاَّ بواسطتهم فهم الواسطة بين الأمَّة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولم يحصل للنَّاس شيء من الحق والهدى إلاَّ عن طريقهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ومن إستغنى عما جاء عن طريقهم فإنَّه لم يظفر بشيء من الحق وإنَّما ظفر بالخذلان وظفر بالحرمان وسلوك سبيل غير المؤمنين لأنَّه لا صلة تربط المسلمين برسول الله صلى الله عليه وسلَّم من بعد عهد الصحابة إلى يوم قيام الساعة إلاَّ بالأخذ عن الصحابة ولهذا كان شأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم أنَّ لهم من الأجور ولهم من الثواب ما لم يكن لأحد بعدهم وذلك أنَّ لحق والهدى الذي دلّوا عليه واستفاد منهم من جاء بعدهم لهم مثل أجور كلِّ من استفاد هذا العلم عنهم واستفاد من هذا الخير بسببهم فلهم مثل أجور الأمَّة منذ زمانهم إلى قيام الساعة وهذا فضل عظيم من الله عزَّ وجلَّ عليهم وهذا مما فَضَلُوا به غيَرهم وتميَّزوا به على غيرِهِم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
ثمَّ جاء بعدهم التابعون وساروا على منوالهم وتلقوا ما تحمَّله الصحابة رضي الله عنهم، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، تحمَّلوه عنهم وهكذا سلسلة متصلة الحلقات جيل يأخذ من الجيل الذي قبله ثمَّ يأخذ عنه الجيل الذي بعده وهكذا. فدوَّنت السنَّة وحُفظت وتفقَّه النَّاس في كتاب الله عزَّ وجلَّ وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم. فكانت هذه الطريقة المتبعة وهذه المحجّة الواضحة وهذا هو المسلك القويم، وهو تلقي العلم عن أهله ولهذا كان هؤلاء العلماء من الصحابة ومن بعدهم ومن سار على منوالهم وُصِفوا كما جاء في الحديث بأنَّهم الوُرَّاث لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في الحديث أنَّ: «العُلَمَاء وَرَثَةُ الأنبيَاء، وأنَّ الأنبيَاء لم يورِّثوا دينارا ولا درهما وإنَّما ورَّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحضٍ وافر»، فكان هذا شأن علماء هذه الأمَّة من الصحابة ومن تبعهم ، هم الوُرَّاث الذين وَرِثوا هذا الحق والهدى وهذا العلم النافع الذي يتناقله كلّ من جاء بعدهم ويستفيد من علمهم ويذكرهم بالخير ويُثني عليهم ويدعو لهم ويأجره الله عزَّ وجلَّ بالعمل بهذا العلم النَّافع الذي أخذه عن طريقهم ويأجرهم الله عزَّ وجلَّ بمثل ما أثاب به هذا الذي استفاد هذا الحق الهدى من طريقهم، فصار هؤلاء العلماء من الصحابة ومن بعدهم هم الوُرَّاث الذين ورثوا هذا العلم النافع وهو ميراث النبوة فإن العلماء الذين يشغلون أوقاتهم في تحصيل العلم النَّافع وفي بذله وفي نشره وتدوينه هذا هو الذي يبقى لهم بعد وفاتهم وهذا الذي يكونون به أحياء بعد وفاتهم، فإنَّ النَّاس إذا ماتوا إذا لم يُخلِّفوا علماً ولم يُخلفوا شيئاً من هذا الميراث وهو ميراث النبوة، فإنَّهم يُنسوْن ولا يذكرون بعد فترة وجيزة من وفاتهم ولكن هؤلاء تمضي السنين والأعوام وهم أحياء على ألسنة الناس وفي أذهنة الناس وفي قلوب الناس وهذا هو الذكر الحسن الذي يبقيه الله عزَّ وجلَّ لأوليائه.
هذا هو الذكر الحسن الذي به حيَّ هؤلاء بعد موتهم بمئات السنين وقد نُسيَ من كان في زمانهم ممن لم يكن على منوالهم وعلى منهاجهم فنحن الآن في القرن الخامس عشر ومع ذلك هناك أعدادٌ كثيرة من سلف هذه الأمَّة دائماً وأبداً نسمع ذكرهم ودائماً وأبداً تمرّ بنا أسماؤهم ويمرُّ بنا علمهم فنستفيد من علمهم ونترحم عليهم وندعوا لهم وهذه هي الثمرة وهذه هي الفائدة الحقيقية من العلم النافع ومن اشتغل بتحصيل المال وبجمع المال ولم يشتغل بتحصيل العلم النافع لا يرثه إذا مات إلاَّ أولاده وورثته، وأمَّ هؤلاء فإنَّ ورثتهم كثيرين وهم ليسوا منحصرين في زمان وإنَّما يرثهم العلماء ويرثهم طلاَّب العلم في كل زمان وفي كل مكان فيستفيد من علمهم ويذكرهم بالخير ويثني عليهم.
ثم إنَّ هؤلاء العلماء الذين هذا شأنهم وهذا وصفهم بذلوا ما يستطيعون في الوصول إلى الحق وفي تحصيل العلم النافع وفي معرفة الأحكام الشرعية فقد بذلوا وسعهم وتوصلوا إلى ما توصلوا إليه وقد كانوا جامعين بين معرفة الدليل والفقه في الدليل وهذا هو الغالب على كثير منهم فإنَّهم جمعوا بين الفقه والحديث، جمعوا بين معرفة الآثار وحفظها واستيعابها وبين الفقه فيها فكانوا أوعيةً للعلم وحفَّاظاً له وكانوا أيضاً متمكنين في فهمه وفي معرفته، ولهذا كانوا يجمعون بين الدراية والرواية، لا يكون همهم الرواية فقط ولا همهم الدراية فقط وإنما همهم أن يجمعوا بين العلم والعمل وأن يجمعوا بين حفظ الأدلة وبين الفقه فيها ومعرفتها، ثمَّ إنَّهم يتفقون فيما يتفقون فيه ويختلفون فيما يختلفون فيه وهذا الذي يختلفون فيه منه ما هو اختلاف تنوّع ومنه ما هو اختلاف تضاد فاختلاف التنوُّع لا يؤثر، ولا حرج فيه ولا يُقال إنَّ هذا مصيب وهذا مخطئ بل كلهم مصيبون، لأن اختلاف التنوع كله جاءت به السنَُّة وكله حق، إن أخذ بهذا فحسن وإن أخذ بهذا فحسن وهذا لا ُيضاد هذا ولا يٌخالف هذا، وهذا مثل ألفاظ الأذان ومثل ألفاظ الاستفتاح ومثل ألفاظ التشهد وكل ما وردت به السنَّة وكل ما ثبتت به من هذه الصيغ فان الأخذ بأي واحد منها يُعتبر حقاً ولا يُعتبر أحدهم مصيب والآخرون مخطئون وإنَّما كلُّهم مصيبون لأن هذا حق .. وهذا حق .. وهذا حق .. وهذا حق، وهذا يُسمى اختلاف تنوُّع.
وأمَّا اختلاف التضاد وهو كون هذا يَعْتَبر هذا حلالاً وهذا يعتبره حراماً، هذا سائغ وهذا غير سائغ، هذا جائز وهذا غير جائز، هذا يسمى اختلاف تضاد، وهذا الاختلاف الذي يجري بينهم، إنما أدَّاهم إليه اجتهادهم، وهم بذلوا ما يستطيعون في معرفة الحق وكلٌ توصل إلى ما توصل إليه وهو لا يعدم إمَّا أن يكون مصيباً أو يكون مخطئاً، ولكن لا يعدم أجرا أو أجرين فإن أصاب في اجتهاده فإنَّه مأجور على اجتهاده وعلى إصابته وإن أخطأ ولم يُوفق في اجتهاده فهو مأجور على اجتهاده وخطؤه مغفور لأنه قد بذل ما يستطيع في سبيل الوصول إلى الحق فإن وفّق له فإنه يكون مأجوراً على اجتهاده وعلى إصابته، وان لم يوفق فإنَّه يكون مأجورا على اجتهاده وخطؤه مغفور.
هذا شأن سلف هذه الأمَّة وهذا شأن علماء الأمَّة رحمهم الله فإنَّهم بذلوا ما يستطيعون وهم دائرون بين الأجر والأجرين وهذا هو الذي يجب أن يُعْتَقَدَ في حقهم وهذا الاختلاف الذي حصل بينهم وكون منهم من يوَفِّقَ للدَّليل والأخذ بالدليل ومنهم من لا يحصل له ذلك ولا يتأتى له ذلك، ذلك بسبب ما بلغه من العلم ومعلوم أنَّ سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يُقال أّنَه استوعبها أحد من النَّاس، أو أنه يُمكن أن يستوعبها شخص من النَّاس بحيث لا يفوت عليه منها شيء فإنَّ هذا غير ممكن وغير حاصل وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلَّم كان يُحَدّث في بعض المجالس أحاديث يغيب عنها من يغيب ويحضرها من يحضر ويتحملها من يحضر ثم تخفى على من لم يحضرها ولم تبلغه، ولهذا كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين تحدث القضية وتحدث المسألة فيما بينهم فلا يكون عند هؤلاء الخلفاء الراشدين الأربعة علم بحكمها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيتوقف فيها ويسأل ثم يأتي بعض الصحابة فيخبر بأنه سمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كذا فيعتمد ويذهب هذا الصحابي إلى ما بلغه من الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كلٌ منهم رضي الله عنهم وأرضاهم تحدث له المسألة ثم لا يكون عنده علم بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فيسأل ويستشير ثم يبلغه الدليل عن الذي سمعه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيرجع ويعتمد على هذا الدليل الذي بلغه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه وهو من أوعية السنة وأيضا من فقهائها يرشد إبنه ومولاه لأن يذهب إلى أبي سعيد الخدري ويسمع من حديثه، كان يدل بعضهم إلى بعض ويرشد بعضهم إلى أن يذهب الناس إلى هذا الصحابي لأن يأخذوا من حديثه، وذلك أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لم يستوعبه أحد من الناس ولم يكن حصل منه ذلك ، ولا يدعي ذلك ولا يجوز أن يُدَّعى ذلك لأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يحيط بها شخص من الناس بعينه بحث لا يفوته شاردة ولا واردة منها إلا وقد كانت عنده فهذا لا يدعيه أحد ولا يجوز أن يُدَّعى في أحد من الناس بل إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما حصل هذا لأحد منهم وما ادُعي هذا في أحد منهم فمن باب أولى من يجيء بعدهم ولكن كما عرفنا هذا من أسباب الاختلاف التي وقعت، ولهذا كان بعض من تبع سلف هذه الأمة يبلغه الحديث من طريق لا تثبت عنده، فيقول بخلاف هذا الدليل الذي ، ولكنه يعلق به صحته ويقول إن صح قلت به وهو قولي، فإن صح فهو قولي، هكذا جاء عن سلف هذه الأمة كما جاء ذلك عن الشافعي وعن غيره، فإن الإمام الشافعي رحمه الله كثيرا ما يقول في عدد من الأحاديث، إن صح الحديث قلت به، وقد جاء بعض أتباعه، ممن بلغه الحديث، فقال ، وقد صح الحديث فهو مذهب الشافعي، وقد صح الحديث فهو مذهب الشافعي، أي المذهب الذي علق به القول على صحته فإنه قد صح وإذاً فهو مذهبه، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله، أنه أجمع المسلمون على أن من استبانة له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لم يكن له أن يدعها لقول كائن من كان، هذه طريقتهم، يجتهدون في معرفة الحق فقد يصيبه هذا المجتهد وقد يخطئه ولكنه كما عرفنا لا يعدم الأجر أو الأجرين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابْ فَلَهُ أَجْرَانْ، وإذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأْ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدْ»، هكذا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا أنه ليس كل مجتهد مصيب، مصيب للحق، ليس كل مجتهد مصيب للحق، فمن الناس من يصيبه ومنهم من يخطئ، ولكن من أصابه ضفر بأجرين ومن أخطأه ضفر بأجر واحد، نعم يمكن أن يقال أن كل مجتهد مصيب يعني مصيب للأجر، كل مجتهد مصيب للأجر مع التفاوت في الأجور، وأما إصابة الحق فإن هذا الحديث واضع في أن هذا الاختلاف الذي يكون من قبل اختلاف التضاد فإن الحق يكون مع واحد وغيره يكون على خلاف ذلك ولكن من أصاب ضفر بالأجرين ومن أخطأ ضفر بالأجر الواحد، وهذه هي الطريقة المتبعة في القرن الأول وفي القرن الثاني وهكذا كل يجتهد فيما بلغه من العلم ويبذل وسعه ويحصل وينتهي إلى ما ينتهي إليه، ولكنه مأجور، وهذا ما يجب أن يُعتقد في حق السلف من هذه الأمة ممن بعدهم من الصحابة ومن سار على منوالهم وسار على منهاجهم، أنه لا يعدم الأجرين أو الأجر الواحد، ثم إن الواجب على طلاب العلم وعلى المنتمين إلى العلم أن يوقروا هؤلاء العلماء الذين ساروا على منوالهم، يوقروهم بمحبتهم وإمتلاء القلوب بمحبتهم وتعظيمهم واجلالهم التعظيم والاجلال اللائق بهم وذكرهم بالخير والثناء عليهم وحمل ما يأتي منهم على أحسن المحامل واعتقاد أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وأن من أصاب منهم فله أجران ومن أخطأ منهم فله أجر واحد وخطؤه مغفور، هذا هو الذي يجب في حقهم ولا يُتكلم فيهم إلا بالخير، لا يتكلم فيهم بغير ذلك، لأن من تكلم فيهم بغير ذلك إذا كان على سبيل الإضرار أو على سبيل الحط من شأنهم فإن هذا لا يضر المتكلم إلا نفسه، أما إذا كان الكلام فيما يتعلق ببيان أحول العلماء وأحوال الرواة من الثقة والعدالة ومن الصدق وغير ذلك من الصفات، فإن هذا أمر لابد منه، قد سلكه سلف هذه الأمة.
وعلى أحد من سلف هذه الأمة في غير حق فإن هذا لا يتضرر إلا منه إلا من فاه به ومن تكلم به، ومن أحسن ما جاء في هذا كلمة لأبي جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة عقيدة أهل السنة والجماعة فإنه قال رحمه الله في هذه العقيدة: ((وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يُذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل)) هذه كلمة عظيمة تبين لنا المنهاج الذي ينبغي أن يسلكه طالب العلم في حق سلف هذه الأمة الذين أفنوا أعمارهم وبذلوا قصار جهدهم في جمع العلم وتحصيله وتدوينه حتى صار أمامنا ميسراً ومهيئاً، ليس علينا إلا أن نقرأ هذا الذي دونوه، وأن نقتطف من هذه الثمار المهيأة الناضجة، التي هم أنعبوا أنفسهم في جمعها وفي سقايتها وفي رعايتها والمحافظة عليها حتى وصلت إلينا جاهزة، ووصلت إلينا على هذه الصورة وعلى هذه الهيئة الكاملة التي ليس علينا إلا أن نقرأ وأن نستفيد فمن حقهم علينا أن نثني عليهم وأن نمدحهم وأن نحمدهم على ما حصل منهم وأن نذكرهم بالخير وأن تكون ألسنتنا رطبة بذكرهم وأن تكون قلوبنا مليئة بحبهم وأن نستفيد من علمهم وأن نعترف بفضلهم وبسبقهم إلى هذا الخير وبكونهم خلفوا لنا هذا الميراث الذي علينا أن نحصر أن نكون من ورَّاثهم وأن نكون في ضمن الحلقات المتصلة في هذا الميراث الذي هو ميراث النبوة التي تلقاه أصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومن جاء بعدهم على منوالهم.
إذن هؤلاء العلماء الذين أشرت إليهم وهم الصحابة ومن بعدهم، هؤلاء هم العلماء الذين نعنيهم بأن يوقروا وأن يعظموا وأن يثنى عليهم وأن يستفاد من علمهم وأن يذكروا بالخير وأن لا يذكروا بسواه سواء كانوا من أهل الحديث أو من أهل الفقه كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله هذه الكلمة العظيمة: ((وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر))، وهؤلاء هم أهل الحديث، ((وأهل الفقه والنظر))، وهؤلاء هم الذين اشتغلوا بالفقه وفي تدوين مسائل الفقه، ((لا يُذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل))، على غير سبيل الواضع وعلى غير السبيل المستقيم لأنه انحرف عن الجادة، هؤلاء الذين بذلوا جهودهم في جمع العلم وتحصيله وتدوينه ثم خلفوه لنا نتنكر لهم ونعيبهم ونتنقصهم، هذا لا يسوغ ولا يجوز، بل الواجب علينا أن نثني عليهم وأن نمدحهم وأن نستفيد من علمهم.
ثم كيف نستفيد من هذا العلم؟ ما هي طريقة الاستفادة من هذا العلم، علم هؤلاء العلماء الذين علينا أن نوقرهم وأن نثني عليهم، كيف نستفيد من علمهم؟

إن الاستفادة من علم هؤلاء أن نحرص على اقتناء الكتب النافعة التي تحتوي هذا العلم الذي ورَّثوه والذي خلَّفوه، سواء كان هذا العلم عن الشخص، هو الذي دونه وهو الذي جمعه أو أن علمه دونه غيره وجمعه غيره ممن جاء بعدهم، فنستفيد من هذا العلم المهيأ سواء كان جمعه مؤلفه أو جمعه غيره ممن جاء بعده، نستفيد من ذلك بأن نقتني هذه الكتب النافعة وأن نحرص على الاستفادة منها وكيف نستفيد منها؟ إن من طرق الاستفادة من هذه الكتب أن نقرأ مقدماتها وأن نعرف مصطلحاتها، لأن قراءة المقدمات، مقدمات الكتب في الغالب يكون فيها توضيح للمصطلحات، وفيها بيان للطرق والمناهج التي أرادها هؤلاء العلماء والتي قصدها هؤلاء العلماء في تأليفهم، فإن من لا يقرأ هذه المقدمات ولا يعرف المصطلحات التي اشتملت عليها هذه المقدمات قد يبحث عن الشيء في غير مضنته، قد يضن أنه يجد بغيته في هذا الكتب، وهي لا توجد فيه لأنها لا تدخل تحت مصطلح صاحبه التي بينها والتي أوضحها في كتابه، إذن قراءة المقدمات ومعرفة المصطلحات إذا كانت هناك مصطلحات عُرفَت عن طريق الاستقراء، وعن طريق التتبع لعمل هذا المؤلف وصنيع هذا المؤلف بمعرفة هذه المصطلحات يستفيد الإنسان من هذا الكتاب، وأما إذا لم يعرف المصطلحات فإنه لا يستفيد وقد يبذل شيئا من الوقت في البحث في كتاب، هذا الكتاب ليس مضنة لهذه الفائدة، وليس مضنة لهذا الشيء الذي يبحث عنه الإنسان لأنه لا يدخل تحت اصطلاح الكتاب ولا يدخل تحت ما عناه وما قصده المؤلف من هذا الكتاب. إذن معرفة المقدمات، هذه من أهم الطرق التي يستفيد بها الإنسان من علم هؤلاء العلماء الذين دونوا هذا الميراث الذي هو ميراث النبوة، ثم من أهم الاستفادة من هذه الكتب أن الإنسان عندما يقرأها يحرص على تدوين الفوائد المهمة التي يمر بها يدونها عنده في مذكرات خاصة هذه الفوائد تعتبر إذا لم يقيدها وإذا لم يدونها فإنها تضيع، تضيع عليه ولا يعرف أين هي، فإذا كان الكتاب مكون من مجلدات كثيرة ثم يمر الإنسان بفائدة فإنه إذا لم يدونه فإنه لا يستطيع الوصول إلى هذه الفائدة، ولا يستطيع معرفة هذه الفائدة أين توجد إذا لم يدون المكان الذي وجدها فيه، هذا من أهم ما يكون في الاستفادة من الكتب فمثل كتاب: ((فتح الباري)) مكون من ثلاثة عشر مجلد، وفيه من الكنوز وفيه من الفوائد العظيمة، إذا مر الإنسان بهذه الفوائد ولم يدونها فإنه قد يحتاج إليها في وقت من الأوقات ثم تضيع في هذا البحر وفي هذا الخضم، ولا يتمكن من ذلك إلا بأن يقرأ أو يفتش في المضنات وقد يحصلها وقد لا يحصلها، وقد يمضي عليه ساعات كثيرة في تحصيلها فقد يحصلها ويكون ضفر بتعب وضيع على نفسه وقتا طويلا كان بإمكانه أن يستفيد لو دون هذه الفائدة عندما مر بها في أول مرة، إذن هذا من أهم الطرق التي بها يحصِّل الإنسان الفوائد من هذه الكتب.
ثم تخصيص أوقات، وقت الإنسان، لمطالعة بعض الكتب النافعة، وشغل وقته فيها، هذا مما يحصل به العلم، ومما يستفيد به الإنسان من علم العلماء السابقين الذين خلفوا لنا هذا التراث، والذين دونوا لنا هذا التراث العظيم الذي ليس علينا إلا أن نقتطف هذه الثمار وأن نجني هذه الثمار التي تعب غيرنا في جمعها، ونحن ليس علينا إلا أن نقرأ هذا الذي جمعوه وهذا الذي خلفوه، ثم إن طالب العلم يستفيد من مختلف الكتب، لا يكون همه أن يشتغل بكتب الحديث، ويغفل عن كتب الفقه أو عن الشروح التي تشتمل مسائل الفقه، بل يكون الإنسان معنياً بهذا ومعنياً بهذا، معنياً بمعرفة الدليل وبمعرفة الأسانيد وبمعرفة الرجال وبمعرفة الكيفية التي بها يُتَوَصَّل إلى معرفة الحكم على الأحاديث وتبيين الصحيح من الضعيف، ثم في نفس الوقت يحرص على ما يُسنتَبط من هذه الأحاديث وعلى الدرر الثمينة والكنوز المخبأة في هذه الأحاديث التي لا يُضفر بها إلا عن طريق التأمل في معانيها وفي سياقها، وكذلك أيضا في الوقوف على الكتب التي كتبها العلماء في بيان فقه هذه الأحاديث وما يُستخرج منها وما يُستفاد منها فإن هذا من أهم ما يكون لطالب العلم، أن يكون معنياً بمسائل الفقه ومعنيا بمسائل الحديث لا يكون منحصرا في بعض التخصصات فيما يتعلق بمعرفة الرجال ومعرفة الأسانيد ولكنه لا يعرف مسائل الأحكام الفقهية!!، وإذا عرض عليه مسائل فقهية يكون لا خبرة له بها، وقد تكون مسائل يسيرة ومسائل واضحة لا ينبغي أن تخفى على مثل هذا الطالب ولكن بسبب انشغاله عنها بعض الجوانب قضي عليه ذلك، ولكن يحرص على أن يكون جامعا بين هذا وهذا، يحرص على الرواية ويحرص على الدراية، يحرص على معرفة الأحاديث وعلى الفقه في هذه الأحاديث، وكذلك أيضا على الإطلاع على كتب الفقه التي دونها الفقهاء في كتب المذاهب الأربعة وكذلك الكتب التي جمعت [فقه التابعين وفقه أتباع التابعين،] فقه الصحابة فقه التابعين وفقه أتباع التابعين يرجع إليها ويستفيد منها لأن هذا هو الطريق الذي يحصل به العلم ويحصل به العلم النافع ويتمكن الإنسان فيه من الوصول إلى بغيته وإلى ما ينشده ويريده، وأهم شيء في هذا تنظيم الأوقات لطالب العلم فإنه إذا نظّم أوقاته وحصل ولو شيء قليل في كل يوم فإنه على ممر الأيام وعلى توالي الأيام تكون حصيلته كبيرة وتكون حصيلته ضخمة لأن الشيء إذا جاء في كل يوم ولو قل فإنه على ممر الأيام وعلى طول أيام السنة يحصل الإنسان الشيء الكبير فلو أن الإنسان فقه في كل يوم مسألة وتمكن من معرفة حكم مسألة ودرسها وعرف النهاية فيها يكون بعد مضي سنة حصل على ثلاث مئة وأربع وخمسين مسألة أو أقل أو أكثر، وإنما الإهمال والتفريط وضياع الأوقات في غير طائل هذا هو الذي يفوت العلم وهذا الذي يضيع معه العلم ثم إن العلم لا يمكن ضبطه ولا يمكن الاحتفاظ به إلا بمذاكرته وشغل الأوقات به فإن هذا هو الذي يبقي عليه وأما إذا أهمل وإذا غفل عنه وإذا اشتغل عنه في غيره فإنه يضيع ويتلاشى ويضمحل وإنما الإبقاء عليه يكون بمذاكرته وعمارة الأوقات في مدارسته وكونه حديث المجالس ... عندما يلتقي طلاب العلم يكون حديثهم في مسألة من مسائل العلم أو في مسائل فإن هذا يستفيد من هذا و هذا يستفيد من هذا وهذا يدل هذا على ما خفي على هذا، وقد روى البخاري في صحيح وهو أول حديث بكتاب الرقاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسْ، الصِّحَةُ وَالْفَرَاغْ»، فهذا الفراغ هذا الوقت إذا ما قتله الإنسان وشغله الإنسان لتحصيل العلم ومذاكرته فإنه يكون وبالا عليه إذا ما شغله في غير طائل، إذا ما شغله طالب العلم في هذا المجال فإنه لا يحصل العلم وإذا كان عنده شيء من العلم فإنه لابد وأن ينتهي ويتلاشى لأن تحصيل العلم إنما يكون بالاشتغال فيه وبشغل الأوقات فيه والوقت ثمين فإذا لم يحفظ فيما يعود على الإنسان بالخير فإنه يضيع على صاحبه ولا يستفيد منه صاحبه بل قد يتضرر منه فيما إذا عمره بما يعود عليه بالمضرة وفيما إذا شغله بما يعود عليه بالمضرة، وإذا فطالب العلم يحرص على شغل وقته في تحصيل العلم وتدوينه وعلى مذاكرته بين طلاب العلم عندما تحصل اللقاءات فيما بينهم في أي مناسبات، لا يكون ذلك خاصاً بمجالس العلم ومجالس الدروس إنما إذا التقوا في الطرقات أو التقوا في المناسبات أو في أي مكان يكون شغلهم الشاغل هو البحث عن العلم والذاكرة في العلم وهذا هو الذي ينميه ولهذا يقول بعض العلماء يوصي ابنه في المحافظة على العلم وفي تحصيله وفي الإبقاء عليه وبيان ميزته وفضله على غيره وأنه يزيد وينمو بمذاكرته والاشتغال به وأنه ينقص بإهماله وعدم مذاكرته، يقول في وصيته لابنه:
وكنز لا تخشى عليه لصاً ... خفيف الحمل يوجد حيث كنت

هذا هو العلم، ((وكنز لا تخشى عليه لصاً))، المال يُسرق ويذهب ولكن العلم الذي يحفظه الإنسان وحافظ عليه هذا مع الإنسان ولا يخشى عليه ولا يذهب إلا بذهاب الإنسان، لا يذهب إلا بذهاب الإنسان، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلَّم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه، ولكن يقبض العلم بموت العلماء »،

يقول هذا الشاعر:
وكنز لا تخشى عليه لصاً ... خفيف الحمل يوجد حيث كنت
يزيد بكثرة الإنفاق منه ... وينقص إذا عليه شددنا
((يزيد بكثرة الإنفاق منه)) يعني الإنسان كلما يذاكر به وكلما يتحدث به، فكلما يذكره فإنه يثبت ويستقر ولكن إذا لم يذاكر به ولم يكن حريص المجالس مع طلاب العلم فإن الذي عند الإنسان على ممر الأيام يُنسى ويتلاشى ويضمحل هذا هو الواقع، وهذه هي الحقيقة وإذا نظرنا إلى قلت علمنا في هذا الزمان وعدم تمكننا من التحصيل فإن من أسباب ذلك هو عدم شغل الأوقات في التحصيل وعدم المذاكرة في هذا العلم الذي نحصله وإذا أردنا لأنفسنا أن نحصل العلم فإن هذه الطريق الواضحة في تحصيله والإبقاء عليه.

وأسأل الله عزّ وجل أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه وأن يوفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل به وأن يجعلنا هداة مهتدين إنه سبحانه وتعالى جواد كريم، وصلى الله وسلَّم وبارك على خير خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.



المصدر شريط بعنوان:
توقير العلماء والاستفادة من علمهم ، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-10-2010, 09:00 PM
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: تلمسان _ الجزائر
المشاركات: 712
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبو عبد المحسن زهير بن عبد الكريم التلمساني
افتراضي رد: توقير العلماء وكيفية التعامل معهم (موضوع متجدد)


خاتمة كتاب قواعد في التعامل مع العلماء
تقديم سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
–رحمه الله تعالى-
تأليف عبدالرحمن اللويحق
( في نهاية هذا البحث الذي أسأل الله أن ينفع به , أختم ببيان أهم النتائج التي توصلت إليها , وهي تمثل خلاصة هذه الورقات :
1- أن للعلماء ميزات تميزهم عن غيرهم من الناس رأسها العلم الذي تحويه صدورهم , والفقه الذي تميزوا به , وبهذا يعرفهم الناس فيشهدوا لهم بالعلم والفضل والمؤمنون شهداء الله في أرضه .

2- أن العلماء يتميزون عن غيرهم من الناس وخصوصاً من يظن الجهلة أنهم من العلماء وليسوا كذلك من مثل : القراء و(المفكرين) والمثقفين والوعاظ والخطباء . إذ معرفة العالم عائدة إلى معنى غير المعاني المتوافرة في هؤلاء الأصناف وإن كانوا في جملتهم أهل فضل ولكن لكل فنٍ رجاله .

3- أن للعلماء اعتبار في الشريعة ومنزلة في الدين لم ينالها غيرهم من الناس , وقد بينت في طيات البحث أدلة ذلك الاعتبار .
أ- أن اعتبار العلماء لا يعني تقديس ذواتهم إذ طاعتهم تبع لطاعة الله عز وجل وإنما هم أدلاء على حكم الله .
ب- أن اعتبار العلماء اعتبار كلي في جميع جوانب الحياة كما أن الشرع شرع ينتظم جوانب الحياة كلها فهم يطاعون في أمور الاقتصاد والسياسة كما يطاعون في أمور العبادات .
ج- أن هذا الاعتبار جاء عن طريق الشرع ولا يرفعه إلا الشرع فلا يزيل مكانة العالم أمر دنيوي مثل حسد قرنائه له أو عزله أو عدم رضا أحد من الناس برأيه .
د- أن هذا الاعتبار يقوى كلما كان القول مجمع عليه أو قال به طائفة كبيرة من المعتبرين في الأمة .

4- أن واجب الناس موالاة العلماء ومحبتهم , فهم أحق الناس بالموالاة والمحبة في الله عز وجل , وتلك المحبة عنوان رُشَدِ المرء وسلامة معتقده ومنهجه .

5- أن توقير العلماء واحترامهم سنة ماضية حض عليها النبي – صلى الله عليه وسلم – ودرج عليها سل الأمة .

6- أن طريق صنع العلماء هو الأخذ عن العلماء , والأدله متضافرة على الأمر بالأخذ عن العلماء والسعي إليهم والشأن أن الناس هم الذين يسعون إلى العلماء لا العكس .

7- أن العلم درجات والعلماء مراتب يتفاوتون بعدة اعتبارات , مثل : السن , والتخصص , وعلى الناس أن يراعوا للعلماء مراتبهم .

8- أن القدح في العلماء والطعن فيهم سبيل من سبل أهل الزيغ والضلال , ذلك أن الطعن فيهم طعن في الدين ذاته إذ هم حملته العالمون به .

9- أن العلماء بشر يخطئون , ولكن اتهامهم بالخطأ يعرض فيه مزلقان خطيران :
أ- أن يكون اتهامهم بالخطأ غير صحيح .
ب- أن يحكم على العالم بالخطأ غير العالم ,والجاهل لا يعرف خطأ نفسه فضلاً عن أن يعرف خطأ غيره , فضلاً عن أن يحكم على العالم بالخطأ .

10- أن العلماء هم خير الأمة , ومن الواجب التماس العذر لهم وإحسان الظن بهم فهذا حق لجميع المؤمنين , والعلماء أولا الناس به .

11- أن وقوع الفتن كثير في هذه الأمة , ومن شأن الفتن أن تشتبه الأمور فيها , ويكثر الخلط وتزيغ الأفهام والعقول , والعصمة حين ذاك إنما هي للجماعة والتي يمثل العلماء رأسها فالواجب على الناس الأخذ بآرآئهم والصدور عن أقوالهم في كل حين , وفي حين الفتن على وجه الخصوص .

12- أن الناظر في تراجم العلماء وسيرهم لا يكاد يجد أحداً برز ولم يختلف فيه , فما أن يبرز شخص في هذه الأمة إلا ويُتكلم فيه , ما بين معظم مصوِّبٍ , ومُحَقِّرٍ مخطئ . والموقف الرشيد من ذلك : التثبت الذي أمر به الله عز وجل في قوله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا }.

13- أن من المتقرر في الشرع والعقل أن العلماء غير معصومين من الخطأ ولكن المظنون فيمن عرف في الأمة بالعلم وشُهدَ له بالفضل أن خطأه قليل بالنسبة لصوابه , وإذ كان الأمر كذلك فإن الاعتبار في الحكم إنما يعود إلا كثرة الفضائل , وهذه القاعدة قاعدةٌ سُنية سلفية , وليست بدعية خلفية(*) .

14- أن الموقف السليم من زلات العلماء وأخطائهم ينبني على أمرين :
أ- عدم اعتماد تلك الزلة لمجيئها على خلاف الشرع .
ب- العدل في الحكم على صاحبها فلا يشنع عليه من أجلها ولا ترد أقواله بسببها .

15- أن العلماء من أئمة المسلمين , ومن حقهم إن أخطأوا أن ينصحوا ولكن بالأسلوب اللائق بمقامهم المؤدي إلى الغرض.

16- أن أقوال العلماء في الجرح والتعديل أقوالٌ اجتهادية يعرض للعلماء فيها الخطأ بل قد يكون مبنى كلام بعضهم في بعضٍ العصبية والهوى والحسد , وبناء على ذلك فإن كلام العلماء الأقران في بعضٍ يُطوى ولا يُروى .

17- أن مما يدخل في العدل المأمور به في الشرع العدل في الحكم على المجتهدين ويمكن إجمال ما قيل في هذا في نقاط :
أ- المجتهد مأجور غير مأزور حتى وإن أخطأ .
ب- الاختلاف بين العلماء أمرٌ مقدور لا يمكن تجاوزه والمنهي عنه إنما هو البغي بسبب ذلك الاختلاف .
ج- إن اختلاف المجتهدين ليس اعتباطياً بل له أسباب معتبره أفرد لها العلماء مؤلفات خاصة .
د- إن الأصل الذي يرد إليه الخلاف هو الكتاب والسنة .
هـ- إنه ليس أحدٌ إلا ويؤخذ من قوله ويُردُّ إلا النبي – صلى الله عليه وسلم - .

18- أن ترك الاعتراض على العلماء المعروفين في الأمة بالعلم والأمانة والعدل أمر محمود , إذ على طالب العلم أن يتهم رأيه عند رأي الأجلة من العلماء , ولا يبادر إلى الاعتراض قبل التوثق .

19- إن أكثر الناس استحقاقاً للثقة هم العلماء فعلى المسلم أن يضع ثقته في أهل العلم .

والحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات , وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه .)


ـــــــــــــــ
(*) تنبيه قال في ص 138 (وهذا الكلام في الموازنة بين الحسنات والسيئات في الحكم على الشخص .
وأما إذا ذكر خطأ من أخطاء العالم فلا يلزم الذاكر له ذكر الحسنات والسيئات .
وعليه فإذا بينت خطأ إمام , فقلت : أخطأ في الأمر الفلاني كفاك ذلك .
وإذا مدحت عالم بدعة بالجودة في علم البلاغة مثلاً كفاك ذلك .
هذا إذا أُمنت الفتنة على السامع , أما إذا ظُنَّ أن السامع سيفهم الكلام على غير وجهه حكماً مطلقاً فلابد من البيان . )

__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-10-2010, 09:23 PM
الصورة الرمزية أبوسيف الجزائري
أبوسيف الجزائري أبوسيف الجزائري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: الجزائر : ورقلة
المشاركات: 1,621
إرسال رسالة عبر Skype إلى أبوسيف الجزائري
افتراضي رد: توقير العلماء وكيفية التعامل معهم (موضوع متجدد)


بارك الله فيك أخي زهير ورفع قدرك في الداريْن .
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:01 AM.